أغيد الخضر – خاص صوت وصوة 


هذه الورقة البحثيّة هي الحادية عشر من سلسلة مواد رأي سيتم نشرها بشكلٍ أسبوعي تتحدث عن “واقع منطقة حوض الفرات” في العصر الحديث منذ مرحلة الاستقلال حتى يومنا هذا وتعاقب أنظمة الحكم على المنطقة.


 

بعد أسابيع من القتال في محيط المربع الأمني غرب مدينة البوكمال, تحررت المدينة من قبضة نظام الأسد مع تحرير مطار الحمدان الزراعي بتاريخ 17 تشرين الثاني من عام 2012 على يد مقاتلي الجيش الحر, لتكون أول مدينة محررة في ديرالزور ويبدأ خط سير تحرير باقي الريف انطلاقاً من مدينة البوكمال.

بالعودة إلى الوراء قليلاً للنظر على واقع تشكيل الجيش الحر في مدينة البوكمال, نجد أن هذا الجيش كانت غالبيته العُظمة من مدنيين جُبروا على حمل السلاح لرد عدوان الأسد, ساعدهم بعض أبناء المدينة المنشقين عن النظام.

بداية الأمر كانت التشكيلات صغيرة لا تتجاوز العشرة اشخاص تقتصر عملياتهم على ضرب الحواجز ليلاً أو زرع العبوات بطريق سيارات الأمن. استطاعوا كسب شعبية بسرعة و صار يُنظر إليهم نظرة الأبطال, فبدأ الكثير من الشبان بالانضمام إليهم. بدأت أعدادهم تتكاثر وكان لا بد من تأمين السلاح, وللأمانة لم تكن عملية تدبر السلاح أمراً صعباً, لقرب المدينة من العراق وعمل بعض عناصر هذا الجيش بالتهريب ومقدرتهم على تأمين السلاح. مع تكاثر أعداد المقاتلين تكاثرت أعداد الكتائب حتى بات كل عشرة اشخاص يشكلون كتيبة حتى تجاوز العدد 200 كتيبة و 50 لواء في محافظة ديرالزور وحدها. كان تعدد الكتائب نتيجة اختلاف أهواء كل شخص, ليس جميع من حملوا السلاح من أصحاب الخلق الحسن وليس جميعهم سيئون, كانوا يختلفون عن بعضهم البعض إلا أن حب المدينة وكره النظام جمعهم بخندق واحد فاختاروا القتل بنفس الصف تحت أسماء مختلفة.

لم تكن أجواء الحرب جديدة على المدينة, فمن لم يعاصر العدوان الأميركي على العراق سنة 1991, عاصر العدوان الأخير عليه سنة 2003.

البوكمال مدينة مجاورة لمدينة حصيبة العراقية, أذكر جيداً في غزو العراق الأخير, كنا نصعد إلى الأسطح لنرى قصف الطيران الأمريكي على العراق وتصاعد الدخان والنار, لذا عاشت البوكمال طقوس الحرب في العراق كأي مدينة عراقية اخرى, ولم يكن الأمر يقتصر على التعاطف بحكم المجاورة, بل أن صلة القرابة وحب نسبة كبيرة من أهالي الريف عموماً للعراق والقيادة العراقية بزعامة صدام فحتى النظام يعرف بميول أناس كُثر من الريف الشرقي لصدام أكثر من الأسد الأب والأبن.

 

أذكر هنا حادثة جرت مدينة البوكمال أثناء قصف دول التحالف على العراق في عام 1991 وبحكم الجوار بين المدينة والعراق ورابطة الدم الموجودة بين سكان المدينتين السورية والعراقية والعروبية التي يتصف بها الشعب ( كان النظام يتشدق بها فإذا وضع على المحك تبين كذبه و زيف ادعاءاته ) خرج عدد من الشباب في مدينة البوكمال يهتفون الله أكبر احتجاجاً على ضرب المدنيين بطيران التحالف مما دفع بالنظام بزج عناصر الأمن للتصدي وإطلاق الأعيرة النارية في الهواء أولاً ثم على لناس مما أدى إلى جرح عدد من الشبان وتفرقهم وكان ذلك ليلاً, قام بعد ذلك عدد من أعضاء حزب البعث المدسوسين برش واجهة شعبة الحزب بالعيارات النارية للتذرع بهجوم مسلح على الشعبة خاصة بعد ما عرف أن عدد منهم شارك رجال الأمن بالتصدي للمحتجين, في اليوم الثاني شكلت ما يسمى باللجنة الأمنية من القيادات الحزبية وضباط الأمن في المحافظة ليتم اعتقال عدد كبير من الشبان ويتم التحقيق معهم بالأسلوب المخابراتي المعهود بالتعذيب والإهانات, ليخرج عدداً منهم ويبقي على ستين شاب منهم ليساقوا إلى دير الزور ثم إلى دمشق ليعتبروا سجناء سياسيين ضمن حركة تأديب للمنطقة, وإظهار المشاركة مع التحالف من قبل النظام بوقوفه إلى جانبه, ليقبض الثمن في مؤتمر مدريد للسلام المزعوم .

 

لم يعش بعض أهالي البوكمال حرب العراق من فوق الأسطح فقط, فهنالك عدد لا بأس به ممن دخل العراق لصد الغزو الامريكي على العراق, ذهابهم إلى العراق كان لأسباب مختلفة, فمنهم من ذهب للدفاع عن صدام أو حباً بالعراق أو كرهاً لأمريكا, ومنهم من رأي أن هنالك بلد عربي يتعرض للاحتلال فكان لا بد من الدفاع عنه, ومن بينهم قسم كان ذاهب لدوافع دينية أو خوفاً من سقوط النظام العراقي وسيطرة إيران على المنطقة. المهم في الأمر أن قسم من هؤلاء قد عاد, ما قبل الثورة السورية, فمن كان يعرف النظام بذهابه تم اعتقاله والإفراج عنه لاحقاً, ومنهم من كان يذهب ليلاً ويعود صباحاً بعيداً عن أعين النظام.

مع بدء العمل العسكري وضع هؤلاء خبرتهم القتالية في المعركة, حتى أن مدينة البوكمال كانت أول مدينة في سوريا يتم استخدام قذائف الهاون بها لمهاجمة افرع النظام بإصابات دقيقة, كانت تصل درجة الدقة أن يسأل الرامي من حوله ” من شباك تريدون أن تدخل”.

كانت العمليات العسكرية التي تحدث في مدينة البوكمال مرعبة للنظام ومبشرة لمحافظة  ديرالزور والمدن السورية الأخرى وبخط زمني سريع قياساً بإمكانيات النظام وتفوقه العسكري. ومع تحرر المدينة بدء السير باتجاه مدن وبلدات الريف الشرقي التي كانت استجابتها سريعة ولم تقل مشاركتهم عن مشاركة الجيش الحر في مدينة البوكمال, ومع كل تقدم يكتسب الجيش الحر عتاداً ثقيلاً يسخره لخدمة المعركة في ديرالزور ومحافظات سوريا أخرى, فالسلاح الذي استولى عليه الجيش الحر في البوكمال ذهب قسمٌ منه إلى إدلب وحمص لفك الحصار عنهم على شكل هبات. ولا يخلوا الأمر من بعض المنتفعين الذين باعوا هذا السلاح لكتائب الجيش الحر في باقي المحافظات.

مع تحرر المدينة وانتشار السلاح والكتائب, تعرضت المدينة لعدة مطبات منها غياب الحكم المدني عن المدينة ووقوعها تحت السيطرة العسكرية, وبدء توسع الجماعات المتشددة ومحاولة اثبات نفسها في المعادلة, فجبهة النصرة بدء ظهورها في سوريا مع بداية عام 2012, إلا أنها لم تكن ذائعة السمعة في المدينة ولم تختلف عن أي كتيبة أخرى, بل على العكس كان تواجدها قليل ومهمش.

تم انشاء مجلس محلي في المدينة لمحاولة كبح جمام العسكرة وتحييدها عن حكم المدينة, وبدأت معها نشاطات مدنية وحملات شبابية توعوية تعرضت في بعض المواقف لمضايقات من قبل الكتائب الموجودة في المدينة. في هذه المرحلة كان دور العشيرة قد بدء بالاضمحلال, فحاولت بعض العشائر انشاء كتائب ولائها للعشيرة لمحاولة اثبات وجود العشيرة.

غياب شكل الحكم عن المدينة خلق نوع من الفوضى نتيجة عدم خبرة القائمين بكيفية إدارة المناطق المحررة,  إلا أن هذه الفوضى وعلى الرغم من سوئها وصعوبتها إلا أنها كانت أفضل بكثير من حكم الأسد للمدينة, فقد غابت الاعتقالات, وانخفضت اعمال القتل في المدينة واصبحت مقتصرة على غارات الطيران. مع كل متر محرر جديد كانت تزداد صعوبة إدارة المناطق, وظهور جماعات تسعى لحكم المنطقة بقوة السلاح, كما أن توسع العمليات يحتاج مزيداً من السلاح والدعم في ضل غياب الدعم الدولي للجيش الحر. فعمدت الجماعات الصغيرة في ذلك الوقت وعلى رأسها جبهة النصرة بإيجاد ممول ذاتي يساعد على نموها واثبات نفسها أمام الكتائب الأخرى, فاتجهوا للسيطرة على حقول النفط والغاز في المدينة, والحق يقال أن ليست النصرة وحدها من استغلت النفط, فقد كان هنالك أيضاً بعض العوائل القريبة من الحقول النفطية والآبار عمدت إلى تسليح نفسها والسيطرة على تلك الموارد لمصالحها الشخصية, ليكون النفط خارجاً عن تمويل الجيش الحر والثورة بشكل شبه كامل ويذهب إلى الاستغلال الشخصي من قبل بعض الأفراد والمجموعات.

نمت المجموعات المسيطرة على النفط بين ليلة وضحاها واصبح تمويلها يفوق جميع الكتائب الموجودة وازداد عتادها وعددها فعمدت إلى تجميل صورتها بتقديم الدعم أحياناً للكتائب البقية بجزء بسيط كما عملوا على إمداد بعض المعارك بالذخيرة ليبقى النفط كنقمة على المنطقة كما كان الحال في عهد الأسد الأب والأبن معاً.

ولم تقتصر اضرار النفط على تمويله الخاطئ لبعض الجماعات, بل ازداد الوضع سوءاً باستخدام وسائل بدائية بعملية تكرار النفط وانتشار ” الحراقات الكهربائية واليدوية” في المنطقة لتتحول سماء المدينة إلى اللون الأسود وتنتشر الأمراض فيها.

من إيجابيات هذه المرحلة:

  • خروج المنطقة من حكم القبضة الأمنية الأسدية وانخفاض عدد الشهداء فيها إلى ما دون الربع بعد خروج الجيش والأمن منها واقتصار الأضرار على غارات الطيران الذي بدأ مكثفاً ومن ثم خف تدريجياً بعض اسقاط عدة طائرات كان اولها في مدينة موحسن.
  • أعطت دافعاً معنوياً ومادياً لكل الكتائب العاملة في سوريا بإمكانية خروج أي مدينة من حكم الأسد واستمرار الحياة بها بشكل طبيعي وأفضل من الوضع التي كانت عليه بظل وجود الجيش والأمن.
  • دحض مقولة الجيش العقائدي الذي لا يقهر وإثبات إنهم مجموعة من المرتزقة يسهل هزمهم في حال وجود العزيمة والنية على ذلك.
  • سحب النفط والغاز من يد النظام والتسبب بأزمة اقتصادية له, فوارد النفط خارج ميزانية النظام الأن كما أن آلياته بحاجة إلى المحروقات للتحرك, فتم شل حركة آليات النظام لفترة من الزمن ريثما ذهب إلى إيران لإمداده بالنفط.
  • ظهور عدة منظمات شبابية ودولية للعمل على تحسين واقع المدينة ورفع الوعي لدى المدنيين بأشكال الحكم لترسيخ قيم الثورة.
  • وصول السلاح إلى العديد من الجبهات في سوريا بعد أن كانت تعاني من شح في الأسلحة والذخيرة وفك الحصار عنها واستطاعت تلك الكتائب التقدم أكثر في مناطقها على حساب قوات النظام.
  • الحد من قدرة النظام العسكرية في المنطقة.
  • انتعاش المنطقة اقتصادياً لفترة من الزمن كون عائدات النفط كانت تصب في المنطقة.
  • ازدادت حرية التعبير والتوجه في هذه الفترة بأضعاف مضاعفة عما كانت عليه, رغم وجود بعض حالات الاعتقال من قبل الفصائل المسيطرة.
  • انتشار الحواجز التابعة للجيش الحر في المدينة والطرقات بغرض حماية المدنيين من بعض المحاولات التي عمد النظام إليها بدس جماعات تابعة له لزعزعة استقرار المنطقة وكشف ألاعيب النظام بسرعة.

 

أما عن سلبيات هذه المرحلة:

  • انتشار السلاح في أيدي الجميع وغياب السلطة القضائية مما أدى لحصول حالات تصفية حسابات شخصية بعيداً عن القضاء والعدل.
  • انحصر النفط في يد فئة منتفعة دون غيرها.
  • نشوء جماعات ركبت موجة الثورة للاستفادة من الوضع واستغلاله لمصالح شخصية كالبدء بعمليات تهريب الدخان والسلاح بين سوريا والعراق.
  • توسع جبهة النصرة وبدء ارتباطها مع العراق كون أن بعض أعضائها ممن قاتل سابقاً في العراق ويدينون بالولاء لقيادة تنظيم القاعدة في لاد الرافدين الذي اصبح لاحقاً تحت اسم الدولة الإسلامية في العراق.
  • منازعات بين الفصائل نتيجة اختلاف التوجهات ودخول المال السياسي بعد كثر هذه الفصائل فاصبح البعض يدين لأمريكا وكتيبة تدين لفرنسا وغيرها, الأمر الذي كان مرفوض من قبل الغالبية العظمة ومن قبل الأهالي أيضاً, فكانوا ينظرون لهؤلاء العناصر على انهم مرتزقة وليسوا ثوار, مما خلق مشاكل بينهم وبين الأهالي وكتائب عاملة في المنطقة.

 

إلا أن رغم كل المساوئ, كانت تُعد هذه الفترة بالذهبية مقارنةً بواقع الحال في أيام سابقة ولاحقة. فلم يعد هنالك دبابات للنظام تقصف ولا عناصر يتجولون في الشارع يعتقلون من يريدون. كما أن المدينة شهدت توسع عمراني واقتصادي كبير بلغ ذروته في هذه الفترة نتيجة محاولة إعادة بناء ما هدمته طائرات وصواريخ الأسد. كما أن هنالك نوع من حرية التنقل في كامل الريف الشرقي بعد غياب سلطة الأسد. كما كان هناك نوع من الأمان الفكري والجسدي كانت المنطقة بحاجة إليه للتقدم أكثر في خط سير الثورة. كان هذا وضع المنطقة منذ تحررها حتى أواسط عام 2013, لتأخذ الأمور منحى مختلف وتبدأ الأمور بالانحدار إلى الهاوية مع توسع جبهة النصرة وتحولها لقوة لا يستهان بها.


حوض الفرات ما قبل حكم الأسد الأب | القسم الأول

تفرد حافظ الأسد بالسُلطة | القسم الثاني

حماة | القسم الثالث 

التنافس داخل العائلة الحاكمة وأثره على منطقة حوض الفرات. | القسم الرابع

مقتل الباسل يربك النظام ويهيء لوصول بشار للسلطة | القسم الخامس

بداية الثورة في الشرق السوري | القسم السادس

اقتحام البوكمال للمرة الأولى بالدبابات | القسم السابع

مؤتمر الحوار الوطني القديم المتجدد | القسم الثامن

أصدقاء الشعب السوري حلفاء لنظام الأسد |القسم التاسع

عسكرة الثورة في الشرق السوري |القسم العاشر

أغيد الخضر

مُدون ومحرر سوري، من مواليد مدينة البوكمال في ريف ديرالزور، حاصل على شهادة الليسانس من كلية الآداب قسم اللغة العربية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.