عودة للبدء

 

تتكرر التصريحات مؤخراً من الأطراف المحاربة لتنظيم الدولة الإسلاميّة “داعش” حول انتهاء التنظيم خصوصاً مع اقتراب سيطرة قوات النظام السوري على مدينة البوكمال آخر المدن الرئيسية التي يفرض التنظيم سيطرته عليها، ويأتي ذلك بعد انهيار التنظيم في كل من سوريا والعراق في ظل الحرب المفروضة عليه من قبل التحالف الدولي بقيادة أمريكا والجهات المدعومة من قبله أو المُنسّقة في سوريا والعراق من جهة و قوات النظام السوري والميليشيات الشيعية المساندة له في سوريا والحدود العراقيّة من جهة أخرى.

ولكن هذا السيناريو وظروف تنظيم داعش يبدو أنّها مكررة بالنسبة للتنظيم حيث شهد العراق ذات الأحداث في نهاية العقد الماضي في حربه على ما يسمى “دولة العراق الإسلاميّة” التنظيم الأصل لتنظيم داعش.

 

دولة العراق الإسلاميّة والحرب عليها

 

تشكل تنظيم دولة العراق الإسلاميّة إبان موت الزرقاوي بغارة أمريكيّة ليجمع ما يسمى مجلس شورى المجاهدين بكامل فصائله مع كتائب أخرى مقاتلة في العراق بالإضافة لعمله على انضمام كتائب كرديّة و أخرى من عشائر المنطقة ليظهر نفسه ذا طابع متنوّع ويتفقون على حامد خليل أو المعروف باسم أبو عمر البغدادي كقائدٍ للتنظيم و عبدالمنعم البدوي المعروف باسم أبو حمزة المهاجر كقائدٍ عسكري، وترسيخاً لفكرة أنّ التنظيم يختلف عن سابقه من التنظيمات وخصوصاً تنظيم القاعدة، أعلن التنظيم عن ما أسماه تشكيلةً وزاريّة تحوي وزارات متنوعة مثل وزارة الإعلام و وزارة النفط و غيرها من الوزارات التي أعطت للتنظيم شكلاً دولي كما عمل التنظيم منذ بدايته.

الإعلان عن التنظيم بتشكيلته الوزاريّة رغم خسارة قائد التنظيم أبو مصعب الزرقاوي كان إثباتاً على عدم انهيار التنظيم بسبب عدم اعتماده الكامل على قادته و تحضير كوادر بديلة ليكونوا قادةً للتنظيم، وبقدرته على التوسع و فرضه السيطرة على العديد من المناطق رغم اعتماد القوات الأمريكيّة على عشرات الآلاف من مقاتلي العشائر الذين أطلقوا عليهم اسم “الصحوات” لمحاربة التنظيمات المتطرفة, إلا أنهم لم يستطيعوا القضاء على تنظيم دولة العراق الإسلاميّة بشكلٍ كامل, بسبب غياب محاربة الفكر المتطرف واعتماد القضاء اعلى الاسماء فقط.

استمر التنظيم بسيطرته لعدّة سنواتٍ حتى أُجبِرَ على الانسحاب من عدّة مناطق وصولاً إلى مقتل أعلى قائدين في التنظيم، أبو عمر البغدادي و أبو حمزة المهاجر بغارةٍ أمريكيّة في 19 أبريل 2010 ويعترف التنظيم بذلك رسمياً عبر بيانٍ نشره بعد عدّة أيامٍ من الحادثة.

بعد مقتل أبو عمر البغدادي و أبو حمزة المهاجر أعلن التنظيم عن تسلّم أبو بكر البغدادي قيادة التنظيم و أبو محمد العدناني منصب الناطق الإعلامي للتنظيم، وانحسار التنظيم بشكلٍ كبير من المناطق التي كان يفرض سيطرته عليها إلى مناطق قليلة تقتصر على بعض الاحياء والشوارع في جنوب بغداد و مدينة ديالى و مدينة الأنبار و مدينة صلاح الدين معتمدين بشكلٍ شبه كامل على السيارات المفخخة والعبوات الناسفة بالإضافة إلى القناصة ومثل هذه العمليات التي لا تعتمد على وجودٍ للتنظيم و يقتصر الأمر على وجود بعض العناصر المنفذة للعمليّة.

وهذا ما أعطى صورةً عن انهيار التنظيم بشكلٍ شبه كامل حيث لا وجود لمناطق يفرض سيطرته عليها و يعود ثقل التنظيم في الصحراء العراقيّة الخاليّة وتعلن بعدها القوات الأمريكيّة انسحابها بشكلٍ كامل من العراق.

وفي هذه الفترة اعتمد التنظيم على ضخ المواد الإعلامية بشكلٍ كبير كإثبات لوجوده خصوصاً العمليات السريعة التي كان يقوم بها بالإضافة للمنشورات المكتوبة والكتب التي كانت تصدر عن التنظيم بشكلٍ دوري. 

 

 

دولة الإسلام في العراق و الشام داعش

 

بعد قيام الثورة السورية بما يقارب العامين وسيطرة قوات المعارضة المسلحة على معظم مناطق شرق وشمال سوريا بما فيها مناطق الحدود السوريّة العراقيّة، عاد التنظيم من جديد مع كلمةٍ صوتيّة لأبو بكر البغدادي سمّاها “وبشّر المؤمنين” أعلن فيها عام 2013 عن حلِّ ما يُسمى جبهة النصرة والإعلان عن “الدولة الإسلاميّة في العراق والشام” متحدثاً فيها عن انتهاء دور جبهة النصرة وأن معركة التنظيم لم تعد في العراق فقط، بل أصبحت سوريا جزءاً منها، كانت ردّات الفعل من قبل عناصر جبهة النصرة متباينة في حينها، منهم من انضمّ لتنظيم داعش و منهم من بقي في جبهة النصرة ليخرج أبو محمد الجولاني حينها معلناً انفصاله عن تنظيم داعش و بقاءه تحت راية تنظيم القاعدة، ويبدأ تنظيم داعش مرحلته الجديدة في المنطقة.

عمل التنظيم بعدها بشكلٍ حثيث ليسيطر وخلال أقلّ من سنة على مناطق واسعة من شرق سوريا وشمالها و غرب العراق ويفرض حكمه على مناطق واسعة فيها ملايين المدنيين مثل محافظات ديرالزور و الرقة في سوريا ومحافظة نينوى في العراق، ويبدأ بنشر البروباغندا الإعلاميّة التي تتحدث عن عدم انهيار التنظيم سابقاً وأنّه كان يحضّر لهذه المعارك طوال تلك السنين، وتصبح المناطق التي يسيطر عليها أكبر من المناطق التي كان فيها قبل انهياره بمئات الكيلو مترات و ملايين المدنيين.

هذه العودة للتنظيم دحضت كافة الأقاويل التي تحدثت عن انهياره سابقاً، ومكنّت التنظيم من جلب مقاتلين عرب وأجانب بشكلٍ أكبر لتشهد مناطق التنظيم وصول آلافٍ المقاتلين من خارج مناطق سيطرته فضلاً عن انضمام آخرين من مناطق سيطرته.

 

انهيار تنظيم داعش

 

أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما في يوم 7 أغسطس 2014 عن تشكيل ما أسماه التحالف الدولي ضد تنظيم داعش بقيادة أمريكا بعد موجة اعتداءات عنيفة على مناطق للطائفة الإيزيدية في العراق على يد تنظيم داعش وأسرهم لمئات النساء والأطفال و استمرار التنظيم عدّة شهورٍ في قتل المدنيين وتبدأ الغارات من التحالف الدولي مستهدفة مستودع أسلحة للتنظيم و المساندة الجويّة لقوات البيشمركة في العراق التي أدت لاستعادة قرى قرب مدينة الموصل العراقيّة.

استمرت الضربات الجوية حتى منتصف عام 2015 ليبدأ بعدها الدعم البري لقوات وحدات حماية الشعب YPG ذات الأغلبية الكرديّة شمال سوريا وبعد معارك استمرت لأشهر سيطرت القوات المدعومة من التحالف الدولي على مدينة تل أبيض وعدّة قرى أخرى في ريف الرقّة الشمالي.

انتقل التحالف الدولي في معاركه إلى مرحلة أخرى بعد إعلانه تشكيل ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية “قسد” والتي تشكّل وحدات حماية الشعب غالبيتها مع فصائل عربيّة أخرى وتعلن استمرار المعركة باتجاه الرقّة.

استمرت المعارك ما يقارب العامين حتى الآن لتسيطر القوات المدعومة من التحالف الدولي على مدينة الرقة أبرز معاقل تنظيم داعش وعلى الكثير من المدن الرئيسية الأخرى والسدود المائية و حقول النفط في ريف الرقة وريف ديرالزور و يتزامن ذلك مع تحرك قوات النظام السوري باتجاه ريف الرقة وريف ديرالزور ليسيطر أيضاً على بعض قرى ريف الرقة وعلى مدنٍ رئيسيّة للتنظيم في ريفي ديرالزور الغربي والشرقي أهمها مدينة الميادين.

مع وصول معارك قوات النظام السوري إلى مدينة البوكمال آخر المدن الرئيسية التي يسيطر عليها تنظيم داعش وتقدم الجيش العراقي والميليشيات الشيعيّة وسيطرتها بشكلٍ شبه كامل على المناطق التي كان يسيطر عليها التنظيم في العراق عادت التصريحات المتعلقة بانهيار التنظيم إلى التداول خصوصاً مع الخسارة السريعة نسبياً دون اشتباكاتٍ قويّة في معظم المعارك مثل معارك الحقول النفطيّة.

الانهيار السريع للتنظيم استدعى للكثير من التساؤلات مثل السؤال عن المعتقلين الذين كانوا لدى التنظيم ولم يتم إيجاد أحد منهم والسؤال عن الآلاف من عناصر التنظيم الذين لم يُوجد منهم إلا المئات سواء الذين قاموا بتسليم أنفسهم أو الذين قُتلوا في المعارك، وهذا ما دفع للشك في هذا الانهيار و عودة احتماليّة أنّ التنظيم عاد للصحراء و أنّ انهياره كان عسكرياً فقط في المناطق التي كان يسيطر عليها ولم يكن انهياراً لكامل التنظيم بل أشبه بإعادة ترتيب أوراق كما حدث في العقد الماضي.

ومن الأمور التي تؤكد استمرار التنظيم على العمل الأيديولوجي بعد الانسحابات العسكريّة، استمرار التنظيم بنشر صحفه ومجلاته الكترونياً والتي كان يوزعها على السكان في مناطق سيطرته مثل صحيفة النبأ الأسبوعيّة التي تم نشر آخر عددٍ منها الجمعة 22 ديسمبر 2017 مع الاستمرار بنشر مقاطع مصورة كان يظهر انتشار عناصر التنظيم في مدينة البوكمال يحاول فيه التنظيم تكذيب رواية سيطرة قوات النظام على المدينة، ليؤكد التنظيم أن الماكينة الإعلاميّة لن تتوقف حتى لو انتهى التنظيم عسكرياً – على الأقل في المناطق الرئيسية – وأنّه سيكمل طريقه في الحشد لما أسماه “دولة الخلافة”. وليكون الإصدار المرئي “عزم الكماة 3” الذي أطلقه مؤخراً عودة لأسلوب التنظيم القديم الذي يوجه خطابه للعامة وليس الأنصار فقط, فالإصدار يظهر أحد عناصر مليشيات الحشد الشعبي يهزأ من اسم الله, وآخر ينفذ تعذيباً بعدة طعنات لمواطن عراقي, في محاولة من التنظيم استجرار التعاطف الشعبي مجدداً وأن الحرب التي يخوضها ليست حرب التنظيم لوحده بل حرب الأغلبية, في محاولة مكررة عن اصدارات 2007 التي تظهر أن التنظيم يقاتل لأجل طرد المحتل من العراق.

Syrian blogger , ‎Pro Bono Trainer of Sound and Picture organization , Co-Founder at Raqqa is Being slaughtered silently

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.