“لا مركزية تنظيم داعش” ، أهم أسباب تناقضاته

سرمد الجيلاني - خاص صوت وصورة 

يقول صالح الهامي صهر أبو مصعب الزرقاوي ومرافقه في جزءٍ من رحلته “كل فردٍ عادي في تنظيم القاعدة هو بالضرورة قائد” وهنا يتحدث عن رؤية أبي مصعب الزرقاوي عندما كان في كنف تنظيم القاعدة ، ولعلّ هذه المقولة هي أحد الأساسيات التي قام عليها تنظيم دولة العراق الإسلامية والتي وضع أسسها أبو مصعب لمن أتى من بعده ، علماً أن هناك من سبقه عليها مثل أبو مصعب السوري و أبو بكر ناجي حينما تحدثوا في كتبهم عن تحضير قادةٍ من الصف الثاني و الثالث وتجهيز كوادرٍ بديلة بسبب الظروف الخطيرة التي يعيشها دائماً قادة التنظيمات المتطرفة.

ولعل فكرة اللامركزية كانت هي حلّ أبو مصعب الزرقاوي للانفصال عن قادة تنظيم القاعدة في أفغانستان وباكستان خصوصاً بعد الروايات الكثيرة التي تحدثت عن الحساسية بينه وبين قادة التنظيم مما أدى إلى إنشائه لمعسكره الخاص حتى عندما كان بالقرب منهم.

 

بدايةً مع اللامركزية

 

عُرف تنظيم القاعدة – فرع بلاد الرافدين- كفرعٍ مستقلٍّ عن التنظيم الأم عندما كان قائده أبو مصعب الزرقاوي ، ولعلّ أشهر الحوادث التي تثبت صحّة هذا الموضوع هو تفجير قبة سامراء في شباط من عام 2006 والذي أشعل فتنةً بين الطائفتين السنيّة والشيعيّة في العراق والتي جاءت عقب رسالةٍ للظواهري نائب قائد تنظيم القاعدة حينها والتي حذّر فيها من استهداف مراقد وأضرحة الطائفة الشيعيّة، لتكون هذه الحادثة هي الأوضح في الشرخ الحاصل بين التنظيم الأم وفرعه.

يمكن الإطلاع بشكلٍ تفصيلي على الموضوع : التنظيمات “الجهادية” بين فطرتها و صناعة المخابرات لها | القسم الثاني

 

 

ولكن هذه اللامركزية وتحضير كوادرٍ بديلة عن كوادر التنظيم الأساسي ما لبثت أن جنى ثمارها أبو مصعب وتلاميذه حيث كانت السبب الرئيسي لبقاء التنظيم واستمراره رغم مقتل أبو مصعب قائد التنظيم في شهر حزيران من عام 2006 و اختار مجلس شورى التنظيم قائداً جديداً دون الرجوع إلى قيادة التنظيم الأم في الاختيار واعتماد مبدأ الإخبار فقط.

بعد مرور ما يقارب أربعة أعوامٍ على ما سبق وإعلان تنظيم دولة العراق الإسلاميّة غير المنضوية تحت راية تنظيم القاعدة تعرض تنظيم دولة العراق الإسلاميّة إلى نكسةٍ أخرى بمقتل قائد التنظيم أبو عمر البغدادي و وزير حربه أبو حمزة المهاجر ، لتثبت منهجيّة التنظيم في تحضير كوادره كفاءتها مرّة أخرى وتُعلن في غضونِ أسابيعٍ قائداً جديداً للتنظيم و وزير حرب دون أن ينهار التنظيم أو يكون هناك اختلافٌ في سلوكه.

واستمرت هذه المنهجيّة كآلية أساسيّة في عمل التنظيم والأمثلة الأخرى كثيرة ، كان آخرها مقتل أبو محمد العدناني الناطق باسم تنظيم داعش وأحد قياداته ليُعلن أبي الحسن المهاجر كبديلٍ عنّه خلال مدّةٍ قصيرة .

 

مثل كلّ شيءٍ له مساوئ ومحاسن ، كان للامركزية وتعدّد القادة المنضويين تحت راية ذات التنظيم مساوئ أيضاً ، وكما يقول المثل “السفينة التي يكثر ربابنتها تغرق” ولكن في هذه الحالة لم تغرق سفينة التنظيم ، بل تعددت خطاباته الإعلاميّة وفتاويه لتصل مرحلةً من التناقض لم يسبقه إليها أيُّ من التنظيمات المتطرفة.

 

 

تكفير الشيعة

 

يذكر أبو محمد العدناني الناطق باسم تنظيم داعش في كلمته التي صدرت بعنوان “ما كان هذا منهجنا ولن يكون” -والتي انتقد فيها تنظيم القاعدة- أن أحد الأمور التي انحرفت فيها القاعدة هو قولهم “أن الرافضة المشركين الأنجاس : فيهم أقول وهم موطن دعوة لا قتال” ويدعو في سياق حديثه إلى محاربة هذا الانحراف ومعاملة الشيعة على أنهم كفر طائفة لا أعيان .

ولكن تركي البنعلي أحد أكبر قضاة تنظيم داعش في سياق حديثه عن هذا الموضوع في أحد دروسه الصوتيّة يقول “العلماء اختلفوا في مسألة الشيعة ، ونرى خُلاصة المسألة أن من امتنع منهم بالقوة كالحكومات والميليشيات الرافضيّة فهؤلاء يُكفّرون بأعيانهم ، أما ما دون ذلك فيُنظر من ارتكب ناقضاً صريحاً من نواقض الإسلام فهو بحسبه ، وإلّا فلا” ليكون واضحاً بشأن اعتماده معاملة الشيعة على أنهم كفّار أعيانٍ لا طائفة, أي التكفير للأفراد وليس للجماعات .

 

الجيش الحر

 

يقول العدناني في كلمته التي كان عنوانها “لكِ الله أيتها الدولة المظلومة” متحدثاً عن عمليات تنظيم داعش “نسبت القنوات تحرير مطار منّغ العسكري في ريف حلب للجيش الحر ، رغم أن العمل للدولة الإسلاميّة إعداداً وتخطيطاً وتنفيذاً ، مع اشتراك محدود لبعض جنود من كتائب الجيش الحر” وهنا يقول بشكلٍ صريح أن تنظيم داعش قاتل جنباً إلى جنب مع الجيش الحر.

ولكن في ذات السياق يقول في كلمته “وأما ما يُعرفون بعاصفة الشمال فيعرف الجميع أيضاً سوئهم وشرّهم” ويكمل بعدها سيل اتهامات تجاه هذا الفصيل حتى قام التنظيم بالهجوم على مقرّات هذا الفصيل والاستيلاء على كامل أسلحته على الرغّم من أنهم يُعتبرون جزءاً من كلامه الأول حيث أنّهم يقاتلون في صفوف الجيش الحر وكانوا حينها من المتواجدين في معركة مطار منّغ العسكري.

 

القاعدة وجماعة الزرقاوي

 

يتحدث أبو جرير الشمالي كاتب مادة “قاعدة وزيرستان – شهادة من الداخل ” والتي وردت في مجلة دابق – العدد السادس- والصادرة رسمياً عن التنظيم: “في وقت ما بعد هجمات 11 سبتمبر أعلن الشيخ أسامة بن لادن -رحمه الله- صراحة ردّة حكام الحرمين وجنودهم وفَرَضيّة محاربتهم وذلك في بعض خطاباته ،وبالتالي تم إزالة العقبات التي تحول دون اتحاد صفوف جماعة التوحيد والجهاد التابعة للزرقاوي وتنظيم بن لادن”

وهنا يوجد نقطتين, الأولى : في بيان “مأساة البوسنة وخداع خادم الحرمين” والصادر في عام 1995 والذي حمل الرقم 18 من سلسلة بيانات هيئة النصح والإصلاح ، يقول أسامة بن لادن “لقد تمهّد معنا في بياناتنا السابقة، وبالذات في البيان رقم 17 ما وصل إليه هذا النظام – يتحدث عن النظام السعودي – من الخروج من الإسلام والردّة عنه” أي أن بن لادن كفّر النظام السعودي قبل 6 سنوات من التاريخ المذكور في الشهادة

ثانياً : تقول الشهادة أعلاه أن اندماج التنظيمين – تنظيم جماعة التوحيد والجهاد في العراق التابعة للزرقاوي و تنظيم القاعدة التابع لبن لادن – كان يقف على إعلان بن لادن كفر النظام السعودي ولو كان هذا صحيحاً لأعلن التنظيمين اتحادهما منذ التسعينات ، على الرغم من أن رؤية أبو مصعب الزرقاوي والتي ذُكرت في مجموع أعماله لم تتطرق لموضوع تكفير النظام السعودي أبداً وحتى أن ختام رؤيته الموجّهة لقيادة تنظيم القاعدة تقول “فنحن إخوة ولا يفسد الخلاف للود قضيّة ، نتعاون على الخير ونتعاضد على الجهاد وبانتظار جوابكم” وهذا ما ينفي قطعياً أقاويل الشهادة التي تتحدث عن ظهور انحرافٍ وفساد في منهج تنظيم القاعدة – من وجهة نظر منظّريهم – إذ أنّه لو كان هنالك فسادٌ في المنهج – من وجهة نظر الزرقاوي – لما ذكر كلامه السابق في رؤيته.

 

داعش و الثورات العربيّة

 

ينتقد العدناني مواقف تنظيم القاعدة ويذكر في كلمته “ما كان هذا منهجنا ولن يكون” بعض الأمور التي يرى أن القاعدة قد انحرفت فيها “ولكن القضية قضيّة دين اعوج ، ومنهج انحرف ، منهج استبدل الصدع بملّة ابراهيم والكفر بالطاغوت والبراءة من أتباعه وجهادهم ، بمنهجٍ يؤمن بالسلميّة” ، ويكرر مهاجمته للمظاهرات السلميّة في كلمته “السلميّة دين مَن” حيث اعتبر الدعوى إلى السلمية باطلة وأنّها “لا تحقّ حقاً ولا تُبطل باطلاً” بالإضافة إلى عدّة مهاجمات أخرى لمنهج السلميّة .

وهنا نعود إلى اللقاء الصحفي الذي قام فيه أبي عبيدة العراقي عضو مجلس شورى دولة العراق الإسلاميّة والذي كان بالتنسيق مع “نخبة الإعلام الجهادي” و”مؤسسة الفرقان” والتي تتبع رسمياً لتنظيم داعش حيث قال “وهذا لا يعني أن يُطعن في هذه الثورات أو يُزهد في مكاسبها جملةً وتفصيلاً كما يفعل البعض ، فما لا يُدرك كلّه لا يُترك جلّه ، بل إنّنا كنّا ولا زلنا ندعو إلى الخروج على هؤلاء الحكّام الطواغيت بكل وسيلةٍ مشروعة ، ونحسبُ أنّه من أعلى مراتب الجهاد في سبيل الله” ليكون كلامه السابق وكأنّه ردٌّ لاحق على من كان ناطقاً من بعده !

يمكن الإطلاع بشكلٍ تفصيلي على الموضوع : الثورات العربية في رؤية دولة العراق الإسلاميّة | القسم الثامن

 

 

كما نستطيع العودة إلى بيان “الموجة الثالثة ضمن غزوات الثأر لحرائر أهل السنّة” والصادر رسمياً عن تنظيم دولة العراق الإسلاميّة والذي ذُكر فيه “نكرّر توجيه التحيّة لكل المسلمين الغيارى ممّن انتفض غيرةً على دينه وعرضه وخرج نصرة لأخواته” كما يذكر البيان “ونحذّركم من أبواق الشيطان التي تُشيع أن المجاهدين ضدّ المظاهرات والاحتجاجات التي تقومون بها ، فهذا الكذب والافتراء الذي لا ينبغي أن ينطلي على المؤمن الفطن” علماً ان كلام العدناني لاحقاً يندرج تحت باب “أبواق الشيطان” الذين يذكرهم البيان في بداية الثورات.

 

ونحن هنا لسنا في صدّد ذكر كافة تناقضات التنظيم إذ أنّ هذا الأمر يحتاج أكثر من مادة واحدة ، ولكننا اعتمدنا تنوّع الأمثلة في مواقفها وبيئتها ، علماً أننا هنا لسنا في سياقٍ تقييمي لأيٍّ من التنظيمين – القاعدة أو داعش – ولكننا نذكر الأحداث كما جرت .

Syrian blogger , ‎Pro Bono Trainer of Sound and Picture organization , Co-Founder at Raqqa is Being slaughtered silently

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.