أغيد الخضر – خاص صوت وصوة 


هذه الورقة البحثيّة هي التاسعة من سلسلة مواد رأي سيتم نشرها بشكلٍ أسبوعي تتحدث عن “واقع منطقة حوض الفرات” في العصر الحديث منذ مرحلة الاستقلال حتى يومنا هذا وتعاقب أنظمة الحكم على المنطقة.


توالت الصرخات لمجتمع دولي فقد أقل معاني الإنسانية ولما لم يلمس الناس أي تحرك من هذا المجتمع صاروا يلعنون المجتمع الدولي قبل أن يلعن النظام, فما سمع من هذا المجتمع إلا عشرات الاجتماعات لما يسمى ” أصدقاء سوريا ” والاستجداء لجمع تبرعات المستفيد الأكبر منها هي بعض الدول المجاورة لسورية كثمن لقبولها باحتواء النازحين المشردين المهجرين من سورية, و بعدد من الجنيفات ثم في فيينا ثم في عواصم عربية و أجنبية أخرى يمنح خلالها النظام وقت آخر للقضاء على الثورة لتنتهي الأزمة التي أثقلت كاهل المجتمع الدولي, وتعمل على إيقاظ ضميره النائم و الخوف من أن يستجيب هذا الضمير فيصحو و يعذب حامليه. لذلك ازداد عدد من تدخل إلى جانب النظام في مقارعة هذه الثورة لتتغير الأصوات التي كانت تقول بأن النظام السوري فاقد للأهلية إلى أن النظام السوري ضرورة مرحلية لا يمكن الاستغناء عنها في الوقت الحاضر, بل و تمادى البعض بوصف الثورة بأبشع الصفات و النعوت.

 

موقف المجتمع الدولي تغير ظاهرياً من الثورة والنظام, أما في الحقيقة فهذا هو الموقف و إن لم يكن معلناً, فالنظام السوري حليف قديم عريق و طرف في لعبة تلعب في المنطقة منذ عدة عقود, وقد نجح في القيام بمهمته وبما أوكل إليه كأحسن لاعب, و استبداله في هذا الظرف سيخربط الأوراق بما لا تحمد عقباه, خاصة مع عدم وجود البديل القادر على لعب هذا الدور, إما لضعف في الأوراق التي يمسك بها, أو لعدم فهم شروط اللعبة. في حين أن النظام يمسك بأوراق محلية ودولية لا يمكن لغيره امتلاكه, فهو المتعاون منذ عام ألفين عندما انطلقت مقولة مكافحة الإرهاب بمعلومات مخابراتية وإن كان له باع طويل في صناعة الارهاب إلا أنه قادر على توجيه هذه العناصر و السيطرة عليها حسبما يريد, كما أن خبرته الطويلة في التعامل مع مجمل الأحداث المحلية والعربية والعالمية بما يرضي المجتمع الدولي عليه تجعل منه نظاماً حليفاً ليس من السهل التخلي عنه، في حين أن من في الطرف المقابل و أعني المعارضة بكل أشكالها و أطيافها فلم يجد المجتمع الدولي ضالته فيها, فهي إما عدوة له ظاهرة العداء معلنة الوقوف بوجهه لذلك اتخذ منها المجتمع الدولي عدواً يجب التخلص منه و إن كان الثمن الإبقاء على نظام قد أصبح مرفوضاً فيه شعبياً وبالتالي سيعرقل ذلك التعامل معه, و بغض الطرف عن الرأي من موقف هذا النوع من المعارضة ودورها في الأحداث إلا أن هذا الموقف الذي ينقصه التكتيك جعل من النظام وجهاً مقبولاً بالنسبة لهذه المعارضة, و قد ساهم النظام بتضخيم هذا العداء و تأجيج شعاراته, فهو من ساهم في نشر شعارات متطرفة جعلت المجتمع الدولي يحسب الحساب لما ستؤول إليه الأمور، فمثلا شعار “العلوية على التابوت والمسيحية على بيروت ” كان النظام هو من نشره بأنه جاء على لسان المعارضة ولكن للأسف وقع موقع الاستحسان من قبل البعض فراح يردده كهتاف لم يقصده عدداً منهم إلا أنهم استساغوا ترديده مثله مثل العديد من الشعارات الطائفية التي سخرها في المحافل الدولية واجتماعات الأمم المتحدة لينصب نفسة مدافعاً عن الطوائف وحارساً للأقليات. ونوع آخر من المعارضة جعل من نفسه ممثلاً للثورة وراح يشكل على الورق حكومات ومجالس و ائتلافات ويتصل بجميع الدول كبديل عن النظام, ليتبين أنه لا يمثل إلا نفسه بل وفي بعض الأحيان لا يمثل حتى نفسه بل جاء ليطرح أجندات تمثل داعميه التي قد تكون في بعض الأحيان على عكس ما جاءت الثورة من أجله وبل وقد تبين أنها مخترقة بعناصر من النظام فعلت فعلها بعرقلة الجهود الرامية إلى تحقيق أهداف الثورة أو إيجاد حلول مناسبة لما يجري, و لما انتهت مهمة بعضهم عاد ليصرح بخطأ موقفه ويعاود ارتمائه في أحضان النظام وعلى حجم الأعداء الذين أعلنوا موقفهم من مثل هؤلاء إلا أن ذلك لم يمنع بأن عدد من أصحاب المواقف الهشة راودتهم فكرة مشابهة, فإن سلك البعض طريق إيران للعودة إلى أحضان النظام فهناك من يفكر بالطريق الروسي فهو أسهل و أقل انتقاداً. فقد أصبحت روسيا الأن خيمة تظلل على ما يسمى بالمعارضة المعتدلة ذلك المفهوم الضبابي الذي لم يتفق اثنان عل شروطه فهو مفهوم مطاط يختلف بحسب الجهة التي تطلقه, إذ أن لكل من أصحاب الشأن تعريف لهذا المفهوم يختلف عن غيره, بل حتى النظام الذي لم يكن في أدبياته أي وجود لهذه الكلمة لأنه يعتبر أي معارضة عدوة وارهابية لا يمكن الجلوس معها إلا أنه صنع لنفسه معارضة من تمر وأسماها بالمعتدلة لكنه ينوي أكلها بعد أن تنتهي مهمتها. بالمقابل هناك في الخارج أصوات حرة لأناس شرفاء حاولوا بكل الطرق البحث عن حلول لتخليص الوطن مما وقع فيه من ويلات ومصائب بفعل نظام ظالم مستبد وميليشيات غاشمة لا ترحم ، فحصل ما حصل من خراب ودمار إلا أن هذه الأصوات تضيع في زحمة أحداث متلاطمة الأمواج تدفع بها قوى الشر لتصل الأمور إلى اللاعودة ليصبح القبول بالأمر الواقع و الرضوخ لشروط المجتمع الدولي هو الحل للأزمة كسبيل لوقف مزيداً من نزف الدماء التي صارت عند البعض أرخص من الماء . هنا أود أن أذكر أن الدول العربية عموماً و دول الخليج على وجه الخصوص ساهمت بشكل أو آخر في استمرار الأزمة وزيادة معاناة الشعب السوري لتوجيه رسالة لشعوبهم بأن ما يجري على الشعب السوري هو ناتج عن مطالبته بالحرية و القيام على نظام الحكم و أن مصير من يفكر بنفس الطريقة سيكون مثل مصير السوريين من القتل و التشريد و التهجير, و حرمان من كل شيء, و قد كان الإعلام العربي يركز على هذه المعاناة و يظهر الوقوف بالطوابير على الأفران للحصول على لقمة الخبز, حتى أن السؤال عندما وجه سؤال للمصريين بعد الانقلاب على الثورة هل الشعب المصري عاجز عن إعادة الثورة إلى طريقها الصحيح, كانت الإجابة هي الخوف من أن نصل إلى ما وصل إليه الشعب السوري من قتل و تدمير, ولذلك نرى أن الربيع العربي و قف عند سورية ولم يمتد إلى أي منطقة بعدها حتى أن البعض قال لو أن الربيع العربي بدأ بسوريا لما كان هناك ربيع عربي و لمات في مهده, لأن الطريقة التي عولجت بها الأمور من وحشية من النظام وغض طرف من المجتمع الدولي تجعل من يريد القيام بثورة يفكر ألف مرة قبل أن يبدأ و كأن الأنظمة العالمية برمتها أرادت قتل جميع الثورات بقتلها للثورة السورية.

 

ما جرى في الداخل بعيد كل البعد عما يدور في أروقة الأمم المتحدة و المؤتمرات الخاصة بالحدث, الطرف الأشهر نظام متمسك بالسلطة مهما كان الثمن كان طرحه منذ البداية ” الأسد أو نحرق البلد ” مقولة طبقت بحذافيرها بل وكان الواقع العملي لها ” بقاء الأسد مع حرق البلد ” و إلى جانبه قوى لو حشدت لحرب عالمية ثالثة لكانت كافية, روسيا كدولة عظمى جاءت بعدها وعديدها وعتادها لم توفر نوعاً من السلاح براً أو جواً أو بحراً إلا واستخدمته, قريب وبعيد المدى قنابل ذكية و غبية, كل ذلك للبقاء على الأسد و إن أعلنت أكثر من مرة أن الأسد لا يعنيها إلا أن الواقع يقول أنها تبنته بكل ما تعني الكلمة ضاربة عرض الحائط مصير الألاف التي وقعت ضحية هجماتها واستعراض قوتها. حتى أنها اعتبرت الأمر مشروعاً تدريبياً لقواتها و تجريباً لسلاحها دون أن تأخذ بعين الاعتبار ما توقعه هذه الهجمات من خسائر في الأرواح بين المدنيين أو دمار للبنى التحتية, بل و الأخطر من ذلك عداءً لها في نفوس الشعب السوري لن تمحوه السنون, متناسية أن الأسد ونظامه إلى زوال وأن الشعب هو الباقي, و أن ما خلفته من حقد لدى السورين بشكل خاص ولدى الشعب العربي عموماً. من جهة أخرى إيران و ما أدراك ما إيران التي اعتبرت سورية بوابتها إلى العالم و إن زوال النظام السوري سيضعف موقفها على جميع الصعد فزجت بثقلها في الساحة وكأنها تدافع عن أرضها و مصيرها فلديها قوات نظامية تقاتل على الأرض لم تخفي تواجدها تحت ذريعة مستشارين عسكريين للنظام, و التي تبين أنها تلعب دوراً أساسياً يفوق دور الضباط السورين أصحاب الشأن, حتى أن القرار العسكري بما فيه إجازات العناصر و الضباط وتوزيع المهام كان من اختصاص الضباط الإيرانيين وليس السوريين, و ميليشيات حزب الله التي تبين أنها صنعت لهذا اليوم ومقولة الممانعة والمقاومة ماهي إلا بالون أطلق في وقت ما لينفجر فتكشفه الأحداث, فقد زج الحزب بقواه و خبراته ما لم يزجه في حربه المزعومة مع اسرائيل حتى أنه اعتبر حربه هذه حرباً مصيرية و ادعى تأجيل كل الحروب لأن تحرير القدس يمر من القصير وحلب و ادلب ودير الزور كما يزعم نافياً توجهه الطائفي مع أنه حشر كل ما لديه من قوى تحت شعارات طائفية أولها مظلومية الطائفة ” و يا لثارات الحسين ” و ” لن تسبى العقيلة مرتين ” تلك الشعارات التي كانت تؤجج أحقاداً قديمة لا أساس لها سوى أنها إثارة النعرة بين العرب فيما بينهم سنة و شيعة استغلها الصفويون منذ تأسيس مذهبهم, لذا أن أول ما تقوم به الميليشيات عند دخولها لأي منطقة هو هدم المساجد ويرفع على أنقاضه رايات صفراء حاقدة تحمل تلك الشعارات ثم القيام بذبح كل من تقع أيديهم عليه على اعتبار أن ذلك تقرب إلى الله, بالإضافة إلى عدد من الميليشيات التي تنم أسماؤها عن حرب طائفية هدد النظام بإشعالها منذ بداية الثورة وقبل أن تأخذ الأحداث أي منحاً بهذا الاتجاه و كلها تعمل بشكل مباشر تحت امرة قادة من الجيش الإيراني وما يسمى بجيش القدس أو الحرس الثوري الإيراني و بمباركة من ملالي طهران مما أوجد ونتيجة ردة فعل متطرفة تفكير جديد اتجاه هذه الهجمة لمقابلة الطائفية بالطائفية والحقد بالحقد و الدم بالدم ليصرخ النظام بأعلى صوته أن هذا ما كنا نحذر منه وكأنه لم يفعل المستحيل للوصول إليه.

جميع من سبق لم يتم تصنيفه على أنهم جماعات متطرفة أو ارهابيين, علماً أن أولى ترديد الشعارات الدينية كانت من قبل المليشيات الشيعية, أول حوادث قطع الرؤوس كانت على يد المليشيات الايرانية, أول حادثة حرق كانت على يد عناصر من حزب الله, إلا أن هذه الأفعال لم تندرج ضمن أعمال إرهابية تستدعي تدخل التحالف الدولي لوقفها. هكذا يُصنع التطرف.

 

على الطرف الأخر تقف المعارضة بكل أطيافها و انتماءاتها و تعدد داعميها ضعفاء الدعم مقارنة بداعمي النظام, فأمريكا التي تدعم من تساندهم بالقطارة بالشكل الذي يبقيها على قيد الحياة لكي لا تنتهي الثورة, ودول الخليج التي تفكر ألف مرة وتستشير القاصي و الداني لإدخال صندوق المساعدات فما بالك بقطعة سلاح, ودول المنطقة التي فعلت الأعاجيب باللاجئين إليها من السوريين, وتصاريح كثر من دول الدعم في العلن ومحاباتها للنظام في الخفاء, و أمم متحدة كانت تستجدي النظام من أجل ادخال صندوق مساعدات مقابل مئة صندوق للمناطق التي يسيطر عليها وحتى ذلك الصندوق قد لا يدخل إلا بعد أن يفعل به العجيب, ولجان الأمم المتحدة التي أقل ما يمكن القول عنها أنها شريكة النظام من خلال السكوت عن جرائمه و بشهادة عدد من أعضائها الذين ابعدوا عندما حاولوا فضح جرائم النظام و ألاعيبه في تضليل اللجان,  بل في كثير من الأحيان تساهم هذه اللجان في تغطية هذه الجرائم وإظهار العجز عن معالجتها حتى تمنت المعارضة لو أنها تتلقى عشر معشار الدعم الذي يتلقاه النظام من مؤيديه لاستطاعت النجاح بأقل من ستة أشهر. هذه المعارضة التي خسرت خيرة شبابها و مفكريها على يد النظام ومسانديه و المجتمع الدولي بل وفي بعض الأحيان على أيد مؤيديها. وإذا أردنا استعراض هذه المعارضة بتوجهاتها المختلفة لوجدناها أنها انقسمت على نفسها عدة مرات بسعي حثيث من داعميها حتى أصبح عدد فصائلها خارج حدود العد والإحصاء. طبعاً هذا لا يعني عدم وجود معارضة حقيقية, بل معظم عناصر هذه المعارضة هذه المعارضة يتصف بالجدية والشرف و الأخلاق و إن تصارع بعض قادتها على المناصب والمكاسب فإن معظم صراعاتها كانت صراع وجود بعد أن عمل النظام و المجتمع الدولي بث الفرقة بينهم ليصبح كل منهم عدو الآخر و أن كلاً منهم خطراً على الآخر.


حوض الفرات ما قبل حكم الأسد الأب | القسم الأول

تفرد حافظ الأسد بالسُلطة | القسم الثاني

حماة | القسم الثالث 

التنافس داخل العائلة الحاكمة وأثره على منطقة حوض الفرات. | القسم الرابع

مقتل الباسل يربك النظام ويهيء لوصول بشار للسلطة | القسم الخامس

بداية الثورة في الشرق السوري | القسم السادس

اقتحام البوكمال للمرة الأولى بالدبابات | القسم السابع

مؤتمر الحوار الوطني القديم المتجدد | القسم الثامن

أغيد الخضر

مُدون ومحرر سوري، من مواليد مدينة البوكمال في ريف ديرالزور، حاصل على شهادة الليسانس من كلية الآداب قسم اللغة العربية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.