مؤتمر الحوار الوطني القديم المتجدد | القسم الثامن

أغيد الخضر – خاص صوت وصوة 


هذه الورقة البحثيّة هي الثامنة من سلسلة مواد رأي سيتم نشرها بشكلٍ أسبوعي تتحدث عن “واقع منطقة حوض الفرات” في العصر الحديث منذ مرحلة الاستقلال حتى يومنا هذا وتعاقب أنظمة الحكم على المنطقة.


يُقال المكتوب واضح من عنوانه, وهذا المؤتمر كان ميتاً قبل ولادته, فمنذ اللحظات الأولى لعقد هذا المؤتمر حيث قيل في البداية عن المؤتمر أنه ندوة حوارية كالطاولة المستديرة يديرها رجل مستقل تقدم من خلالها الحلول للخروج من الأزمة حسب توصيف النظام. الواقع ومنذ الدخول إلى قاعة المؤتمر لوحظ أن الطاولة الرئيسية يشغلها أمين الفرع والمحافظ وعدد من أعضاء الفرع وعلى مقربة منهم جلس العميد رئيس فرع الأمن العسكري جامع جامع الذي ترفع بعد عدة أشهر إلى رتبة لواء ثم نفق بعدها و قيل أنه تم تصفيته على يد النظام للتخلص منه لضلوعه بحادثة مقتل رفيق الحريري.

زُرعت القاعة بعناصر الأمن من جميع الفروع وكان إظهار وجودهم متعمد حيث حمل كل واحد منهم مسدسه بشكل واضح ودفتر وقلم وراح يسجل كل كلمة تطرح و كأنه إعلان للموجودين بأنهم تحت المراقبة و عليهم ألا يأخذوا راحتهم في الطرح فكلٌ محاسب على كلامه. وبالفعل فقد اُعتقل عدد كبير ممن شاركوا في الحوار علماً أن الطرح كان قمة في الرقي و الحضارة بعيداً عن الغوغائية ينم عن تفهم للأمور لم يجرح بأحد أو ينتقص من أحد ولكن ما أثار حنق الجهات الأمنية في الطرح هو طلب المؤتمرين التخفيف من المظاهر الأمنية, و الحد من سلطة رجال الأمن المطلقة, واخراج السجناء وخاصة ممن اعتقلوا مؤخراً للتهدئة, وأخيراً البدء بالإصلاحات التي وعد بها النظام كنوع من اظهار حسن النوايا من النظام اتجاه المواطنين لتحصل المصالحة الوطنية, و طالب البعض بإجراء انتخابات حقيقية بدءً من المجالس المحلية في المناطق والمحافظات ثم لمجلس الشعب, و من الواضح أن من تصدروا المجلس لم يكن لهم حول ولا قوة حيث أن عيونهم كانت تتوجه إلى رئيس فرع الأمن العسكري كلما تقدم أحد المشاركين بمداخلة و كأنهم يستطلعون موقفه من الطرح. ورجال الأمن الموزعين بين المشاركين يتعمدون بين الفينة و الأخرى بالسؤال عن اسم من تداخل علماً أن المتداخل كان يقدم اسمه كاملاً و صفته قبل أن يتداخل, والبعض منهم كانت مداخلته مكتوبة يسلمها بعد طرحا لمدير الندوة والتي تبين فيما بعد أنها سلمت للأمن مباشرة. بعد المؤتمر الذي أعلن فشله فور الانتهاء توجه عدد من المسؤولين و بعض من ضعاف النفوس لتناول طعام الغداء للعودة إلى جلسة مسائية تبين أنها اقتصرت على المقربين من النظام لتنفض الجلسة المسائية بعد أقل من نصف ساعة لعدم الجدوى .

 

    في اليوم الثاني وصل على المحافظة عشر وزراء حسب ما قيل وحضر مجموعة من المواطنين الذين حضروا المؤتمر يوم أمس عسى أن يجدوا ضالتهم مع هذا العدد الهائل من الوزراء الذي لم يحضر عندما زار بشار المحافظة, و طلبوا من الحضور تسجيل الأسماء للمداخلة وبالفعل أظهر الحضور التزام بأرقى حدود اللباقة فلم يتطرقوا للنظام ولا لرأسه إنما كانت البداية المطالبة بالإصلاحات ضمن المحافظة وحسن اختيار رؤساء الدوائر و الحد من الصلاحيات الأمنية, إلا أن المتنطعين تدخلوا للدفاع عن رؤساء الدوائر وكأنهم ملائكة وتبين أن الحق يقع على المواطنين, لقد كان الدفاع عن مدراء الدوائر بما تعجب منه أصحاب الشأن أنفسهم هل هم بهذا الوصف وهذه النزاهة التي ما عرفوها عن أنفسهم, و أخذت الأحاديث الجانبية و المشادات الكلامية والتهديد من قبل المندسين دوره في افشال الجلسة و كأن الأمر كان مبيت له بليل وخرج الحضور دون أن يفهم أحد ما حصل.

 

في المساء تشكل وفد مختصر للقاء المحافظ  وكان حديث عهد حيث تم استبدال المحافظ القديم بمحافظ عسكري برتبة لواء عله يستطيع حسم الأمور لما عرف عن ضباط الجيش بإمكاناتهم في مثل هذه المواقف و كأن النظام يريد أن يوجه رسالة بأنه يفضل الحل العسكري على الحوار الذي ما تعوده في يوم من الأيام, و استقبل المحافظ الوفد ببجامته و لا مبالاته ومن بين أعضاء الوفد عدد من البعثيين الذين طالبوا بإعادة الدوائر الى سابق عهدها ويتعهدون بتوقف المظاهرات وسيتكفلون بنصح المتظاهرين مما أثار غضب بقية أعضاء الوفد, ونقلوا للمحافظ بأن إعادة الدوائر غير ذي أهمية لأن المواطنين خرجوا قبل نقل الدوائر, الشعب يريد إصلاحات خرج من أجلها ودفع عدد من خيرة شبابه, و على ما يبدو لم يقع الأمر موقع مقبول لدى المحافظ لكنه أظهر قبولاً بالأمر وأنه قادر على استيعاب الموقف من خلال موقعه القيادي, فأراد تفصيلاً أكثر فقال له بعض أعضاء الوفد بأن أول المطالب إزالة المظاهر العسكرية من الساحات و الشوارع خاصة وأن المدارس على الأبواب, والدبابات التي تملأ الساحات تطلق النار بشكل عشوائي يرافقها عناصر الأمن بفتح نار أسلحتهم الرشاشة عند سماع أي هتاف أو اطلاق نار حتى لو كان ألعاباً نارية, فمن يأمن على إرسال أبنائه إلى المدارس في مثل هذه الأجواء. كان الرد النهائي بأن هذا ليس من اختصاصه إنما من اختصاص الأمن والقيادة العسكرية في المنطقة ليخرج الوفد و هو يجر أذيال الخيبة علماً أن معظمهم ممن كان يعلق الآمال على الحلول السلمية, لكن الغالبية منهم باتت مقتنعة أن النظام ماضٍ في حل عسكري لا يعلم نتائجه إلا الله, و أن تدمير البلد قادم لا محالة, و لأن زمن المعجزات قد مضى إذاً فلتجهز البلاد نفسها لعرس دموي لم يحصل له مثيل, فما دام رأس المحافظة و أعلى سلطة بها يقول الأمر ليس بيدي فمن بيده الحل, و لأن الأمل في نفوس الخيرين الباحثين عن الحلول التواقين لتجنيب البلد ويلات الحل العسكري, رأوا أن التوجه إلى فرع الأمن العسكري كورقة أخيرة قد يأتي بما عجز عنه المؤتمر وزيارة المحافظ, وفعلاً توجه الوفد إلى هناك عل وعسى.

 

يقول أحد أعضاء الوفد: “في فرع الأمن سألنا الحارس أن يأخذ لنا الإذن بمقابلة رئيس الفرع وبعد زمن شعرنا أنه طويل سمح لنا بالدخول بعد تفتيش سريع فالوقت صيف واللباس خفيف و التفتيش يسير. استقبلنا العميد جامع بابتسامة صفراء قبلنا بها لأننا لم نعهد الابتسامة في فروع الأمن حتى و لو كانت صفراء و دخلنا في غرفة فارهة تدل على انها غرفة استقبال لأشخاص معينين. قدمت لنا فيها ضيافة فاخرة و كأننا في مكان آخر وليس في فرع أمن و راح يسمعنا بعض النكات كنا نضحك لسماعها ولو أن بعضها لا يبعث على الضحك ولكن اقتضت الحاجة للضحك كي لا يغضب سيادته فينعكس ذلك على البلد التي جئنا ممثلين لها. شعرنا أن الجو صار ملائماً لطرح ما جئنا لأجله فعرضنا عليه حالة البلد وما وصلنا إليه من توتر فرد علينا بأن ما يحصل نتيجة تصرفاتنا وغوغائيتنا فأردت أن أشرح له تمادي رجال الأمن و دورهم بتأجيج الموقف و ذكرته باعتقال ولدي ظلماً وقد عرف هو بالقصة حيث أن ولدي كان ببلد واتهمه العقيد بالتحريض على الشغب و العميد اطلع على القصة كاملة وعرف سوء نية العقيد اتجاهي واردت استغلال الحادثة لإظهار سوء ادارة الأمن للبلاد و كيف أنهم أساؤوا له بالضرب أثناء الاعتقال مع أنه أثبت لهم أنه كان في بلد آخر, لكنه قطع الطريق علي بقوله لقد وجدوا في جيب ابنك مئة دولار من أين جاء بها كنا قادرين على اتهامه بالاتصال بدول أجنبية و أنه يقبض منها دولارات, ضحكت وسكت عن اكمال كلامي مشعراً اياه أن  قدرتهم على اتهام الأبرياء معروفة و أن لدغتهم و القبر. و توجه للوفد ليخبره أن ما يجري هو سوء تصرف منهم و أن البلد يدفع ثمن موقف ابنائه الخاطئ اتجاه القيادة وهدد بأن الاستمرار بهذا الموقف سيدفع بالبلد إلى ما لا يحمد عقباه وحاول البعض تذكيره بإصلاحات هناك وعود بتحقيقها لعلها تساهم بتهدئة الموقف فأجاب بأن التهدئة يجب أن تكون منكم أولاً ثم أضاف أن ما يحققه النظام لشعبه أكثر مما يستحقوه و أنهم عضوا اليد التي امتدت لهم و إن تمادوا فليس لدى النظام إلا الوقوف بحزم اتجاه الغوغائية و الارهاب. حاول البعض التحدث عن الحاجة لتحسين الخدمات السيئة في البلد فقال أنكم أنتم من أساء للمؤسسات وحصل التقصير و أن الذنب ذنبكم, و أن العاملين في الدوائر والمؤسسات الحكومية هم من أهل البلد والتقصير منهم وليس من القيادة . و عندما طالب الوفد بإظهار حسن النوايا و إخراج الموقوفين لدى فروع الأمن, على الأقل المعتقلين حديثاً ليلقى ذلك استحساناً من المواطنين وثقة بالوفد قد يكون خطوة أولى على طريق تهدئة الأمور, فقال بخبث من منكم له موقوف كي نطلق سراحه وكأنه كان يريد شخصنة الأمر لزعزعة الثقة بالوفد, إلا أن الجميع أصر أنهم جاؤوا من أجل الجميع لا لمصالح شخصية.

خرج الوفد من مبنى الأمن ذو المدخل الطويل الذي يفصل بينه وبين الشارع العام دون أن يلتفت أحد للشعور بأن لا جدوى من الحوار مع من تعود لغة القمع, أو للشعور بأن زيارة هذا المكان غير مرغوب بها ولا يتمناها أحد, و أن الشيء الوحيد الذي استفدنا منه في هذه الزيارة هو أن البعثيين باتوا على قناعة تامة أن ما كانوا يروجوا له من دعاية عن ديمقراطية النظام هي محض كذبة ما عادوا يصدقوها هم فكيف يقنعوا بها المواطنين, و هنا أود أن أنوه أن معظمهم تم اعتقاله فيما بعد و بنفس المبنى بحجة التقصير في خدمة النظام خلال ما أسموه بالأزمة الراهنة, واتهم بعضهم بالتواصل مع الارهابيين و اللقاء معهم و لم يشفع لهم وقوفهم مع ظلم النظام سنين طويلة تحملوا خلالها أشد الانتقادات و الاتهامات .”

” رب قائل يقول بما أنكم تعرفون النظام و أن من يجرب المجرب عقله مخرب فلماذا كل هذا المجهود في التفاوض مع نظام بدا واضحاً منذ اللحظات الأولى أنه لا يؤمن إلا بالقمع والحل العسكري, و أنه غير مستعد للتنازل عن أي شيء اتجاه المواطنين و أنه يعتبر هذا البلد ورثة تتوارثها الأسرة الحاكمة وأن هذا البلد هو الدجاجة التي تبيض ذهباً ولا يمكن الاستغناء عنها ، ويعرف حق المعرفة أن أي تفاوض قد يجر إلى كشف لجرائم عمرها عقود ارتكبت على يد الأب ومن بعده الابن، و أن طلب الحلول من حكم عسكري قائم على البوط وكعب البارودة ضرب من الجنون, نقول أن محاولة تجنيب البلد ويلات وقعت عليها فيما بعد جعلت الخيرين من هذا الوطن لا يبخلوا بجهد لتحقيق ذلك حتى لو كان أقرب إلى المستحيل, ولكي لا يقال في يوم من الأيام أن احد تقاعس أو ترك للنظام أعذاراً يدخل من خلالها لتحقيق مآربه بتدمير البلد أو تقسيمها تنفيذاً لأجندة باتت واضحة يأخذ النظام نصيبه منها ويترك الباقي عرضة لصراعات طائفية أو عرقية تستنزف قدراتها وتلحقها بالتشتت الذي أصاب المنطقة.”

أخذت الأحداث تتسارع باتجاه التصعيد العسكري وزيادة عدد الضحايا في صفوف المدنيين وأن عناصر الأمن تضرب بلا هوادة و أن الضوء الأخضر جاءهم بالضرب باتجاه المواطنين بل و أكثر من ذلك أن عناصر الأمن صارت تقدم الجيش وهي من خلفه ومن تراه يضرب باتجاه الأعلى تقوم هي بضربه بعد أن وزعت عليهم طلقات خطاط تحدد من خلالها الجهة التي يطلق إليه العسكري النار وهذا أحد الأسباب التي دفعت عدد من أفراد الجيش إلى الانشقاق طبعاً بالإضافة إلى الأسباب الكثيرة غيرها, ولذلك انبرى عدد من المنظمين للمظاهرات بحمل بعض الأسلحة الخفيفة لاستخدامها بإطلاق بعض العيارات للتنبيه لتوجه رجال الأمن لمكان التظاهر ولحماية المتظاهرين بإشعار رجال الأمن بأن دخولهم إلى ساحة المظاهرة قد لا يمر عليهم بسلام كما يتوقعون ومن وقتها ظهر اسم ” المظاهرة المحمية ” وكان ذلك بعد مرور أكثر من سنة على بدء الثورة, حيث يحيط عدد من الشباب بساحة التظاهر يحملون اسلحة خفيفة لطمأنه المتظاهرين ولمنع عناصر الأمن من الاقتراب, إلا أن ذلك لم يمنع عناصر الأمن وقوات الجيش من استخدام اسلحتهم الرشاشة والأسلحة المتوسطة من على ظهر الدبابات و من بعيد و بشكل عشوائي مما أوقع عدد من الشهداء من النساء والأطفال والشيوخ من المارة, وما يزيد الطين بله أن عناصر الأمن منعت الأهالي من دفن القتلى بشكل رسمي بل يكتفى بعدد من الأشخاص يقومون بالدفن بصمت و إلا سيتم اعتقال أهله, و في أول مراسيم دفن هجمت الدبابات على المسجد و أردت سبعة من المشاركين بالتشيع لتدخل مجزرة جديدة في سجل جرائم النظام مما دفع عدد من ذوي المغدورين للرضوخ لأوامر الأمن بالدفن على الساكت أو الفن في الحدائق القريبة فلما ازداد الحصار و ارتفع عدد الشهداء وضاقت الحدائق تحول الناس للدفن في الجزرات الوسطية و في البيوت .

   

   مع هذا الصراع بدأت حركة انشقاق في صفوف عناصر الجيش لأن معظمهم كان يرفض إطلاق النار على مدنيين عزل لا ذنب لهم سوى أنهم خرجوا طلباً للحرية و الكرامة, فصار رجال الأمن يقدمون عناصر الجيش ويقفون هم من خلفهم لمراقبة من لا يضرب عمداً على الناس, و على الهواتف النقالة لبعض عناصر الأمن وبعض من أفراد الجيش ممن ارتبطوا بالنظام و الذين تم القبض عليهم فيما بعد تبين أن هناك اعدامات لعناصر رفضوا المشاركة في الخروج لقمع المظاهرات, وأكثر من ذلك و باعتراف من أصحاب الهواتف التي التقطت بها صور الاعدامات, أن هناك عناصر اعدموا لمجرد الشك بأنهم يريدون الانشقاق عن النظام دون أي دليل, بل قال بعضهم أن أحد الرقباء عين من قبل قائد الوحدة, و كان يجلس على أحد المحارس ويقنص أي عسكري يشك بأنه يريد الخروج من الثكنة, و كأن المحاسبة صارت على النية و أنه قادر على قراءة نوايا العناصر بالهروب, و قد اتخذ ذلك ذريعة لتصفية عدد من العساكر الغير مرغوب بهم.


حوض الفرات ما قبل حكم الأسد الأب | القسم الأول

تفرد حافظ الأسد بالسُلطة | القسم الثاني

حماة | القسم الثالث 

التنافس داخل العائلة الحاكمة وأثره على منطقة حوض الفرات. | القسم الرابع

مقتل الباسل يربك النظام ويهيء لوصول بشار للسلطة | القسم الخامس

بداية الثورة في الشرق السوري | القسم السادس

اقتحام البوكمال للمرة الأولى بالدبابات | القسم السابع

أغيد الخضر

مُدون ومحرر سوري، من مواليد مدينة البوكمال في ريف ديرالزور، حاصل على شهادة الليسانس من كلية الآداب قسم اللغة العربية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.