اقتحام البوكمال للمرة الأولى بالدبابات | القسم السابع

أغيد الخضر – خاص صوت وصوة 


هذه الورقة البحثيّة هي السابعة من سلسلة مواد رأي سيتم نشرها بشكلٍ أسبوعي تتحدث عن “واقع منطقة حوض الفرات” في العصر الحديث منذ مرحلة الاستقلال حتى يومنا هذا وتعاقب أنظمة الحكم على المنطقة.



بعد تأزم الوضع في مدينة البوكمال وحوادث وعمليات الشغب التي نفذتها عناصر مدسوسة من الأمن, عسكرت الدبابات في ثكنة الهجانة وفي فروع الأمن وفي مطار الحمدان القريب من البلد مدعومة بعدد من الأليات والكثير من العناصر لاقتحام البلد, وباتت البلد بحالة من التوتر فهذا الجيش الذي جاء إلى البلد ما جاء ليخرج منها إلا بعد أن يعيث فيها فساداً ويدمرها شر تدمير كما فعل سابقاً مع بقية المدن السورية, لكن الناس التي خرجت مطالبة بالحرية تعرف حق المعرفة أنها إما أن تموت بقنابل ورصاص الجيش، أو أنها ستموت إن هادنت أو استسلمت في سجون النظام, و لإفشال مخططات الأمن العسكري قام عدد من المتنفذين وأصحاب الرأي السديد بالاتصال باللواء جميل الحسن قائد الجيش العرم رم الذي جاء للتحرير, وحصلت مفاوضات غير متكافئة بين مدنيين هدفهم تجنيب البلاد كارثة على وشك الحصول وبين ضابط جاء بعنجهية تحتمي خلف دبابات ومدافع, إلا أن صبر المفاوضين لم ينفذ وجاؤوا على أنفسهم كثيراً لتجنيب البلاد قنابل هددهم اللواء بها أكثر من مرة أثناء التفاوض, و أظهر مقدرته وجيشه على تدمير البلد بساعات, وبدأ بوضع الشروط التعجيزية كتسليم البواريد التي أخذت من بيت مدير المنطقة, وتسليم عدد من الشبان الواردة اسماؤهم في قائمة قدمها لهم وعلى ما يبدوا كانت مكتوبة من قبل العقيد رئيس مفرزة الأمن العسكري لأن اللواء لا يعرف أي اسم من الأسماء الواردة كما أن معظم الأسماء الواردة مهددة من قبل العقيد إن هم وقعوا بيديه فسيرسلهم إلى الهاوية، إلا أنهم أكدوا للواء بأن الأسماء المذكورة لا دخل لها بأخذ البواريد, و أنهم على استعداد لجمع أكبر عدد ممكن منها و إعادتها, و أصر هو على إعادة جميع البواريد غير منقوصة, و إلا فالعواقب ستكون وخيمة .

 

 و بدأ الأهالي بمحاولة جمع البواريد التي أخذت بوقت عصيب اختلط فيه الحابل بالنابل وضاعت الأمور, لكن جهود الخيرين من أهل البلد تضافرت لإعادة السلاح إلى المخفر لقطع الطريق على النظام باتخاذها ذريعة لضرب المنطقة حتى استطاعوا جمع أكبر عدد من البواريد, ثم أعلنوا عن مكافئة لكل من يأتي ببارودة لأن البعض يريد الاحتفاظ بها كغنيمة له ويريد تعويضاً عنها, وقد حاولت الجهات الأمنية إفشال المفاوضات مع اللواء لكن أهل البلد قطعوا الطريق عليهم بمنع وصول أي قطعة من السلاح لأن الأمن كان يريد أخذ بعض منها لإخفائها ومن اتمام جمعها كاملة, وقد امسكوا ببعض المدسوسين ممن حاولوا فعل ذلك لصالح الأمن, وبالفعل جُمع السلاح وسُلم للواء .

على ما يبدو كانت العملية نوع من جس النبض أو اعتبرها النظام جس نبض, لكن التوتر ظل سائداً في المنطقة خاصة مع إعلان منع التجول اعتباراً من الساعة التاسعة مساءً وحتى الصباح الذي تكرر في اليوم الثاني ليزداد التوتر خاصة مع ما يشاع من أن الجيش سيجتاح المنطقة لا محالة.

وبالفعل في الثالث عشر من سبتمبر 2011 تم اجتياح المدينة من جهة ثكنة الهجانة باتجاه الساحة العامة عن طريق شارع خالد بن الوليد وقد اعتدي على الاشخاص في البيوت وخاصة المغلقة منها والخالية من أصحابها  لسفر أو لأسباب أو لأن البعض اجتمعوا في بيوت العائلة خوفاً من البقاء لوحدهم لكثرة ما أشيع عن بطش الجيش, واعتقل عدد من الشباب وحصل استفزاز للناس بتخريب الاثاث و قلبه رأساً على عقب وتمزيقه, وقد تم سرقة الأموال والمصوغات الذهبية من قبل بعض العناصر وخاصة عناصر الأمن المرافقين للحملة العسكرية  (للأمانة هناك ضباط ارجعوا بعض الاموال من عناصر سرقوه عندما اشتكى أصحابه) وتم كسر بعض المحال التجارية, كما أن عدد من عناصر الأمن المرافقين للحملة العسكرية راحوا يكتبون على الجدران عبارات استفزازية لإثارة المواطنين مثل ” الأسد أو نحرق البلد ” أو ” من هنا مر رجال الأسد ” واستمرت الحملة حتى عصر ذلك اليوم لتتكشف الأمور عن خراب في الأماكن التي مر بها الجيش, و لكن ما تم تكشفه في هذه الحملة كما نقل أحد العناصر المنشقة فيما بعد بأن اللواء وبعد انتهاء الحملة اجتمع بالضباط الذين قاموا بها لينقلوا له بأنهم لم يلحظوا مظاهر تسلح, ولم يجدوا أي عناصر مسلحة خلال التفتيش, وقد استدعى العقيد غسان السهو رئيس مفرزة الأمن العسكري ليسمعه أقسى الكلام وبأن التقارير التي نقلت عنه إلى القيادة كان هدفها الزج بالجيش في مهمة ليس مهمته, ويبدو أن ذلك نقل للجهات الأمنية العليا فنقل اللواء من المنطقة بعد هذه الحملة بعدة أيام وبقيت المظاهر العسكرية في المنطقة حيث زرعت الدبابات والأليات العسكرية وسط المدينة وأصبح وسط المدينة كأنه ساحة معركة .

 

   مما حدث أثناء حملة التفتيش ونقلاً عن شهود العيان وأصحاب العلاقة :

–        تم سرقة أموال من عدد من البيوت أثناء تفتيشها ومصوغات ذهبية وخاصة من قبل عناصر الأمن حيث كان التفتيش يتم بأن يجمع أهل البيت في غرفة واحدة و يؤخذ صاحب البيت كمرافق لتفتيش باقي البيت, فتمتد الأيدي للعبث بما يحيط بها ففي بعض الأحيان يلاحظ صاحب البيت أن العنصر أخذ شيء فيحاول منعه, ومنهم من لا يلاحظ ومنهم من لا يتجرأ على الكلام في مثل هذه المواقف خوفاً من العواقب, و المخزي في هذا الموقف بأن الأيدي امتدت إلى ما خف وزنه من الأشياء كزجاجات العطر والتحفيات بل حتى بعض المواد الغذائية من المطابخ والبرادات.

–        تم تخريب عدد من البيوت والإساءة للأثاث خاصة لأشخاص معينين يحقد عليهم النظام, ويتم ذلك من قبل عناصر الأمن لأنهم ممن يخدمون في البلد و يعرفون أهلها, و قد اعترض بعض  الضباط على هذه الأفعال إلا أن عناصر الأمن احتجوا بأنهم يبحثون عن السلاح المخبأ داخل الأثاث و أنه لا بد من تمزيقه.

–        ادعى بعض عناصر الأمن أنهم عثروا على طلقات أثناء التفتيش فكانت سبباً باعتقال البعض, وقد لاحظ بعض الضباط محاولة عناصر الأمن دس هذه الطلقات واكتفى بتوبيخ العنصر.

–        جاءت عقوبة النظام للأهالي بنقل المحاكم ودائرة النفوس والسجل المدني إلى مركز المحافظة وذلك لحصول المعاناة للمواطنين أثناء استخراج بعض الأوراق من ناحية, و إجبار المطلوبين على المرور من الحواجز الأمنية على الطرقات لاعتقالهم.

 

 كان من نتائج الحملة أن سخط المواطنين على النظام تضاعف أضعافاً مضاعفة عما كان عليه بسبب الانتهاكات التي حصلت و الاعتداءات على المواطنين لدرجة أن التظاهرات التي كانت تخرج جمعة صارت تخرج كل يوم, و أن عدد كبير من المواطنين الذين يقفون على الحياد صاروا ممن يخرج في المقدمة, و اشتركت النسوة في التظاهرات ممن تعرض ابناءهن للاعتقال أو التنكيل, و على الرغم من المظاهر العسكرية كانتشار الدبابات في ساحات المدينة وتجول سيارات الأمن والسيارات العسكرية في شوارع المدينة، إلا أن هذه المظاهر لم تعد تخيف المواطنين فقد انقلبت الأمور عكس ما يشتهي الأمن, فبدلاً من محاولة رجال الأمن اخافة المواطنين و ذلك بالتجول في المدينة و اطلاق العيارات النارية محتمين بالدبابات و المصفحات التي ملأت الشوارع, وهنا استحضر حادثة وقعت قبل دخول الجيش إلى المدينة, حيث قام مجموعة من الشبان بطلاء صورة لبشار الأسد وضعت وسط إحدى الساحات وفي وضح النهار، و كتب عليها ” مدينة الله أكبر مصنع الرجال ” فقام عناصر الأمن ليلاً بعد خلو الساحة من الناس بمسح الكتابة ليتكرر ذلك لعدة أيام لقد انقلبت الآية و زالت عقدة الخوف عند معظم الشباب بل وتحولت إلى جرأة عجيبة في المطالبة بالحرية و رحيل النظام الذي ما كان في يوم من الأيام يمثلهم بل أصبح عدواً لهم,  لذ لجأ النظام إلى محاولة التهدئة بعد أن شعر أن زمام الأمر سيفلت منه فقام باستدعاء عدد من أبناء المنطقة باختيار من الجهات الأمنية -هذا ما جرى على مستوى جميع المحافظات التي شقت عصا الطاعة- لمقابلة الرئيس ونقل مطالب الجماهير و بين مصدق ومكذب ومجرب لألاعيب النظام غادرت الوفود الشعبية للالتقاء بالرئيس محملة بالتوصيات المبطنة بالتهديد بعدم قول ما يغضب الرئيس أو نقل تمادي رجال الأمن وتعدياتهم على المواطنين, و لكن الوفود بعد أن عادت تجر أذيال الخيبة نقلوا للناس أن البلد في واد والرئيس في واد آخر لأن الحديث الذي دار يدل على أن الرئيس يتحدث بلسان الجهات الأمنية ويريد من المواطنين اعتبار المتظاهرين عناصر شغب وتخريب ويجب مساعدة الأمن في القبض عليهم ومحاسبتهم لأنهم أعداء البلد, و أن من يؤيدهم أو يساعدهم هو مخرب مثلهم, بل ويجب معاقبة أهلهم, وهو الذي أعلن ذلك من خلال خطاب رسمي سابق وأسماهم بالجراثيم ويجب التخلص منهم وممن يحتويهم.

 

و على الرغم من أن اللقاء كان بين الرئيس و الوفود فقط دون تواجد لعناصر الأمن، إلا أن الأمن أخبر المشاركين في الوفود بما قاله كل واحد منهم أثناء اللقاء, مما يدل على أن التسجيلات حتى في غرفة الرئيس, و لا أعرف هل هذا يدل على عدم الثقة بالرئيس، أم أن الهدف منها إيصال رسالة للمواطنين بأن المؤسسات الأمنية هي الكل بالكل في هذه الظروف الراهنة, فكانت ردة الفعل لدى المواطنين بأن صعدوا من التظاهر, بل واتسعت رقعة المناطق التي تطالب بالحرية وبدأ النظام باستخدام العنف بشكل لم يسبق له مثيل فبعد أن كان عدد الشهداء في الجمعة بين العشرين والثلاثين شهيد صار عدد الشهداء يزيد عن المئة في كل يوم والأخبار عن سورية تتصدر نشرات الأخبار في القنوات العربية والاجنبية وصور المجازر التي يرتكبها النظام تلطم العيون, ومع ذلك كان الاصرار على التخلص من هذا النظام الذي اوغل في الاجرام يزداد يوماً بعد اليوم وأن التراجع عن هذه المطالب سيزيد النظام شراسة و سيؤدي إلى مزيد من القتل والاعتقال, و أن عدد المطلوبين للنظام صار مئات الآلاف وذلك من خلال نشرات أمنية وزعت على المفارز والحواجز الأمنية التي نصبت على مداخل المدن ومخارجها وعلى الطرق العامة مما أدى إلى شلل كبير في الحركة أثر بشكل كبير على الاقتصاد الذي لم يكن ينقصه مزيداً من التدهور وبدأت العملة بالانهيار, مما دفع النظام إلى حركة جديدة عله يستطيع السيطرة على الوضع المتأزم ولملمة الموقف الذي بدأ يفلت من بين يديه فبدأ بإرسال بعض المسؤولين وخاصة من أهل المنطقة في محاولة لتهدئة الموقف و امتصاص غضب المواطنين و أن هناك حزمة من الاصلاحات قادمة سيقوم بها النظام ولكن الأمر يتطلب التهدئة في الوقت الذي كان النظام يرتكب مزيداً من الجرائم هنا وهناك, فإذا نشرت إحدى القنوات صور لهذه المجازر رد إعلام النظام الذي كان يكذب حتى في النشرة الجوية بأن هذه الصور مأخوذة من حادثة في العراق أو في منطقة أخرى وليس في سوريا حتى أن الإعلاميين الذين يوثقون للأحداث كانوا يلتقطوا ما يؤكد بما لا يقبل الشك أنها في سوريا وليس في المريخ  وذلك بالتصوير بجانب معالم مشهورة تدل على المنطقة.

 

و أذكر في أحد هذه اللقاءات عندما سأل المسؤول عما يطالب به الشعب وقف أحد البسطاء وسط خوف الحضور من عدم امكانية مقدرته على التعبير لبساطته فقال منذ عدة أيام حصل بيني وبين مواطني إحدى الدول مشادة كلامية على احد مواقع الانترنت نتيجة اختلافنا على أي البلدين أحسن بلدي أم بلده ولحسي الوطني دافعت باستماته عن بلدي فتجاسر فتطاول عليها بالكلام فتجاسرت على رئيسه فثار غاضباً وبدء بشتمي. ثم سكت قليلاً و أردف نريد رئيساً ندافع عنه بنفس القوة عندما نشعر فعلاً أنه رئيسنا ويبادلنا حب بحب بدل هذا الدمار, نريد رئيس نقوى به لا يتقوى علينا, فتحول خوف الحضور الى ذهول من تعبيره عن حقيقة تدور في خلد معظم المواطنين السوريين إن لم يكن جميعهم. وتوالت اللقاءات يومياً دون الوصول إلى نتيجة وهنا دعا النظام في المحافظات الثائرة الى مؤتمر اسماه مؤتمر الحوار الوطني و يشمل المعارضين والحياديين والمؤيدين ( من البعثيين وأعضاء أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية الشعبية الاشتراكية …  …   الخ) لمناقشة الأوضاع وإيجاد حلول للأزمة كما سماها النظام وقتها و للحيلولة دون انهيار البلد – كما ادعى – للقيام بمصالحة وطنية,  وبالفعل عقد المؤتمر وسط تشاؤم المواطنين وأنه مجرد ذر للرماد في العيون وأن التجارب السابقة تؤكد ذلك, وتوجه عدد من المثقفين مدفوعين بتأييد من المواطنين علهم يصلوا إلى حلول تجنب البلاد الوقوع في الهاوية ولسان حاله يقول ” خليك ورا الكذاب لحد الباب “.

 


حوض الفرات ما قبل حكم الأسد الأب | القسم الأول

تفرد حافظ الأسد بالسُلطة | القسم الثاني

حماة | القسم الثالث 

التنافس داخل العائلة الحاكمة وأثره على منطقة حوض الفرات. | القسم الرابع

مقتل الباسل يربك النظام ويهيء لوصول بشار للسلطة | القسم الخامس

بداية الثورة في الشرق السوري | القسم السادس

أغيد الخضر

مُدون ومحرر سوري، من مواليد مدينة البوكمال في ريف ديرالزور، حاصل على شهادة الليسانس من كلية الآداب قسم اللغة العربية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.