أغيد الخضر – خاص صوت وصوة 


هذه الورقة البحثيّة هي السادسة من سلسلة مواد رأي سيتم نشرها بشكلٍ أسبوعي تتحدث عن “واقع منطقة حوض الفرات” في العصر الحديث منذ مرحلة الاستقلال حتى يومنا هذا وتعاقب أنظمة الحكم على المنطقة.


 

مع قيام الربيع العربي وانطلاق ثورات التحرر العربية, كان لسوريا نصيب منها بعد كلٍ من تونس ومصر, وبعد بدء الثورة في ليبيا. كانت رائحة الحرية قد تسللت بين حارات المدن السورية, وبدأ الحديث بالسر عن متى موعد سوريا مع الربيع العربي. البعض كان يعتبر فكرة قيام ربيع عربي في سوريا ضرب من الخيال. أتذكر جيداً حادثة وقعت بيني وبين رفاقي أثناء جلوسنا في مقهى شعبي بمدينة البوكمال قبل انطلاق الثورة السورية بشهر , بثت قناة إخبارية خبراً عن قصف الجيش الليبي لمدن ليبية بصواريخ الغراد, قال أحد الموجودين كيف لرئيس أن يقصف شعبه بالصواريخ, أجبته ممازحاً, انتظر ما سيحدث في سوريا “والله ليقصنا بالنووي”, انسحب ثلاث اشخاص من الجلسة وبقي شخصٌ واحدٌ قال لي, نحن أصدقاء منذ الطفولة, ويهمني أمرك اتمنى أن لا تكرر مثل هذا الحديث فالحيطان لها أذان وانسحب بعدها.

حادثة أخرى أيضاً عند سقوط نظام حسني مبارك فقال أحد الأشخاص ” إن أمطرت بأرض بشر أختها” أي أن الدور سيأتي على النظام السوري ايضاً, هذه الجملة كلفت قائلها اعتقالاً وانقطاع اخباره لسنوات في معتقلات النظام. فعلى الرغم من قناعة الجميع بضرورة تغيير النظام إلا أن قسماً منهم كان يتخوف من رد فعل النظام في حال قيام ثورة في سوريا.

 

في البداية قام عدد من الأطفال في مدينة درعا ممن كانت أعمارهم بين العاشرة والثانية عشر من العمر بالكتابة على الجدران, و ذلك ما اعتبره الأمن خرقاً لم يعتد عليه, ودخولاً إلى حرمه الذي لم يجرأ أحد على دخوله طوال عقود مضت, و قد يجر ذلك إلى اختراقات أخرى في مناطق ثانية قد تخرج عن السيطرة في ظل حركة ” الربيع العربي ” لذلك كان لابد من التفكير بالحل الأمني و بالقمع المعهود و الذي أفلح فيما مضى, فأحضر الأطفال ليعذبهم بما لا يتحمله الكبار, ولما طالب بهم الأهالي تلقوا من الإهانة من قبل رئيس الفرع ما لا يمكن قبوله لأنه هدر للكرامة يهون دونه الموت, حيث نقل عن الوفد الذي ذهب إلى رئيس فرع الأمن عاطف نجيب ( وهو ابن خالة بشار ) أن رئيس الفرع قال للوفد : انسوا الأطفال, و إذا كنتم تريدون بدلاً عنهم فأرسلوا النساء كي نخلف بدلاً عنهم, وما زاد الطين بلة أنهم عندما ذهبوا إلى المحافظ ( و الذي كان هو الآخر من المقربين لبشار ) كان جوابه أقسى من جواب رئيس الفرع مما دفعهم إلى خلع المحارم والعُقُل ( جمع عقال ) على طاولة المحافظ ليخرجوا من عنده وهذا له دلالة كبرى عند العرب, ولأن المحافظ لم يتربى في دواوين العرب ومعارفهم وتقاليدهم لم يفهم الرسالة بل دفعته عنجهية تعود عليها إلى مسح حذاءه بمحارم الرجال دون مراعاة لقدرهم وقيمتهم, و لأنه من لم يعش بين الرجال لا يمكن أن يحسب لهم حساب فكان هذا التصرف الأهوج.  وصل الأمر إلى بشار فوضع بشار مصلحة الوطن بكفة, و زعل خالته إن هو عزل ابنها بكفة فرجحت كفة خالته على كفة الوطن فجاء الحل على إبقاء ابن خالته دون حساب مما أثار حفيظة المواطنين ليخرجوا بمظاهرة احتجاج على هذا الفعل, ولتجابه المظاهرة بإطلاق الرصاص, و يبدوا أن المستشارين الأمنيين قالوا للرئيس بأنهم قادرين على إخماد هذا التمرد إن هو أطلق يدهم وأعطاهم حرية التصرف, و لو أن رأس النظام لم يكن شريك مؤامرة أحيكت ضد الوطن لتوجه إلى المحافظة وعزل ابن خالته ولو شكلياً واستبدل المحافظ و شرب فنجان قهوة مع وفد من المنطقة لانتهى الأمر عند هذا الحد, والبعض يقول أن ما خطط للمنطقة قادم مهما كان تصرف الرئيس, و لكنني أقول لو كان في نية النظام الوقوف بوجه المؤامرة ( هذا إن لم يكن شريكاً بها ) لاستطاع سحب عامل من عوامل التأجيج و ساهم بتهدئة الموقف.

ارتفعت حرارة المرجل الشعبي ليبدأ بالغليان ولينتقل ذلك إلى المحافظات السورية فكانت مظاهرة دمشق في منتصف أذار تبعتها مظاهرة احتجاج في أول جمعة بعدها في بانياس وبابا عمر ومنطقة البوكمال لتهتف ولأول مرة “الشعب يريد إصلاح النظام” لترتفع درجة المطالب ليصبح الهتاف فيما بعد “الشعب يريد إسقاط النظام”, لأن الجهات الأمنية استوعبت الأمر على طريقتها باستخدام السلاح لمجابهة المدنيين العزل, ولتبدأ المظاهرات في مناطق أخرى من حمص وفي دير الزور والجزيرة, و مع أن عدد الشهداء من المدنيين يزداد جمعة بعد جمعة, حيث مجزرة ” البيضة ” و مجزرة ” بابا عمر ”  إلا أن يوم الجمعة صار كابوس على رجال الأمن (و أقصد هنا رجال المخابرات لأن النظام لم يعتمد على رجال الشرطة لعدم الثقة بهم ولخوفه من انضمامهم للمظاهرات) . في أحد مفارز مدينة البوكمال الأمنية, جاء عنصر ليخبر رئيس المفرزة أن مظاهرة انطلقت من الجامع الفلاني, فبدأ رئيس المفرزة بالكفر والسب بكل اللهجات التي يعرفها, ويتساءل متى سينتهي هذا الكابوس. مرة أخرى يتصل به أخيه من بلده متسائلاً عما يجري عنده في بلد خدمته فيجيبه أن الأمور على أحسن ما يكون, لكن الأخ يؤكد له أن الأمر ليس كما يقول فهناك قناة مشهورة تبث بثاً مباشراً من البلد التي يخدم بها لمظاهرة كبيرة على ما يبدو, ولأن الضابط يشاهد فقط قنوات النظام حيث يحرم عليهم مشاهدة غيرها, لكنه عندما أدار على تلك القناة شاهد العجب العجاب واللافتات المرفوعة تدل على أن المظاهرات عنده دون أن يدرك, ذلك أن رجال الأمن كانوا يطوقون مسجداً و التظاهرة تخرج من مسجد آخر, فصرخ بأحد العناصر ليخبره عن مكان المظاهرة من خلال المعالم التي تظهر في التلفاز فأجابه العنصر بأنها قد تكون قريبة من المسجد الفلاني, فرئيس المفرزة على الرغم من أنه في البلد منذ أكثر من ثلاث سنين والبلد صغيرة نسبياً إلا أنه لا يعرف منها إلا الطريق الذي يسلكه من بيته إلى المفرزة وهو يركب سيارته المفيمة التي لا يرى منها شيء و كل ما يعرفه عن المنطقة هو لعدة بيوت يدعى فيها للولائم أصحابها من ذوي النفوس الضعيفة أو عن طريق التقارير اليومية المقدمة من عناصره ومخبريه. حولت حياتهم إلى كابوس فما أن يدخلوا المفرزة بعد أن فضوا إحدى المظاهرات في إحدى ساحات المدينة, حتى يأتيهم خبر مظاهرة انطلقت في ساحة أخرى, ليعاودوا الكرة بملاحقة المتظاهرين.

إذاً ولى الزمن الذي كان فيه عنصر الأمن يغلق شارعاً كاملاً بإشارة من إصبعه معتمداً على صلاحيات مطلقة بالظلم, أدواته الحديد والنار و قد تبجح أحد عناصر الأمن أنه أودع مواطناً في السجن بحجة أنه مطلوب للأمن و بدون مذكرة توقيف وسيأتي لأخذه, ويقول العنصر ضاحكاً انشغلت عن الموقوف حتى اليوم الثاني ولما تذكرت أخرجته و أقنعته بأني تدخلت لدى المعلم للعفو عنه و مرت الحادثة دون أن يشعر بها أحد، ولكن على ما يبدو أن الزمن قد تغير. وقد قالها أحد كبار ضباط أمن النظام أن أهم شيء خسرناه هو حاجز الخوف الذي كان يسيطر على الناس. وبأم عيني رأيت شاب لا يتجاوز عمره الرابعة عشر وهو يقف عاري الصدر أمام رجل الأمن. أقسم أن الشاب الخالي اليدين كان ثابت ورجل الأمن الذي يحمل بارودته يرتجف. لقد كتبت عليه الذلة والمسكنة,  فرجال الأمن المدججين بالسلاح يخافون المدنيين العزل, فإذا نظرت إلى أحدهم فإن الجندي في أرض المعركة  أقل تسليحاً منه, صدرية واقية من الرصاص, جعبة بأربع مخازن, قنابل يدوية, بارودة بمخزنين, خوذة مغطاة بشبك, جهاز لا سلكي لا ينقطع صوته, ولذلك عندما كان يأتي للاستراحة يحتاج وقت للتخلص من هذه الكراكيب وما إن يسحب نفس حتى يعاود ارتدائها, حتى أن عنصر الأمن دخل في كتاب غينس للأرقام القياسية بسرعة ارتداء وخلع ملابسه العسكرية.

 

و لكي يتخلص رجال الأمن مما هم فيه راحوا يكتبون التقارير التي تهول الأمور بأن الشعب مسلح حتى بالأسلحة الثقيلة, وأن هناك صواريخ دخلت إلى البلد قادرة على الوصول إلى العاصمة وضرب القصر الجمهوري. وأذكر في إحدى المداهمات لمنزلنا كان هناك مصفحتان وعدد من السيارات العسكرية, دخل الجيران بين حالة من الاستهجان لما يجري من هتك لستر البيوت, وضاحك من منظر العناصر وهم يعتلون السطوح المجاورة وبعضهم يجلس في السيارة ويخرج فوهة بارودته من النافذة وعيونه تتحرك يمنة ويسرى كفأر أخرج رأسه من جحره يستطلع ما يجري حوله, وقسم آخر راح ينبش البيت ليقلب رأسه على عقب, وفي المفرزة تقدم لوالدي بعد ساعات من الاعتقال ضابط عسكري برتبة نقيب وقال بصوت منخفض بعد أن تأكد من خلو المكان “ارجو أن تعذرني فقد قال لنا العقيد, و كان يقصد رئيس المفرزة بأننا ذاهبون إلى وكر ارهابيين مسلحين فخذوا حذركم إلا إنه تبين لي أن البيت خال من أي مظهر من مظاهر التسليح” فابتسم والدي و هز برأسه وليرسم على وجهه ابتسامة ساخرة تخبره أننا اعتدنا على كذب العقيد والعميد والعماد والفريق.

 

في محافظة ديرالزور, كان دخول الريف بالثورة السورية أسبق من المدينة بجمعة واحدة, وكانت مدينة البوكمال من أوائل المدن التي دخلت الحراك الثوري بعد ثلاث جمع من مظاهرات درعا. كانت الفترة بين نيسان و نهاية ايار هي الذروة الحقيقية لمظاهرات المدينة, ولم تكتف المدينة بمظاهرة واحدة أسبوعياً, بل تطور الأمر حتى وصل إلى مظاهرة يومياً وأحياناً مظاهرتين بنفس اليوم. شارك في التظاهر جميع فئات المجتمع, حتى وصل تنظيم التظاهر إلى تخصيص يوم من كل أسبوع لطبقة مثقفة من المجتمع, فكان هنالك ثلاثاء الأطباء وأربعاء المحاميين وخميس المعلمين وأحد الصيادلة. قدم المتظاهرون خلالها أروع صور التظاهر السلمي في ساحة الفيحاء في المدينة. هذا الأمر سبب إرباكاً للنظام بدخول الطبقة المثقفة للتظاهر وبث هذه المظاهرات على القنوات الإخبارية والتي تكذب ادعاء النظام أن المتظاهرين هم من الغوغائيين والمخربين. عمد النظام عندها لحملة الاعتقالات التي كانت مركزة على الطبقة المثقفة من الشعب, وسمح لأشخاص ذوي سمعة سيئة بقيادة الحراك دون المساس بهم. لم يكونوا هؤلاء الاشخاص على ارتباط بالنظام, لكن سمعتهم كانت كفيلة بإبعاد الناس عن التظاهرات التي كانوا يقودونها. وعند ظهر 21\6\2011 نزلت سيارة تابعة للأمن العسكري إلى سوق المدينة وفتحت النار باتجاه المدنيين وقتلت 5 من شباب المدينة علماً أنه لم يكن هنالك أي مظاهرة. الاعتقالات الوضع عندها بعد سيلان الدم في المدينة واستغل الأمن هذا الوضع ودس عناصره بين المتظاهرين للقيام بأعمال تخريبية ونسبها للمتظاهرين. فقاموا بإحراق المخفر وبيت قائد الشرطة وسرقة عدد من البواريد, من ثم هجموا ليلاً باتجاه أفرع الأمن. الأشخاص الذين شاركوا بالهجوم على الأفرع الأمنية اتضح لاحقاً أنهم من أزلام النظام, وفي تلك الليلة من حاول الوقوف بوجههم اتهموه بالخيانة والعمالة للنظام. انقطع الماء و الكهرباء عن المدينة وتم جلب فرقة عسكرية حاصرت المدينة وهددت بالاقتحام مالم يتم تسليم السلاح وبعض الأسماء التي وضعها النظام بتهمة الهجوم على الأفرع الأمنية علماً أنه لم يكونوا من بين المهاجمين بل كانوا من ضمن الذين حاولوا منع الهجوم.

سأروي هنا حادثة شخصية حدثت معي, قبل اقتحام البوكمال بعدة أيام, كنت في مدينة ديرالزور, وكنت على تواصل مع عدد من العساكر والضباط, بدأت القصة بحكم عملي في محل أمام مقر الجيش الشعبي, وكان يأتي إلى المحل عساكر من درعا وإدلب وحماة, كنت أتعمد وضع التلفاز على القنوات الإخبارية لنقل حقيقية ما يجري ويشاهدوه. تطور الأمر بعدها ليطلبوا مني حفظ أخبار مدينة كل منهم لأخبرهم بها عندما يأتوا بحجة شراء حاجيات. في أحد المرات جاء ضابط من الريف الحمصي برتبة رائد ومعه نقيب من إدلب من مرتبات الدبابات وأخبروني أن الأوامر أتت بالتوجه إلى مدينة البوكمال لاجتياحها وطلبوا مني التواصل مع الأشخاص هناك لأخبارهم بالأمر ومحاولة ترتيب انشقاق لهم إن أمكن. لم استطع السفر إلى مدينتي, والتحدث بالهاتف بتلك الفترة كان يعد مغامرة, فقررت خلق شيفرة وهاتفت أخي وقلت له أن لي رفاق سيزورونكم قريباً جداً ومعهم اشياء جميلة, أحدهم يرتدي قميص ألمانيا – رائد كناية عن النسر – ومعه ماكينة حلاقة ثلاث شفرات – نقيب – يريد أن يحلق دقنه ويتزين مثلنا. كنت خائف من ألا تصل الرسالة بشكل جيد فسألت هل فهمت المقصد أجابني نعم, أعدت تكرار السؤال هل فهمت المقصد أو أوضح بشكل أفضل قال فهمت ولكن إذا أردت أن توضح اكثر “شكلنا راح نودع المونديال”.

أيام قليل واقتحمت الدبابات مدينة البوكمال, في السادس عشر من شهر تموز 2011, بدء اقتحام المدينة بثلاث دبابات فقط تسير باتجاه وسط المدينة, وتطلق النار بالهواء, ومن بين عدد كبير من الشبان كانوا يقفون في الحارات الفرعية خرج شاب عاري الصدر يمشي ببطء باتجاه الدبابات ويرفع اشارت النصر والدبابات تستمر بالتقدم, جثى الشاب على ركبتيه في طريق الدبابات وانضم له عدد من الشبات بذات الحركة, توقفت الدابات على بعد 50 متر منهم وخرج منها مقدم يرفع إشارة النصر ونزل من الدبابة.

خرج الأهالي يهتفون “الله محيي الجيش” واستقبلوا العناصر المنشقين في أول حادثة انشقاق لعتاد ثقيل في تاريخ الثورة السورية, وساقوا الدبابات وأخفوها وأخذوا إحدى القذائف وحفروا عليها ” البوكمال مصنع الرجال” وهو الاسم الذي تلقب به المدينة وارسلوها إلى مكتب جامع جامع رئيس فرع الأمن العسكري بديرالزور.

 

 

جن جنون النظام بهذه الحادثة وارسل مزيداً من التعزيزات, وبعد أن كان يطالب بتسليم السلاح الخفيف اضاف الثلاث دبابات والعناصر المنشقة إلى قائمة الطلبات, وافق الأهالي على تسليم الدبابات, لكن العناصر المنشقين كانوا قد وصلوا إلى ديارهم سالمين.

سأسوق بعض الأمثلة على ما اتخذه رجال الأمن في تهويل الأمور ومحاولة إظهارها مظهر العنف كي يكون هناك مبرر للقتل واستخدام السلاح بأبشع الطرق والوسائل بل ولكي يستجروا الجيش إلى البلد بما يضمن راحتهم وسلامتهم بعد أن يستلم الجيش المهمة ويتراجعوا هم للخلف, وفعلاً هذا ما حصل :

  • كان فرع أمن الدولة أقل حدة من فرع الأمن العسكري في مجابهة المظاهرات مما جعل الناس تتحدث عن جرائم الأمن العسكري و وحشيته, ولكن حصل أكثر من هجوم لمسلحين ملثمين على الدراجة النارية على فرع أمن الدولة يتم فيه إطلاق النار والهرب دون أن يستطيع رجال أمن الدولة الإمساك بالمسلحين, وتشاء الأقدار أن تنقلب الدراجة النارية بالمسلحين ويمسك بهم عناصر أمن الدولة ليتبين أنهم من عناصر المخابرات العسكرية, وقد ارسلوا ليثيروا البلبلة وليؤججوا حقد أمن الدولة اتجاه المواطنين, فوضعهم مقيدين في سيارة و أرسلهم إلى فرع الأمن العسكري طالباً عدم تكرار الموقف فالكلاب لا تعض بعضها, لكن على ما يبدو أن اجابة فرع الأمن العسكري أن الكلاب تعض بعضها أحياناً إن اقتضى الأمر, وهي من الحوادث مشهورة في البوكمال.
  • أثناء إحدى المظاهرات هجم بعض المتظاهرين على مخفر الشرطة علماً أن رجال الشرطة لم يتدخلوا بأي مظاهرة إنما كانوا يقفون كحاجز عند باب المخفر وتمر المظاهرة بعيدة عن المخفر دون أي صدام بينهما, و أمسك المتظاهرون بالمهاجمين وساقوهم إلى أحد البيوت لاستجوابهم خاصة وأن المنظمين للمظاهرات لم يكن بنيتهم الهجوم على المخفر أو حتى الاقتراب منه فمن أين جاء هؤلاء ليتبين أنهم من العناصر المدسوسة والتي تعمل لصالح الأمن العسكري وقد طلب منهم العقيد ذلك ليقحم الشرطة وليعطي صفة الغوغاء على المتظاهرين .
  • في صباح أحد الأيام استيقظ أهل البلد ليجدو أوراقاً مطبوعة ومعلقة على أبواب المساجد و المقاهي طبع عليها عشرات الأسماء ومكتوب عليه أن هؤلاء مخبرون للأمن ويجب القصاص منهم و معاقبتهم وقد وضع في المقدمة عدد من الاسماء التي تعمل بالفعل مع الأمن و الباقي أسماء من شرفاء المنطقة و أصحاب الدين و الأخلاق الحسنة و من ذوي المكانة في المجتمع و قد تبين من خلال شهود عيان بأن من وضع هذه الأوراق هم عناصر من رجال الأمن, ولولا تدخل رجالات من عوائل المدينة وتهدئة الأمور وكشف حقيقة هذه الأوراق بإثارة البلبلة بين أهل البلد لحدث ما لم تحمد عقباه .
  • تم اغتيال عدد من الرجال ممن وردت أسماؤهم في الأوراق التي نشرت في البلد بزعم أنهم ممن يتعاونون مع الأمن وذلك باستخدام دراجات نارية وكاتم للصوت وبين متهم للأمن وبين من يحاول رمي الكرة في ملعب من يشرف على المظاهرات باتهامهم أنهم قاموا بتنفيذ تهديدهم كادت البلد أن تتحول إلى ساحة معركة, وانقسم الناس بين من حمل المتظاهرين مسؤولية ما يحصل وبين من يحاول الدفاع أن مثل هذا الأعمال لا يمكن أن تصدر عن المتظاهرين, وأن عناصر الأمن يتجولون ليل نهار وهناك سهولة باغتيالهم بدل ابن البلد مهما كانت صفته, ولكن تشاء الأقدار أن أحد عناصر الأمن ممن كان يثير شباب البلد بتصرفات مستهجنة و قد حذروه كثيراً بالكف عن مضايقة المواطنين خاصة و قد ثبت أنه كان يعذب السجناء دون تعصيب عيونهم كاشفاً عن نفسه بتحدٍ سافر غير أبه بمشاعر أحد فيقع بقبضة مجموعة من الشباب واثناء التحقيق معه تبين أن الأمن هو وراء هذه الاغتيالات .
  • في إحدى التظاهرات في الساحة العامة والتي يطل عليها سطح المخفر ومبنى مديرية المنطقة تم إطلاق النار من السطح ليذهب ضحية ذلك خمسة شهداء من خيرة الشباب المشاركين في المظاهرة وكردة فعل بعد أن رأى الناس الدم و القتلى هجموا باتجاه المخفر وهم عزل من أي سلاح, فما كان من الشرطة إلا أن انسحبوا وتنحوا جانباً, وخرج المتظاهرين من المخفر حيث كان خالٍ من السلاح تماماً و يهتف أحد المتظاهرين أن السلاح في غرفة نوم مدير المنطقة تحت السرير, وهجم عدد من الغاضبين إلى بيت مدير المنطقة متجاوزين عدد من الشباب الذين حاولوا منعهم، لكن غضبهم كان أقوى من تصدي الشباب لهم فدخلوا بيت مدير المنطقة وأخذوا السلاح من غرفته و اعتدى عليه بعضهم بالشتم والسباب علماً أن مدير المنطقة كان من أفضل ممن تعاملوا مع المتظاهرين حيث كان يقف جانباً إلى أن تنتهي التظاهرة في محاولة منه تهدئة الموقف وعدم تأجيجه (وهذا ما كان يغضب رجال الأمن), فيما بعد تبين أن من أطلق النار من سطح مديرية المنطقة هم عناصر من الأمن العسكري تسللوا لإطلاق النار و إثارة المتظاهرين وأن من هتف بالناس عن مكان الأسلحة هو ممن دسهم الأمن لأنهم على علم بمكان السلاح الذي نقله مدير المنطقة ليلاً من المخفر إلى بيته, و أن من اعتدوا على مدير المنطقة هم من المخبرين اللذين يعملون للأمن, فقد اتصل رئيس المفرزة بمدير المنطقة طالباً منه ترك المكان فوراً واحضار عائلته بحجة حمايتهم، ولما ذهب إلى هناك قال له العقيد وابتسامة النصر تعلو وجهه, ألم نقل لك من البداية أنه لا ينفع مع هؤلاء الطيب و لا بد من استعمال العنف, فيما بعد التقى عدد من الشباب مع مدير المنطقة للاعتذار منه عما بدر من بعض الأشخاص الذين لا علاقة لهم بالمظاهرات فنقل لهم ما جرى وقال لهم أني أعرف أن كل ما جرى كان بتدبير من الأمن العسكري .

بعد هذه العملية ارتفعت التقارير التي تهول ما جرى وتظهر أن المتظاهرين كادوا أن يلتهموا رجال الأمن بلا ملح كما يقولون, وأن رجال الأمن بحاجة إلى دعم  وطبعاً يقصدون دعماً عسكرياً لأنهم يعرفون حق المعرفة أن كل منطقة فيها ما يكفيها من الاستنفار والمظاهرات و لا يمكن ارسال عناصر أمن للدعم, و اقحام الجيش في هذه المسألة سيريح رجال الأمن وسيعطي الأحداث توجه جديد يخطط له البعض وذلك لتبرير المواجه المسلحة للثورة السلمية والتي باءت كل المحاولات بتحويلها إلى ثورة مسلحة, و بالفعل نجح الأمر في اقحام الجيش في أحداث لم يوجد من أجلها, وتناط به مهمة ما تحمل الشعب السوري أربعين عاماً من الجوع والحرمان بحجة أن ثمانين بالمئة من مقدراته كانت تذهب للجيش ليتبناها في هذا الوقت لتتوجه فوهات بنادقه وسبطانات مدافعه إلى صدور المواطنين و بيوتهم بدلاً من ان توجه الى العدو, و سحبت دبابات النظام من هضبة الجولان الى الداخل السوري لتتوضح مهمة الجيش العقائدي بحماية النظام و رأسه حتى لو كلف ذلك قتل أكثر من ثلثي الشعب كما صرح كبار متحدثي النظام عندما صرح بأن الأسد الأب قد استلم سورية وهي قرابة سبعة ملايين وهي الأن ثلاثة وعشرون مليون ، إذاً من حق الأسد الابن ألا يتركها إلا بعد أن يعيدها إلى ما كانت عليه في بداية استلام الوالد.

 


حوض الفرات ما قبل حكم الأسد الأب | القسم الأول

تفرد حافظ الأسد بالسُلطة | القسم الثاني

حماة | القسم الثالث 

التنافس داخل العائلة الحاكمة وأثره على منطقة حوض الفرات. | القسم الرابع

مقتل الباسل يربك النظام ويهيء لوصول بشار للسلطة | القسم الخامس

أغيد الخضر

مُدون ومحرر سوري، من مواليد مدينة البوكمال في ريف ديرالزور، حاصل على شهادة الليسانس من كلية الآداب قسم اللغة العربية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.