مقتل الباسل يربك النظام ويهيء لوصول بشار للسلطة | القسم الخامس

عدد جريدة الثورة الصادر بتاريخ 11-6-2000

 

أغيد الخضر – خاص صوت وصوة 


هذه الورقة البحثيّة هي الخامسة من سلسلة مواد رأي سيتم نشرها بشكلٍ أسبوعي تتحدث عن “واقع منطقة حوض الفرات” في العصر الحديث منذ مرحلة الاستقلال حتى يومنا هذا وتعاقب أنظمة الحكم على المنطقة.


 

في 21 يناير من عام 1994 لقي باسل الأسد حتفه أثر حادث سير, وحتى هذا اليوم لم يُعرف حقيقة كيفية مقتله, فالبعض قال أنه تم اغتيال بعبوة ناسفة على طريق مطار دمشق الدولي من قبل جماعة تنتمي لرفعت الأسد كرد الدين للأسد الأب بعد أن طرده من سوريا, أما الرواية الأخرى التي بثتها فصائل المعارضة السورية بعد اندلاع الثورة والتي نُسبت لاعترافات ضابط تم اعتقاله واعترف حينها أن اغتيال باسل تم بأمر من أخيه بشار الاسد, ورواية ثالثة تتحدث عن تعطيل فرامل سيارته من قبل أبناء عمومته اللذين كانوا يكنون العداء له لتضارب مصالحهم معه. ليبقى المنفذ مجهولاً حتى اليوم مع وضوح أنه حادثٌ مُدبر.

بعد وفات الباسل تخربط غزل النظام ورأسه لأن التخطيط كان على تنصيب الباسل رئيساً بعد أبيه وأن كل الإجراءات قد اتخذت لتنفيذ ذلك, حيث أن باسل الأسد صار هو من يختار قادة الفرق والألوية الحساسة, كما أن الفرقة الرابعة – كانت حديثة تشكيل مكونة من عدد من الأفواج  – التي تسيطر على جبال قاسيون التي تشرف مباشرة على دمشق كانت تتبع له بشكل مباشر, والتي زودت بأحدث الأسلحة والصواريخ, و قد اختير كافة ضباط الحرس الجمهوري من أصدقاء الباسل وممن كانوا يخدمون معه في دورات الأركان المكثفة التي كان يخضع لها والتي تشمل كافة أقسام الجيش الجوية والبرية والبحرية, كما أن قادة الإدارات والفروع الأمنية هم من اختيار الباسل و ممن يدينون بالولاء التام له.

 

و فجأة غـاب الباسل عن الساحة ..

جاء القدر بما لم يفكر به الأسد والوقت لا يسمح بالتفكير الطويل ومجلة الفرسان و إعلام رفعت و قناته التلفزيونية تنادي (بكره لما يرجعوا الخيالة) في إشارة لرفعت الأسد. إذاً هناك من يتربص بالسلطة ويتحين الفرص للانقضاض عليها, وأن الظروف مواتية له, وهناك من التف حوله, و أن بشار غير كفؤ لهذه المهمة, وأن تأهيله سيحتاج وقتاً قد لا يتوفر له, لذلك لم يضيع الأسد فرصة إلا واستغلها  من دورات عسكرية إلى تنقله بين قطعات الجيش المختلفة لكسب الولاء من قادتها و تجوله في جميع المحافظات ضمن دورات اسمها ” دورة الوفاء للباسل ” وسط هتافات مخطط لها تهتف بحياة رئيس المستقبل, و كان خلال هذه الدورات يظهر بمظهر الرئيس القادم من خلال الوعود بتحسين الأوضاع مستقبلاً, و أخيراً تقديمه للمجتمع الدولي وزيارات لعدد من البلدان بدون أي صفة رسمية, و أهمها زيارته لفرنسا التي اسُتقبل فيها بقصر الإليزيه كرئيس رسمي وقدم الوعود منذ ذلك الوقت للسير على نهج الوالد تماماً دون أي تغيير. كما اعتمد الأب على بعض من رموز النظام التي خدمته كتوابع له طيلة فترة حكمه مع الوعود باستمرار أبنائهم كشركاء لبشار كمكافئة لوقوفهم إلى جانبه .

مع كل هذه الإجراءات ظل الشعور بأن الطبخة لا زالت بحاجة إلى إنضاج و الخوف من الإسراع بها قد يحرقها, وأراد الأب أن يحبك الأمور بشكل أقوى فاعتمد على رجالات من الطائفة بإقناعهم أن الخطر يداهم الطائفة إذا لم يكن هناك بديل له بعد موته وأن بشار خير بديل في هذه المرحلة, وعين ماهر في المناصب التي كان يشغلها الباسل لأنه يعرف أن ماهر رجل عسكري أكثر من بشار الذي قضى عمره بالدراسة بعيداً عن السياسة و العسكرة, كما اعتمد على صهره “اصف شوكت” بالناحية الأمنية, كما أن الأب أورث الابن عدداً من مستشاريه الذين رافقوه طيلة فترة حياته وله ثقة كبيرة بهم, طالباً منهم ألا يبخلوا بالنصح للابن كما كانوا مع الأب.

 

بعد معاناة كانت هي الأكبر خلال الفترة الممتدة بين عامي 1994 – 2000 مات الأسد الأب لتعلن وفاته بعد ثلاثة أيام تم خلالها التحضير لتنصيب بشار رئيساً ضمن اجراءات كان أولها مخالفة الدستور, ولكن كما قام الأب بتغير مواد من الدستور إبان حركته في السبعين, غير الأبن مادة هامة في الدستور والتي تنص على أن عمر الرئيس يجب أن يكون فوق الأربعين سنة لتُعدل إلى أربع وثلاثين سنة تفصيلاً على عمر الرئيس الجديد وليبارك ذلك كلاً من القيادتين القطرية والقومية وكبار رجال الدولة ومجلس الشعب, وزيادة على ذلك اعتبر رأس الهرم للحزب لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من المسيرة المضنية للشعب السوري.

 

في خطاب القسم بلط الرئيس البحر لشعبه, و أطعم الشعب الشهد بملاعق من ذهب, و وعدهم بأن أي مواطن سيتمنى الحصول على الجنسية السورية لما سيحصل من ازدهار فيها سيعوض السوريين حرمان السنين الذي عاشوه, و أن الأيام القادمة ستثبت أن الابن سيفتح صفحة جديدة مع شعبه, و كان هذا اعتراف ضمني لم يصرح به الابن تبين ما يعتبره هو أخطاء في المرحلة السابقة كانت في الحقيقة جرائم,  والشعب بين طيب النية ممن صدق مع بعض الشك, وبين من يقول أن من يجرب المجرب عقله مخرب, و أن هذا الخطاب لا يختلف عن خطاب الأب أثناء انتزاعه السلطة, و ما أن استتب له الأمر حتى سقى شعبه السم الزعاف, وأن الابن سيكون سر أبيه وسيسير على نهجه.

 

 منذ الأيام الأولى نزل رجال الأمن إلى الساحة لاستطلاع الرأي بطريقة تلبس ثوب الديمقراطية عن رأي الناس بالرئيس وبخطاب القسم الذي اعتبر تاريخياً ينم عن وعي كبير وقلب كبير و رئيس فذ تتطلبه المرحلة, واعتبر الخطاب ورقة عمل ستسير عليه كافة الوزارات والفعاليات و مما يثير الضحك أن معظم الأسئلة التي كانت تطرح من قبل عناصر الأمن لم تكن على مستوى المرحلة التي يريدها من أرسلهم لأنها كانت تقرأ بشكل خاطئ مثال ذلك ما رأيكم بالبطالة المقْنِعة من الإقناع بدلاً من المقَنَّعة من القناع, أثناء حديثهم عن وعد الرئيس بالقضاء على البطالة, كما أن هناك بعض الأسئلة التي توحي بأن مرحلة الرئيس الأبن ستكون أفضل من مرحلة الأب, وهذا ما لا يريده من أرسلهم لأن مرحلة الأب برأيهم هي الأخرى مقدسة ويجب عدم المساس بها.

في اجتماعات مؤتمرات القمة العربية كانت كلمات بشار تلقى امتعاضاً من قبل الملوك و الرؤساء العرب وهذا ما كان واضحاً من خلال البث التلفزيوني الذي كان ينقل هذه المؤتمرات عندما يبدأ بشار بالتنظير لزعماء يعتبرونه ولد بالنسبة لهم, كما أنهم يعرفون مواقف الاب التي كانت تتناقض مع حديث الابن عن القومية والوطنية والديمقراطية التي لم يكن يملك منها إلا الاسم, كما أن هذه المزاودات التي لا تنطلي عليهم والحال من بعضه و أنهم ملوا هذه الخطابات التي عفى عليها الزمن في وقت صار فيه اللعب على المكشوف وأن الدور المنوط به وبوالده من قبل لا يخفى على أحد مهما حاولت الخطب الرنانة والكلمات البراقة تلميع ذلك الدور, وأن الحديث عن المقاومة والممانعة والمقاطعة ما هو إلا تزيف لحقائق يعرفها القاصي و الداني ولا داعي للاندماج بالدور أكثر مما يجب لأن ذلك سيفقد المتحدث مصداقيته, لكن الخليج حاول أن يعيد سوريا إلى صفه كبلد له ثقله بشعبه لا بقيادته, شعبه الذي لا تخفى على أحد امكاناته وصدق انتمائه و نصاعة فكره, والذي من الممكن أن يلعب دوراً بتغليب الكفة لصالح الجانب العربي على الجانب الإيراني, إلا أن الابن جر البلد إلى معسكر إيران أكثر مما كان على زمن الأب الذي لم يقطع خيط الارتباط مع تلك الدول على ضعفه, لتصبح ايران حاكماً فعلياً للبلاد وأن وزير خارجية إيران ومستشاري الخامنئي لم ينقطعوا بزياراتهم المتكررة لإعطاء التوجيهات للرئيس الابن وصية الرئيس الاب.  أصبح النفوذ الايراني في عاصمة الأمويين واضحاً جداً ليتحقق الحلم الإيراني الذي كان يراودهم طيلة حكم حافظ الأسد إلا أن الأب لم يمنحهم الفرصة كاملة لضمان خط العودة مع الجانب العربي الذي يقدر أهميته, وهنا نذكر بعض الأمور التي تثبت محاولات الإيرانيين المتكررة مع الأسد الأب في إظهار النفوذ الإيراني من دهاليز السياسة غير المعلنة بين الأسد والإيرانيين إلى العلن ليتسنى لها اللعب على المكشوف فقد حاول ملالي طهران إقناع الأسد بتغير اسم أكبر وسام يقدم في سوريا وهو “وسام بني أمية ذو الوشاح الأكبر” إلا أن الأسد أقنعهم بأن الوقت لم يحن بعد, كما طلبوا منه تغيير اسم مجمع بني أمية إلى أي اسم آخر مع وعود إيرانية بإنعاشه ودفع الإيرانيين إلى التعامل معه إن تغير اسمه لكن ذلك لم يحصل حرصاً من الأسد عن عدم فتح باب لم يحن فتحه بعد خاصة و أن ذلك لا يقدم ولا يؤخر,  لكن على ما يبدو دخل الإيرانيون هذه المرة من ضعف الابن بمساعدة حزب الله لتحقيق ما عجزوا عنه لتصبح سوريا محافظة ايرانية. كما أصبح لبعض رجال الأعمال ممن فرزتهم المرحلة السابقة دوراً كبيراً في القرارات المتخذة وخاصة ما يخدمهم منها دون النظر لمصلحة البلد أو اقتصادها و أصبح دور بشار ضعيفاً في إدارة الآمور لأن رجال الحرس القديم حاولوا أن ينالوا نصيبهم من الكعكة معلنين له بأن أرجلهم كانت مع أرجل والده في الفلقة خلال أزمات عديدة, و أن رؤوسهم لم تكن بعيدة عن المقصلة عندما مرت سوريا بأزمة الثمانينات فلماذا ينفرد هو بالكعكة لوحده, لذا عقد المؤتمر الحزبي لتتغير فيه عدد من الوجوه وظهور وجوه جديدة بدعوى تطعيم القيادة بوجوه شبابية و من حملة الشهادات لتأتي هذه القيادات مفصلة على مقاس الرئيس, فخرج عدد من القيادات القديمة وكان خروج بعضهم هروب أو أشبه بالهروب بعد أن شعروا بالخطر على أنفسهم, وبالفعل تم تصفية بعضهم بالقتل و أشيع على أنه  انتحار كانتحار غازي كنعان بثلاث طلقات في الرأس, كما عزل البعض الأخر أو وضعوا تحت اقامة شبه جبرية, و ذلك لشعور النظام بأن بعضهم قادر على الانقلاب على الحكم بمساعدة دول أخرى, خاصة من ابناء الطائفة مثل غازي كنعان الذي كان قتله ضرب عصفورين بحجر أولهما التخلص من أحد أهم الشهود على مقتل رفيق الحريري, و الثاني التخلص من رجل له نفوذه في الطائفة وعلى عدد كبير من الضباط, و كالعماد علي أصلان الذي عزل بحجة مرضه.

امتدت يد حرامية النظام إلى كل شيء و زال عامل الخوف الذي كان سائداً خلال فترة الأب حيث أن الضعف بدا واضحاً في ادارة الأمور, و أن هناك أيدٍ خفية تدير الأمور, و أشيع أن والدة الرئيس هي من بين هذه الأيدي, فقد نقل من بعض المقربين أنها اسمعت بشار كلاماً قاسياً عندما خرج الجيش السوري من لبنان عام 2005 وقالت له أن والدك بذل جهداً كبيراً في الحفاظ عليها والتي كان يعتبرها أهم من محافظة تابعة لسوريا حيث أنها كانت ورقة ضغط لعبها الأب عالمياً وعربياً و حقق من خلالها الكثير من المصالح,  لتخرج منها في ليلة وضحاها و كأن شيئاً لم يكن, كان الأولى بك أن تحسب الحساب لمثل هذه الساعة ولتخطط للبقاء فيها كما أراد والدك.

خلال العشر سنوات الأولى التي تولي بشار الحكم فيها و التي سبقت الثورة, هناك حدثين مهمين وقعت لبشار كان لها أثر كبير في إخفاء نواياه الحقيقة اتجاه الشعب السوري, فأجبرته على المهادنة مع الشعب ليضمن وقوفه إلى جانبه. الحدث الأول حرب عام 2003 على العراق والتي أظهرت أن الخطر قريب منه, فإن استتب الأمر للتحالف في العراق فقد تكون سورية هي المحطة الثانية بعد العراق, وما لعبه والده مع التحالف في العلن في حرب 1991 لم يعد ممكناً الأن, ولكي يثبت أنه يستطيع أن يلعب دور المساند في هذه الحرب إن طلب منه ذلك راح يرسل بقوافل المتطوعين لضرب القوات الأمريكية المتواجدة في العراق بعد أن أخرج عدداً كبيراً ممن كان يحتجزهم في سجونه كمعارضة خطرة ليضرب أكثر من عصفور بحجر, منها أنه يرسل بهؤلاء إلى ساحات الموت وبالتالي التخلص منهم, وثانيها أنه يشاغل القوات الأمريكية بما يعرقل التفكير بالدخول المباشر إلى سورية بعد أن اقتنع الغرب أن بشار مهما كان متفانياً بخدمتهم إلا أنه ضعيف إلى درجة أن التغير القادم قد يكون خارج سيطرتهم مما يفشل مخطط إقامة الشرق الأوسط الجديد الذي تريده اسرائيل وامريكا, و ثالثها أن الوقت مناسب لإقناع الغرب و أمريكا بأنه قادر على وقف جحافل القادمين من سورية إلى العراق و إظهار حسن النوايا اتجاههم و مقدرته على خدمتهم. و قد كان عناصر الأمن في المنطقة هم من يدخل بعض المسلحين إلى الأراضي العراقية و يقومون بإدخال السلاح إلى هناك, لكن الأمور كانت واضحة و أن اللعبة مكشوفة مما دفع بقيادة العراق الجديدة والتي تربى معظمهم على موائد الأسد الأب باتهام بشار في العلن ولأكثر من مرة بأنه هو من يرسل بالمفخخات إلى العراق وأن التفجيرات التي تحدث في بغداد وباقي المحافظات العراقية هي من صنع النظام السوري وقدمت بحقه شكاوى إلى الأمم المتحدة, إلى أن توقفت الشكاوى بسبب التدخل الإيراني الذي يشرف على القيادتين السورية والعراقية وراح يقرب وجهات النظر ليصبحوا في خندق واحد خاصة بعد قيام الثورة السورية.

 

 

الحدث الثاني هو مقتل رئيس الوزراء اللبناني “رفيق الحريري” واتهام رأس النظام السوري مباشرة بمقتله بالتعاون مع أذرع النظام في لبنان مما دفع المجتمع الدولي و اللبنانيين الذين ضاقوا ذرعاً لما يقارب ثلاثين عاماً من الظلم  الطلب من الجيش السوري الخروج الفوري من لبنان بعد أن كانت النوايا البقاء بها لمدة أطول بكثير من ذلك, و لكن على ما يبدو لم يكن ضمن حسابات النظام عندما خطط لاغتيال الحريري (كما أثبتت كل التحقيقات) أن الثمن سيكون خروجه من لبنان, وبالتالي ستحدث تغيرات كبيرة لم تكن بالحسبان مثل دخول هذا الكم من العناصر والذين تعودوا على حياة مختلفة لما يعيشه العسكري السوري الذي يخدم في الداخل, كما أن هناك نوع من الضباط الذين كانوا يعدون رؤوس كبيرة في لبنان, وسيكون بتدبيرهم شيء من الصعوبة, فوجودهم خطر وإبعادهم عسر.

 هذان الحدثان أجبرت النظام على تهدئة اللعب ومحاولة استمالة المواطن السوري بشيء من الرشاوى, و التي تعد حقوقاً طبيعية للمواطن اغتصبها النظام منذ أكثر من ثلاثين عاماً مثل رفع رواتب الموظفين, وتحسين المعيشة, و محاولة توفير بعض متطلبات العيش و التي كانت تعد في يوم من الأيام كماليات بالنسبة للمواطن, و راح بشار يرسل بعض المسؤولين من المحافظة ومن العاصمة للاطلاع على مطالب الشعب ومناقشة احتياجاتهم, و أن الباب مفتوح لأي شكوى يتقدم بها أي مواطن, وطالب المحاكم بالإسراع بالبت بقضايا المواطنين النائمة على رفوف المحاكم والتي بلغ نوم بعضها أكثر من عشرين عاماً, كما فتحت شعب وفروع الحزب لاستقبال غير الحزبيين وأخذ مشورتهم بالإجراءات المتخذة لتحسين وضع المواطن, كما أظهرت القيادات الحزبية الأخذ بعين الاعتبار لآراء المواطنين غير الحزبين باختيار اصحاب المناصب الهامة كرؤساء البلديات ومدراء الدوائر والمدارس بعد أن كان الاقتراح يخص قيادات الشعب والترشيح يتم من قبل قيادة الفرع, بل و أكثر من ذلك فإن بعض هذه المناصب أعطيت لغير الحزبيين بعد أن كانت تعد مناصب سياسية ليس لغير الحزبي نصيباً فيها, و ذلك كنوع من إظهار حسن النوايا للشعب وأن النظام يسير باتجاه تحسين الأوضاع و الانفتاح على المواطنين بما يحقق ما كان يصبو إليه, و طلب من رؤساء الدوائر الحكومية بالتحدث في الاجتماعات الشعبية عن الإيجابيات وما يقدمه النظام لا ما ينقص الدائرة. لكن الناحية العملية لم يظهر عليها أي تغير. فالمعيشة بقيت حقيقة على حالها دون تحسين, و السيطرة الأمنية وسطوة رجال الأمن ظلت تلاحق المواطنين كظلهم, و الدليل على ذلك حادثة درعا و القمع الذي حصل فيها والذي وقع على أطفال لا يمكن محاسبتهم بهذا العنف مهما فعلوا, والتي كانت شرارة تأجج الثورة السورية بعد ايام من شرارة مظاهرة في وسط العاصمة دمشق. ولكن النظام الأمني القائم والذي بلغ عمره أكثر من أربعين عاماً كسدٍ تراكمي بوجه المواطنين ولا يمكن أن يكون فيه متنفس للمواطن لأن ذلك سيؤدي على انهيار هذا النظام في ظل ظلم من النظام عمره عدة عقود, و حقد من المواطنين نتيجة معاناة طويلة مع هذا النظام, ليثور البركان السوري وتبدأ معه ثورة الكرامة السورية.

 

 

لم تكن الثورة السورية لتستمر كل هذه المدة لولا حاضنتها الشعبية ووقوف الشعب خلفها, وهذا ما ميزها عن ثورة الإخوان في الثمانينات, ومحاولة اسقاط النظام في 2005 والتي كانت امريكا تقف وراءه بتنفيذ من غازي كنعان,  الاسم الذي حكم لبنان بالحديد والنار لمدة 20 عاماً, والذي اذاق اللبنانيين لوعات لا تقل ضراوة عما ذاق السوريين في سجون الأسد. كانت الحكومة الامريكية تخطط لإحداث انقلاب على نظام الأسد كعقوبة له على اغتيال الحريري ومواقفه اثناء حرب العراق. كان صيف 2005 موعداً اجتماعات سرية بين اللواء غازي كنعان ومسؤول أميركي رفيع المستوى في مصر آنذاك تحضيراً لانقلاب في سوريا بالاتّفاق مع العماد حكمت الشهابي قائد الجيش السابق، وعبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية السورية في ذلك الوقت. لكن رئيس جهاز المخابرات المصري اللواء عمر سليمان ارسل رسالة إلى المخابرات السورية إلى يد اللواء اصف شوكت شخصيا تخبره عن تلك الاجتماعات ونواياها. اخبر اصف شوكت بشار الاسد بالرسالة فصدر الأمر بتصفية كل من غازي كنعان وعبد الحليم خدام بطريقة لا تثير الشبهات.

تم تلفيق حادثة انتحار غازي كنعان, وبمساعدة من المخابرات الامريكية استطاع عبد الحليم خدام الخروج من سوريا بعد قرابة الشهر من انتحار غازي كنعان. الجيد في الأمر عدم نجاح الانقلاب في تلك الفترة, فكلاً من خدام وكنعان هم شركاء للأسد الاب تتلمذوا على يديه وليسوا بأفضل حالٍ من بشار. كما أن انقلاب تدبره امريكا هو لمصلحتها فقط وليس لمصلحة السوريين, فبشار الأسد الذي حاولوا اسقاطه قبل سنوات تلقى منهم كل هذا الدعم خلال الثورة السورية, فكيف سيكون الحال مع نظام جلبوه؟ ربما كان  الحال سيصبح كحكومة المالكي العراقية أو أن أيام خدام وكنعان لن تكون معدودة!.


حوض الفرات ما قبل حكم الأسد الأب | القسم الأول

تفرد حافظ الأسد بالسُلطة | القسم الثاني

حماة | القسم الثالث 

التنافس داخل العائلة الحاكمة وأثره على منطقة حوض الفرات. | القسم الرابع

أغيد الخضر

مُدون ومحرر سوري، من مواليد مدينة البوكمال في ريف ديرالزور، حاصل على شهادة الليسانس من كلية الآداب قسم اللغة العربية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.