“سرّ الرقة القذر”. هذا ما عنونت به شبكة “بي بي سي” تحقيقها الاستقصائي، الذي كشف عن صفقة سريّة سمحت لمئات من مسلحي تنظيم “داعش” بمغادرة الرقة برفقة عائلاتهم.

هروب مسلحي “داعش” قد يبدو عادياً إذا ما قورن بمعارك سابقة خاضها التنظيم وتسرّب بعدها مقاتلوه، لكن ما كشفته الشبكة البريطانيّة كان حصول الصفقة التي سهّلت هروبهم تحت إشراف التحالف الدولي والمقاتلين الأكراد الذين سيطروا على المدينة.

وفق ما جاء في التقرير، فقد خرج بعض أهم أعضاء التنظيم وعائلاتهم، إضافة إلى عشرات المقاتلين الأجانب، متوجهين إلى أنحاء مختلفة من سوريا بينما وصل عدد منهم إلى تركيا.

“نقلنا حوالي 4000 شخص”

يبدأ التحقيق مع شهادة أبو فوزي (اسم مستعار)، وهو سائق إحدى الشاحنات التي نقلت المقاتلين.

 في البداية، اعتقد أبو فوزي أن ما سيقوم به لن يكون سوى مجرّد مهمة عادية كسابقاتها. لكن هذه المرة اكتشف أن الشحنة التي يُفترض به نقلها هي “شحنة بشريّة”. كانت “قوات سوريا الديمقراطية” قد طلبت منه نقل مئات من العائلات من مدينة الطبقة إلى مخيم مجاور.

“قالوا لنا إن المهمة تبدأ في 12 أكتوبر، وتستغرق ست ساعات كحد أقصى. اكتشفنا لاحقا أنهم كذبوا علينا. الرحلة تستغرق 3 أيام من القيادة المضنية، ننقل خلالها مئات من مقاتلي داعش وعائلاتهم، كذلك أطناناً من الأسلحة وذخائر التنظيم”، يقول أبو فوزي.

هو واحد من العديد من سائقي الشاحنات الذين تلقوا وعوداً بقبض آلاف الدولارات لقاء هذه المهمة شرط إبقائها سريّة. لكن ما وصفها بـ”الرحلة إلى الجحيم” قد انتهت ولم يتلق أي فلس، ليشعر مع كثير من السائقين بالغضب الشديد، حسب التقرير.

يشرح أبو فوزي “لقد فخّخ عناصر داعش شاحناتنا”، لافتاً إلى أنهم “كانوا سيقومون بتفجيرها في حال الإخلال بالصفقة، كما أنّ النساء والأطفال ارتدوا أحزمة ناسفة”.

من جهة ثانية، كان المقاتلون يشتمون ويهددون السائقين طوال الطريق.

حسب ما نقله أبو فوزي وسائقون آخرون، كان المقاتلون يقولون “أخبرونا متى تبنون الرقة من جديد… سنعود إليكم”، مضيفاً “كانوا متحدين ولم يبدوا مهتمين بما حدث معه. لقد اتهمونا بطردهم من الرقة… وهددتني إحدى النساء برشاش تحمله”.

يكذّب أبو فوزي ما أعلنته قوات سوريا الديمقراطية عن هروب قلة من مقاتلي داعش من المدينة. يقول “نقلنا حوالي 4 آلاف شخص بما في ذلك النساء والأطفال، على متن مركباتنا ومركباتهم معاً، عندما دخلنا الرقة، كنا نظن أن هناك 200 شخص لنقلهم، ولكن في حافلتي وحدها، نقلت 112 شخصاً”.

تقول الشبكة في تقريرها، الذي أعده كلّ من كوينتين سيمورفيل وريام دالاتي، إن من تحدثوا في التقرير كانوا إما جزءاً من القافلة وإما رأوها وإما شاركوا في إعداد الصفقة.

وقد روى سائق آخر لـ”بي بي سي” أن طول القافلة وصل إلى 6 أو 7 كيلومترات، وتضمنت 50 شاحنة و13 حافلة، إضافة إلى أكثر من 100 مركبة لداعش. وأوضح أن هناك عدد كبير من المقاتلين الأجانب كانوا فيها، منهم الآتي من فرنسا وتركيا وأذربيجان وباكستان واليمن والسعودية والصين وتونس ومصر…

yy-700-untitled-12-mr_yurt7jpمقاتلون من داعش يتحضرون للمغادرة بحسب تحقيق البي بي سي

“التحالف” توعّد بـ”الإبادة” ثم شارك في الصفقة

من الجانب الرسمي، أكد معدّا التقرير أن التحالف الدولي، بقيادة أمريكا وبريطانيا، لم يكن يرغب بالاعتراف بدوره في الصفقة.

في كلام لوزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس يعود إلى مايو الماضي، قال إنّ الحرب ضد داعش هي حرب “إبادة”، مشيراً إلى أنّ الهدف هو قتل المقاتلين الأجانب من أجل منعهم من العودة إلى شمال إفريقيا وأوروبا وأمريكا وآسيا وإفريقيا.

ولكن ما كشفته “بي بي سي”، أوصل إلى اعتراف التحالف الآن بالدور الذي لعبه في الصفقة، إذ تم السماح لـ250 عنصراً من داعش بالخروج من الرقة مع 3500 فرداً من عائلاتهم.

يقول الناطق باسم “التحالف” ريان ديلون “لم نكن نريد أن يغادر أحد”، موضحاً “لكن هذا يكمن في قلب استراتيجيتنا… السوريون هم الذين يقاتلون ويموتون، هم يتخذون القرارات المتعلقة بالعمليات”، على حد تعبيره.

كان أحد الضباط الغربيين حاضراً في المفاوضات، إلاّ أنهم لم يأخذوا “دوراً نشطاً” فيها، حسب ديلون الذي أكد أنه بقي 4 مقاتلين أجانب بقبضة “قوات سوريا الديمقراطية”.

 

مصير أبو مصعب حذيفة

من جهة أخرى، يظهر في التقرير من عرّف عن نفسه برئيس الاستخبارات في داعش أبو مصعب حذيفة.

هو كان من ضمن القافلة التي نقلت عناصر التنظيم في 12 أكتوبر، لكنه اليوم في السجن على الحدود السورية التركية.

يقول حذيفة إن “الغارات الجوية شكلت ضغطاً في المفاوضات، إذ قتلت نحو 500 أو 600 مقاتل وعائلاتهم”، لافتاً إلى أن “10 ساعات من القصف كانت كفيلة ببدء المفاوضات من جديد… من رفضوا في البداية الهدنة، عدلوا عن رأيهم. هكذا غادرنا الرقة”.

“اختفت القافلة في الصحراء… ولم يختف الخوف”

أثناء مرور القافلة كان الناس في القرى المجاورة يختبئون خوفاً على حياتهم. هكذا يخبر مهند الذي كان ممن شاهدوا القافلة تمر.

يقول “بعد ذلك رأيت القافلة تغادر الطريق الرئيسي باتجاه الصحراء”، ومع اختفاء القافلة في الصحراء لم يشعر مهند بأن الخوف الذي عاشه في السنوات الأربع الماضية قد غادره. لقد كان المقاتلون يهددونهم أثناء مرور القافلة.

من رأوا القافلة تمرّ سمعوا كذلك صوت طائرات التحالف، والطائرات من دون طيار، تحلق لمواكبة الشاحنات التي تنقل المقاتلين. وكان بعضها يرمي قنابل مضيئة لإنارة الطريق أمام القافلة.

لاحقاً، اعترف التحالف بأنه تابع القافلة من الجو بينما لم يكن لديه عناصر على الأرض خلال إتمام الصفقة.

هكذا، بحسب “بي بي سي”، قد تمّ شراء حرية الرقة بالدم والتضحيات والصفقات.

لقد أنقذت الصفقة مدنيين محاصرين وحرّرت المدينة كما أنقذت أرواح العديد من المقاتلين من “قوات سوريا الديمقراطية”، لكنها ساعدت في انتشار الآلاف من مقاتلي داعش في أنحاء سوريا وخارجها.

رصيف 22

نحن مجموعة من الناشطين الحقوقيين وبعد ملاحظتنا لقلة الجهات التي توثق الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين في سوريا، قررنا إنشاء هذه المنظمة و التي تختص بتوثيق الانتهاكات من قبل جميع الجهات للعمل على محاسبتهم من قبل المجتمع الدولي.
المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.