التنافس داخل العائلة الحاكمة وأثره على منطقة حوض الفرات. | القسم الرابع

 أغيد الخضر – خاص صوت وصوة 


هذه الورقة البحثيّة هي الرابعة من سلسلة مواد رأي سيتم نشرها بشكلٍ أسبوعي تتحدث عن “واقع منطقة حوض الفرات” في العصر الحديث منذ مرحلة الاستقلال حتى يومنا هذا وتعاقب أنظمة الحكم على المنطقة.


جاءت أزمة الصراع بين أقطاب النظام متمثلة برفعت شقيق الرئيس, والباسل ابن الرئيس ومعه أخواله ومعهم وزارة الدفاع والوحدات الخاصة، فوقف الرئيس إلى جانب ابنه و وريثه الشرعي بنظره,  لينتهي الأمر بالاستعانة بالاتحاد السوفييتي لإخراج رفعت من البلاد بعد أن سحب ملياراته في سوريا, ويتفرغ نظام حافظ للشعب من جديد.

أتت تفجيرات أوربا وخاصة بريطانية و اتهام النظام السوري بها ويُفرض الحصار الأوربي على سورياً مكملاً لأزمة المواطن السوري, فكان حصاراً على الشعب دون تأثر النظام به متمثلاً بنقص في الدواء والغذاء, وعدم مقدرة النظام تعويض الدواء والذي تسبب نقصه بمشاكل صحية كبيرة, خاصة و أن النظام في تلك الفترة قد عادى جميع الدول العربية من خلال الوقوف إلى جانب إيران في حربه على العراق ودعمه للفرس, فأغلقت الأبواب بوجهه, فسلك كعادته طريق المماحكة والتنازلات مع الدول الأوربية في محاولة للخروج من الأزمة وكان لإسرائيل دور كبير بتبيض صفحته السوداء مع الدول الأوربية.

 

بعد المصالحة مع الدول الأوربية وقع الاختيار على سوريا ليقام فيها دورة ألعاب دول حوض المتوسط وكان هدف النظام تقديم ولي العهد الفارس الذهبي الباسل للعالم والتعريف به حيث يخطط الأسد الأب منذ سنوات لتنصيبه رئيساً من بعده, لكن الميدالية الذهبية التي نالها الباسل كلفت سوريا والسوريين أكثر من 12 مليار دولار كانت تعد الدخل القومي لسوريا لأكثر من ثلاث سنوات في ذلك الوقت, لأن الأسد لم يكن يُدخل النفط ضمن الناتج القومي.  خسر النظام تلك الأموال على ما أسماه منشآت رياضية, كان النظام يأمل أن يربح أضعافها من خلال قدوم أعداد كبيرة لحضور الفعاليات, و لكن لأن المنشآت كانت فقط في منطقة الساحل فقد عمد القادمون من الدول الأوربية إلى حضور الفعاليات والعودة إلى البواخر التي كانت راسية على الساحل فلم يجني النظام إلا الخيبة والخسران بعد أن خلت الفنادق والمطاعم من النزلاء, ما زاد من المديونية والعجز في الميزانية في الخزينة السورية مع ما تبين بعد مقتل الباسل -قيل أنه بحادث سير- بتحول أكثر من أربعين مليار دولار – الرقم المعلن – بحساب الباسل والتي خسر النظام أكثر من نصفها بسبب القوانين الأوربية في حالة وفاة المودع .

 

مع كل ما ذكر أصبح الاقتصاد السوري في الحضيض, وأصبحت الليرة السورية في سباق مع العملات الهابطة لتأخذ دورها في الصف الأخير. انعكس هذا الأمر على المواطن السوري ليُلقى به بين براثن الفقر وينعكس ذلك عليه جوعاً ومرضاً, والمواطن الذي كان مكتفٍ بأعماله الخاصة, من صناعية وتجارية وزراعية, ليتوجه إلى الوظائف الحكومية التي كانت قليلة في سورية بشكل عام ونادرة في المناطق الشرقية, ولإيضاح ذلك سأسوق الأمثلة التالية :

1- في المناطق الشرقية اكتُشف النفط الذي كان متوقعاً أن يجلب معه الخير للمنطقة ولكن ذلك لم يحدث بل على العكس فقد رفع من نسبة الإصابة بالأمراض وخاصة السرطانية منها ويشهد بذلك سجل مشفى الطب النووي الذي يضم بين جنباته أسماءً أكثر من نصفها من المنطقة الشرقية وأقل من النصف من باقي المناطق السورية، مما دفع بالشركات الأجنبية المستثمرة لذر الرماد في العيون ببناء مشفى متواضع في المنطقة, و لكن الهدف منه معالجة العاملين في هذه الشركات بعد أن لوحظ تدني مشافي المنطقة وخدماتها, وقيل أن الشركات قدمت هبات للمنطقة كتعويض عن الضرر كان مصيره جيوب النظام التي لا تقبل أن تمتلئ .

2- يتقدم عدد كبير من المهندسين والفنيين والعمال من أبناء المنطقة لكن الرفض لمعظم المتقدمين هو النتيجة المتوقعة لطلباتهم, والدليل على ذلك أن نسبة العاملين في المشاريع النفطية من خارج المنطقة وخاصة من الساحل تشكل أكثر من ثمانين بالمئة, علماً أن العامل القادم من خارج المنطقة يكلف الدولة مبالغ تزيد عن ابن المنطقة كما أن العمل الذي يقدمه ابن المنطقة أفضل ممن يأتي من خارج المنطقة بسبب الاستقرار لأصحاب المنطقة وقرب مكان العمل منه مما يحسن من إنتاجيته. في زيارة لأحد وزراء النفط إلى المنطقة قالوا له أن أهل المنطقة أولى بالوظائف من غيرهم فغضب السيد الوزير المحترم وتقدم بخطبة عصماء بأن الوطن واحد والشعب واحد ولا فرق بين ابن الساحل و ابن الداخل ومن يطرح مثل هذا الطرح يهدف إلى إثارة البلبلة, وقد همس أحدهم لماذا يقتصر الميناء على أبناء الساحل و لا يقبل غيرهم ما دام الوطن واحد والشعب واحد.

3- وبذكر الوطن الواحد, يدفعنا ذلك للحديث عن التعليم, إن القبول في سلك التعليم من خارج المنطقة وخاصة الساحلية ( مراجعة سجلات وزارة التربية ومديرية تربية دير الزور يؤكد ذلك بما لا يقبل الشك ) حيث يقبل جميع المتقدمين من الساحل إلى سلك التعليم في محافظات ديرالزور والرقة والحسكة ويرفض معظم المتقدمين من أهل المنطقة وخاصة المدرسين ( لأن الدولة مجبرة بقبول معلمي الصف وعددهم قليل من أهل المنطقة لوجود معهد وحيد للمنطقة ) وهذا بحد ذاته كان كارثة تعليمية للمنطقة وأبنائها وذلك بسبب:

  • صعوبة اللهجة التي يتحدث بها المعلم الساحلي على الطفل المتلقي مما يفوت على الطلاب فرصة التعليم السهل اليسير وقد سمعنا من عدد من المعلمين بعد أن طلب منهم التحدث باللغة الفصحى المبسطة فكان الرد اللي يتعلم يتعلم واللي ما يتعلم لجهنم بل يتمادى بعضهم بأن الطلاب بهائم لا يفهمون وعندما اعترض أحد المعلمين هُدِدَ بالسجن وتحويل الأمر إلى سياسي واعتبار ذلك اعتراض على سياسة النظام التعليمية, خاصة و أن المعلم الساحلي اتهم المعلم بأنه قال أن أهل الساحل هم الأغبياء و يعد ذلك جريمة لأن المنطقة التي أنجبت القائد الملهم لا يمكن أن يكون أهلها أغبياء لولا أن الحضور شهد بعدم حصول ذلك.
  • كثرة الغيابات للمعلمين من خارج المنطقة إما بسبب السفر أو بسبب الإجازات العادية أو المرضية المدعومة من الجهات الأمنية حيث أن المعلمين والمعلمات تربطهم علاقات قرابة أو معرفة برجال المخابرات كون السلك الأمني يعج بأبناء الساحل ( وعذراً للساحل و أبنائه فإن النظام كان يتعمد الشحن الطائفي ليربط مصير الطائفة ببقائه ولتجد نفسها مجبرة على دعم النظام وهذا ما بدا واضحاً بعد الثورة).
  • معظم المعينين من المعلمين هم مرتبطين بالنظام ومن الشبيحة فكانت مهمتهم الأمنية في المدرسة أهم من المهمة التعليمية مما أساء للتعليم و أضعف التحصيل العلمي الذي لم يكن تنقصه العراقيل والعقبات.
  • بعد مرور سنتين على تعين المعلم من خارج المنطقة في المنطقة الشرقية يتقدم بطلب نقله إلى المنطقة الأصلية له, وبالدعم الذي لا ينقصه و الواسطة التي يمتلكها ينقل بعد أن حسب تعينه على المنطقة حتى أن وزير التربية قال للمسؤولين من المنطقة أن نسبة التعين في المنطقة تجاوزت 150%, فلما قالوا له أن العجز أكثر من خمسين بالمئة بسبب نقلهم إلى مناطقهم أجابهم بأن الذنب ليس ذنبي وأنهم يجب أن يعودوا إلى مناطقهم بعد انتهاء المدة حسب القانون علماً أن التعين كان لصالح المنطقة و يؤخذ تعهد من المتقدم بعدم طلب النقل, لكن الواسطة تصعد فوق القانون لتعيده إلى بلده الأصلي, وحين وضع الشرط بأن أبناء المنطقة أولى بالتعين نقل نفوس المتقدمين من أهل الساحل إلى المنطقة الشرقية ليعينوا, ثم عاودوا نقل نفوسهم إلى مناطقهم و لكن هذه المرة بعد خمس سنوات حسب القانون, ما يذكر الأن موثق بدوائر النفوس والسجل المدني, حتى أن عدد كبير منهم استصدر سندات إقامة في الريف لآن الشرط ينص على أولوية أهل الريف بالتعيين في حين عجز أبناء المنطقة من سكان المدن من استصدار مثل هذه السندات.
  • الكتب المدرسية التي كان يستخدمها الطلاب في المنطقة معظمها قديمة من الكتب المسترجعة من الطلاب, والكتب الجديدة أكثرها من الكتب المعادة للوزارة من المحافظات الأخرى بسبب سوء الطباعة و سوء التجميع أو نقص في الصفحات ويشهد على ذلك أي معلم من المنطقة لأن ذلك يتكرر عند معظم الطلاب. وفي حال محاولة التعديل في المنهاج, كان نصيب المنطقة من هذا المنهاج التأخير لسنتين أو ثلاث بحجة اختبار المنهاج في محافظات أخرى تعد متقدمة بالنسبة للمحافظات الشرقية قبل تعميمه. كأن المنطقة غير قادرة على المساعدة بكشف سلبيات وإيجابيات المنهاج, علماً أن عدد من الهفوات والسلبيات اكتشفت في المنهاج من قبل معلمين ذوي خبرة ومقدرة تعليمية في المنطقة حتى بعد اختباره في مناطق أخرى.
  • إن التقييم الذي يرفع من شأن المعلم في المدارس الابتدائية ليس له دخل بمقدرة المعلم أو معرفته أو اسلوبه, و لا بعدد الطلاب الناجحين في صفه, إنما تقيم المعلم يأتي من خلال دروس طلائع البعث, و عدد معسكرات الطلائع التي خدمها وتدرج هذه المعسكرات, وعلى هذا الأساس يتم اختيار المعلم لشغل منصب مدير أو معاون مدير فلا يكفي أن يكون بعثي و إن كانت هذه الصفة لازمة لكنها غير كافية.

4-      تكاد المنطقة تحرم من قبول أبنائها في السلك العسكري وخاصة الضباط فالحقد الذي يحمله النظام على المنطقة وأبنائها واتهامهم بمحاولة الاغتيال التي وقعت على رأس النظام  في الطبقة اثناء محاولته افتتاح سد الفرات الذي لم يكن له يد بإنشائه أو بنائه جعل النظام يعتبر المنطقة عدوه الأول. وقد سرَحَ عدداً كبيراً منهم أثناء أحداث مدرسة المدفعية ممن ثبت أن لا دخل لهم بذلك (لأن من اتهم بالحادثة كان مصيره الإعدام ممن تم القبض عليه والملاحقة لمن هرب أما المشتبه بهم فكان مصيرهم السجن المؤبد) وكأن النظام وجد ضالته بتسريح من يشك بولائه المطلق للنظام.

5-      مكتب البعثات الخارجية كان باستلام رفعت الأسد حيث أن الطلبة الممنوحين منح دراسية وبعثات للجامعات يشكل أبناء الساحل وخاصة الطائفة نسبة تزيد عن ثمانين بالمئة وتكاد تحرم المنطقة الشرقية من هذه المنح سواءً بعد البكلوريا أو الدراسات العليا لنيل شهادة الماجستير أو الدكتوراه, و لا أقصد بذلك طرحاً طائفياً لكنه واقعاً ملموساً تشهد به الأرقام الموجودة في سجلات الرابطة نفسها – وحتى المنح الداخلية تشهد بذلك – بل الأكثر من ذلك كانت جامعة تشرين تمنح طلابها علامات عالية لأناس معينين فيصبحوا من أصحاب المعدلات العالية فإذا صار وقت البعثات و التوظيف في دوائر الحكومة نال أولئك الحظ الأوفر منها و حرم الأخرون في حين أن باقي الجامعات مشهورة بالعلامات القليلة و المعدلات المنخفضة – حتى اصبحت جامعة حلب تُسمى مقبرة الطلاب – مما يحرم معظم الخريجين فيها من المنح و البعثات, لنجد وبعد عدة سنوات أن معظم المدرسين ورؤساء الأقسام في الجامعات هم من الطائفة ومن المحسوبين على الأسرة الحاكمة.

6-      أي مشروع في المنطقة مهما كان بسيطاً سواءً كان مدرسة أو مشفى أو مبنى حكومي أو معمل صغير أو جسراً كان يستغرق سنوات طوال ليتم افتتاحه في كل مناسبة وطنية أو قومية أو حزبية من قبل عدة وزراء ومحافظين وأمناء فروع, فإذا أنجز كان على أسوء ما يكون لآن المنفذ هي مؤسسات الدولة ذات المدراء السيئين الذين يمثلون المرحلة تماماً. في إحدى الاجتماعات الشعبية مع المحافظ للاعتراض على التقصير بتنفيذ المشاريع الخاصة بالكهرباء و المياه فكان اجابة ذوي الشأن بأنهم عندما لاحظوا تقصير المؤسسة ” أ ” في المشروع الفلاني أعطوه للمؤسسة ” ب ” حسب القانون و أخذوا المشروع العلاني من المؤسسة ” ب ” المقصرة وسلموه للمؤسسة ” أ ” ( وبطتنا بطت بطتكم)  . أما بالنسبة لمشاريع الطرق فكان لشخصية متنفذة من أقرباء الرئيس ولا أحد يستطيع رفض المشروع مهما كان سيء, أما الطرق الرئيسية فكانت تنفذ من قبل مؤسسة رودكو سيئة الذكر والعمل لدرجة أن أصحاب السيارات كانوا يكثرون من السباب بينهم وبين أنفسهم طبعاً على الطريق ومن قام بإنشائه لصعوبة سلوكه وعدد احفر فيه بعد أيام من إنشائه أو اصلاحه.

7-      الاقتصاد يقتصر على المتنفذين من رجالات النظام حيث يقتسمون الاستيراد والتصدير فكل منهم له تخصصه طبعاً بمباركة اليد العليا المتمثلة بشخصية مقربة جداً من الرئيس الأب ثم يضاف إليها فيما بعد شخصيات مقربة من الرئيس الابن وكأن سورية ملكاً للعائلة يبيعون ويشترون بمقدراتها وشعبها حسب هواهم وما تقتضي مصلحتهم, وبل وكانت القوانين الاقتصادية تفصل تفصيلاً بما يخدم مصالح أولئك الرجالات ضاربين بعرض الحائط مصلحة البلد واقتصاده.

8-      ما قام به النظام من رفع الدعم عن القطاع الزراعي أدى إلى كارثة في المنطقة بحجة أن الحكومة تخسر بهذا الدعم وأنها تقدم قرابة مئة مليار ليرة كدعم للزراعة لتحصل على خمسين مليار من شرائها للقطن والقمح مما دفعه إلى رفع الدعم بحجة ترك الحرية للمزارع بإدارة الأمور متناسياً أو غباءً منه بأن الزراعة لا تقتصر على القطن والقمح فهي تؤمن الخضار للمواطن بأسعار معقولة والعلف للحيوانات بدل أن تستوردها الحكومة بالقطع الاجنبي كما أنها عمل لمئات الألاف من المواطنين الذين وفروا على الحكومة البحث عن إيجاد فرص عمل لترتفع بذلك البطالة إلى الحد الغير مقبول ولتبدأ هجرة الشباب إلى الدول المجاورة التي كانت, ولترتفع أسعار المنتجات الزراعية على المواطن بعد رفع الحكومة للوقود والبذار والسماد, مما أثر ذلك سلباً على الزراعة و الأراضي الزراعية التي وضع النظام المليارات تحت مسمى استصلاح الأراضي الفاشل الذي سرقت معظم أمواله ودفع الفلاح ما لا يطيق عن كل دونم يملكه لينتهي به الأمر إلى التوقف عن الزراعة التي “ما عادت تأتي بهمها” كما يقول الفلاح مع ارتفاع اسعار كل مستلزمات الزراعة والنظام يفرج على ما يجري وكأنه يخطط لذلك.

 

تأثرت المدن السورية عامةً من تبعات حكم آل الأسد, لكن الضرر الأكبر كان من نصيب الشرق السوري بشكلٍ مركز وذو تبعات على المدى الطويل, ولتكون مُدن حوض الفرات متأخرة عن خط سير باقي المحافظات مهما بذل أبناؤها من جهدٍ فسوف تقف سياسة نظام الأسد الاب والأبن بوجه أي محاولة للنهوض بواقع المنطقة بكافة الأصعدة.


حوض الفرات ما قبل حكم الأسد الأب | القسم الأول

تفرد حافظ الأسد بالسُلطة | القسم الثاني

حماة | القسم الثالث 

أغيد الخضر

مُدون ومحرر سوري، من مواليد مدينة البوكمال في ريف ديرالزور، حاصل على شهادة الليسانس من كلية الآداب قسم اللغة العربية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.