تخصيب التطرف في مفاعلات الديمقراطية

أغيد الخضر – خاص صوت وصورة 


غاب مفهوم التطرف -بشكله الحالي- عن منطقة الشرق الأوسط  حتى مطلع القرن الواحد والعشرون, مع بداية الغزو الأميركي للعراق عام 2003 لنشر الديمقراطية فيه. إذ تُعد هذه الفترة بداية دخول التطرف إلى المنطقة ونشوء جماعات عسكرية متطرفة اتخذت من العراق  نقطة تجمع لها. لم يكن اختيار هذه الجماعات للعراق عبثياً, بل لوجود حالة من الفوضى والمسببات التي جذبت عدد كبير من الشبان على اختلاف خلفياتهم الثقافية والدينية. عشرات الحافلات بشكل شبه يومي كانت تعبر باتجاه الأراضي العراقية على مدى عدة اشهر تحمل داخلها شبان غايتهم الذهاب إلى “الجهاد” في العراق, الأمر الذي رآه الكثيرون وأنا منهم كوني انحدر من مدينة سورية حدودية مع العراق حتى بلغ عددهم قرابة 25 ألفاً عاد القسم الأكبر منهم إلى بلدانهم بفترات متفاوتة بعد سيطرة القوات الأمريكية بشكل كامل على العراق.  

 

لا يمكن الجزم بخلفية التطرف عند اللذين ذهبوا للقتال في العراق, لكنني كنت على معرفة بشبان من شرق سوريا ذهبوا للقتال في العراق, منهم من عاد ومنهم من بقي هناك. كان من بينهم شابٌ بعيدٌ كل البعد عن الدين وليس التطرف فقط. كان مجاهرٌ بشرب الكحوليات يرتدي طوقاً من الذهب ويبيع الأشرطة الإباحية, مخالفٌ لجميع القواعد العامة والخاصة التي يبُنى عليها التطرف الديني, إلا أن تغيير حالته لم يحتج أكثر من اسبوع.

شابٌ آخر كان يعمل محاميٍ, ومن عُشاق الفن العراقي, لديه مكتبة من الكاسيتات تجاوز عددها الخمسمئة والتي كان يعتبرها ثروته, لم يُشاهد من قبل أداؤه لأي فرضٍ ديني, لزمه عدة ساعات بعد سماعه خبر سقوط بغداد لحسم قراره وإحراق جميع الكاسيتات والتوجه للعراق.

تطول الأمثلة عن حالات مطابقة للشابين اللذين تم ذكرهما, ولا ينفى هذا الأمر وجود أشخاص ذهبوا بخلفية متطرفة غُذيت فكرياً على مدار عدة سنوات, لكن ما يهم في الأمر أن الكثير منهم ذهبَ إلى التطرف بدوافع مختلفة كان اساسها تطبيق القانون الفيزيائي “رد الفعل” وهو مبدأ يطبق في جوانب كثيرة من الحياة, فلكل  فعل ردة فعل مساويه له في المقدار ويعاكسه في الاتجاه. فرد الفعل هنا هو التطرف لكن حسب القانون لابد من وجود “فِعل” مُسبب. الفعل المسبب مع عدد كبير منهم كان مشاهدة القصف الجوي الأميركي على المدن العراقية إما بشكل مباشر من اسطح المنازل في المدن الحدودية أو خلف شاشات التلفاز, مسبباً سقوط ضحايا في صفوف المدنيين. كان هذا الأمر كفيلاً بتحرك الألاف محاولين التصدي لهذا الأمر, لكن بما أن الفعل الأساسي كان متطرفاً كان لابد من نشوء رد فعل متطرف يعاكسه في الاتجاه حتى ولو كان الفعل الأساسي تحت غطاء مسمى الديمقراطية, إلا أن المسميات على أرض الواقع ليست ذات أهمية وتقاس الأمور بأثرها وسلوكيتها.

 

سوريا

كان التطرف غائباً تماماً عن الثورة السورية حتى بداية عام 2012, عندما أعلن تنظيم القاعدة إنشاء جبهة النصرة كفرعٍ لهم في بلاد الشام, لتكون بداية ظهور عدة جماعات متطرفة على أساس ديني ليصل الأمر إلى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” الذي يتربع على عرش التطرف الديني حتى الآن.

ارتكز هذا الظهور على عنصريين  بشريين مهمين, الأول هم المجموعات السورية المقاتلة في العراق بوقت سابق واللذين عادوا إلى سوريا وأقاموا في بيوتهم أو في سجون النظام, أما العنصر الآخر -وهم الغالبية- فهم من أمثال الشابين اللذين ذهبوا إلى العراق دون أي خلفية متطرفة. فاتخذ النوع الأول الدور القيادي على النوع الثاني مستخدمهم كمخزون بشري له. المجموعة الأولى لا يمكن تصنيفهم على اساس رد الفعل, لكن المجموعة الثانية تُدرج تحت هذا القانون, فعلى مدى سنتين من الثورة السورية كان نظام الأسد يستخدم آلته العسكرية لمواجهة الثورة السلمية دون أي تحرك دولي رادع يحد من نشوء التطرف, فكان الحل بنظر هؤلاء هو مساواة القاتل بجرمه “الفعل ورد الفعل” ووجدوا في التنظيمات المتطرفة غايتهم, فبغياب المحاكمة الدولي عن جرائم الأسد, سيكون من الصعب إقناعك لوالد طفل بأن ما يفعله يُسمى تطرف أما فِعل بشار يُسمى “مكافحة الإرهاب”.

 

عاود مصطلح الديمقراطية بالظهور مع عامنا الحالي 2017 على يد قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة والتي يُطلق عليها اسم مليشيا قسد. إذ حاولت هذه القوات نشر الديمقراطية ومكافحة الإرهاب على الطريقة الأميركية المتبعة في العراق, فدمرت 80% من مدينة الرقة وقتلت أكثر من 2000 مدني وسببت بإعاقة دائمة لأكثر من 7000 مدني, لتنتقل بعدها إلى مدينة ديرالزور مستمرة بنفس الوتيرة وتكون سبباً بتهجير قرابة 250 ألف مدني من المدينة. كما أن هذه القوات قد عملت على زج المدنيين في مخيمات وسط ظروف معيشية معدومة ومعاملة سيئة لهم, وليكون أخر قرارتهم فرض التجنيد الإجباري على المدنيين مؤججةً الوضع النفسي لهؤلاء المدنيين أكثر مما هو عليه.

ولا يختلف الحال مع روسيا والنظام اللذان تسببا بمقتل اكثر من 1500 مدني بديرالزور في الفترة الماضية فقط لتضاف إلى سجل الإجرام الذي يخطه بشار الأسد بمساعدة بوتين.

تسببت العمليات العسكرية الأخيرة في محافظتي الرقة وديرالزور بتهجير أكثر من نصف مليون مدني, يحمل كل منهم في ذاكرته منظر جثث في الشوارع وبيوتٍ مهدمة وغرضٌ يُذكرهم بفقيد لهم اثناء الحملة العسكرية, ليسوا متطرفين أبداً ولازالوا يحاولون الحفاظ على إنسانيتهم, لكن استمرار الفعل المتطرف اتجاههم حتى وإن كان تحت ذريعة الديمقراطية, يُنذر بردة فعلٍ متطرفة معاكسة في الاتجاه ومتوازية مع ردات الفعل السابقة.

أغيد الخضر

مُدون ومحرر سوري، من مواليد مدينة البوكمال في ريف ديرالزور، حاصل على شهادة الليسانس من كلية الآداب قسم اللغة العربية.

اترك رد