عروة المهاوش 

 

في الطريق إلى المقبرة ذهاباً من مدينة أورفا نحو اقجه قلعة الحدودية مكان الدفن، كانت ضحكته تلازمني، وأسمع صوت تكسير “سكر الشوايا” بين أسنانه مستبعداً صوت حشرجته حين كانت السكين تحز رقبته إشعاراً بالذبح.
ربما كان فارق السن الكبير بيني، وبين أغلب ناشطي الثورة حاجزاً وسبباً رئيسياً في البقاء على مسافة كبيرة من التقدير والاحترام من قبل أغلبهم إن لم أقل كلهم. أجمل وصف حصلت عليه منهم حين ينادونني: يا خال، فتطرب أذني لسماعها منهم.
في مدينة أورفا التركية ونتيجة اللجوء حاولت كسر هذا الحاجز، والاقتراب أكثر منهم، بروحٍ مغلفة بابتسامة وضحكة، وروح الدعابة وليتني أبقيت على حاجزي، وبقي هؤلاء الثوار بعيدين عني وعن قلبي الموهن بالحب.
قال لي سراً: خال أخجل أن أعطيك التعليمات الخاصة بالعمل فأنت كبيرنا هنا وكلنا أولادك، لك حرية الدوام بالوقت الذي تشاء، ولك حرية اختيار مكتبك في المكان الذي تشعر فيه بالراحة، وقال علناً أمام كل الموظفين: الخال هنا رئيسكم جميعاً وما يقرره يسري على الجميع دون تمييز، هذه الثقة، وهذا التكريم جعلني أكون أول القادمين إلى العمل وآخر المغادرين، وحين يكون هناك أمر طارئ كنت أستأذن منه فيكون الرد أستغفر الله يا خال فنحن من نطلب منك الإذن وليس أنت.
في اليوم الثالث لعملي في مؤسسة “عين على الوطن” أحضرت في الصباح ضيافة مني للعاملين في المكتب فيها روح من مدينتا الشرقية الملامح، ليست بتلك الضيافة الفاخرة، لكنها ببساطتها أعادت لهم الضحكة والدمعة معاً، لم تكن ضيافتي تلك سوى ما نسميه نحن في مدينتنا الشرقية “سكر شوايا” بألوانه الزاهية وطعمه المميز والمحبب لدى غالبيتنا، هو ما يذكرني بطفولتي البعيدة وطفولتهم التي ما زالت، كنت مصراً حينها على أن يمسك كل واحد منهم بقطعة منها، وأن ألتقط له صورة للذكرى، وكان إبراهيم أكثر إصراراً على أن أعطي لكل شخص قطعة واحدة فقط، وأن أعطيه باقي الكيس كاملاً له لشده حبه لهذا النوع من السكاكر، وكان له ما أراد.
اخترت مكانا لطاولتي قريباً منهم في الغرفة ذاتها، فعلى يساري تماما “فارس” وإلى جانبه “إبراهيم” بينما مروان كان مكتبه على يميني، لكني أيضاً طلبت أن توضع طاولة ثانية في بلكون الغرفة الفسيح نوعاً ما، والذي كان مهملاً في السابق لكثرة الأعمال في المكتب، وانشغال الجميع بالعمل دون الانتباه إلى أبسط الأشياء التي تجعل من العمل فيه بعض من الترويح عن النفس ولو قليلاً، كان السبب أيضاً في طلبي هذا له علاقة بوضعي الصحي فأنا أشعر بضيق في التنفس من رائحة الأركيلة والمعسل بشكل خاص، حيث تنتابني نوبة من السعال لا تتوقف، ولحرصي الشديد على ما يحبون لم أذكر أمام أحد منهم علتي هذه بل قلت لهم: الأركيلة تحتاج إلى مكان فسيح ونفث الدخان عالياً.
في بعض الأيام كنا نقضي معظم يومنا ونحن نعمل بمكاننا الجديد، وكان اقتراحي هذا دافعاً جيداً للمزيد من العمل دون الانتباه إلى وقت الانصراف أو ماهية الواجبات المترتبة على كل موظف في المكتب، تلك العلاقة الأسرية كانت هي السائدة بين كل العاملين في المكتب بطريقة تجعل الجميع يقدم كل طاقته في العمل، لم يكن هناك رئيس ومرؤوس، بل كنا فريقاً واحداً نكمل مهام البعض.
القاتل بيننا…
في المكتب أيضاً جلست مع قاتل متخفٍ بصفة صديق تناولنا أطراف الحديث كثيراً، فقد كان يزور المكتب بشكل يومي ويجلس ساعات مع الشباب ثم يقفلون عائدين إلى بيوتهم المتجاورة بعد انتهاء العمل، بينما أشد رحالي مسرعاً نحو بيتي في الجهة الأخرى من المدينة.
مزيداً من الألفة في ذاك الوقت كانت بزيارة غير مرتقبة من الأصدقاء عبد اللطيف العلي، والصديق الحميم جداً والمقرب كثيراً محمود قيطاز قادمين من هولندا لرؤية أهلهم وأحبتهم في تركيا، صدفة لوداع غير مرتقب أيضاً.
ست وعشرون طعنة
توجهت كعادتي للعمل صباحاً، في العادة أجد المكتب قد فتح أبوابه على الأقل، والمشروبات الساخنة شبه جاهزة أو جاهزة تماماً، لكني فوجئت بأن المكتب ما زال مغلقاً ولا يوجد فيه أحد، أجريت اتصالاً بإبراهيم لكن جواله كان مقفلاً منذ مساء أمس حيث أني أذكر أنني أرسلت له مادتي الصحفية للجريدة التي تصدر عن المؤسسة في الساعة السابعة والنصف، وجاءني إشعار الاستلام، اتصلت أيضاً بفارس فكان جواله هو الآخر خارج التغطية. كان أول القادمين العامل في المكتب جلسنا على الرصيف ننتظر ومضت نصف ساعة لم يأت أحد، اتصلت بمدير المكتب أحمد عبد القادر فاستغرب الأمر كثيراً، لكنه قال ربما كانوا نائمين فقد استمرت سهرتهم ليلة أمس حتى وقت متأخر في بيت “طلاس سرور”.
طلبت من العامل أن يذهب ويجلب مفاتيح المكتب من إبراهيم ريثما يحضرون، فيما كنت وباقي العاملين في المكتب نراقب الناس في ذهابهم وإيابهم، جاءنا بوجه شاحب وصوت مبحوح يركض حافياً ويصيح كمن مسه الجنون: ياخااال مذبوحين مذبوحين، شدني من يدي يريد مني الركض باتجاه المكان لكني بقيت متسمراً بمكاني كحجر الرصيف فيما صرخ الباقون من هول الأمر حين علموا بالفاجعة.
ركضت أيضاً ورغم قرب المسافة بين المكتب والبيت إلا أنها أصبحت بعيدة كالسراب، رأس مقطوع وبركة من الدم كنت أراها في وجوه العابرين أمامي، كيف لهذه الشفاه الضاحكة أن تتحول إلى ألم؟!! وكيف لهذه الرقبة التي كان يقول دوماً برقبتي خال ثم يضربها بكف يده دليلاً على تعهده بأمر ما، كيف لي أن أتصورها وقد ذبحتها سكين غدر؟!!
كان أخوه أحمد مرتمياً على الأرض أمام باب الشقة يبكي فبادرني بصرخة بكاء ذبحوه يا خال ذبوحهم يا خال، في لحظة مصافحتي له كانت يد الشرطي على كتفي ويطلب مني الابتعاد عن باب الشقة مكان حدوث الجريمة.
في الشارع زحام شديد ووجوه أتعبها الخبر، أحبة قد سمعوا بالخبر فتجمعوا في المكان، وأصوات سيارات البوليس وأجهزتهم اللاسلكية تعكر علينا صفو الحزن وهول اللحظة.. هنا فقط تمنيت لو أنني أبقيت على ذاك الحاجز بيني وبينهم، فقد قتلوني بطيب المعشر وحسن التعامل ليتني بقيت بعيداً فلربما كان وقع الفقد أقل مما أشعر به اليوم، ويا ليتني ما زلت أخفي “سكر الشوايا” في عبي، لأوزعه للشباب قطعة قطعة وأخص إبراهيم بما تبقى.

الرقة بوست 

نحن مجموعة من الناشطين الحقوقيين وبعد ملاحظتنا لقلة الجهات التي توثيق الانتهاكات المرتبكة بحق المدنيين في سوريا، قررنا إنشاء هذه المنظمة و التي تختص بتوثيق الانتهاكات المرتكبة من قبل جميع الجهات للعمل على محاسبتهم من قبل المجتمع الدولي. المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

اترك رد