تفرد حافظ الأسد بالسُلطة | القسم الثاني

 أغيد الخضر – خاص صوت وصوة 


هذه الورقة البحثيّة هي الثانية من سلسلة مواد رأي سيتم نشرها بشكلٍ أسبوعي تتحدث عن “واقع منطقة حوض الفرات” في العصر الحديث منذ مرحلة الاستقلال حتى يومنا هذا وتعاقب أنظمة الحكم على المنطقة.


 

منذ الساعات الأولى لإعلان ما يُسمى الحركة التصحيحية, اظهر من هم في الصف الثاني عزوفهم عن الوقوف إلى جانب الحركة وخرجوا بمظاهرات تهتف “لا دراسة ولا تدريس إلا يرجع الرئيس” و أُغلقت المدارس و الدوائر الرسمية لأن مدراءها من البعثيين, فأراد حافظ الأسد حل الحزب لتشكيل حزب جديد لدرجة أن البعض من غير البعثيين انساق وراء الأمور وأيد الحركة على اعتبار أنها انقلاب على البعث وخاصة بعض من ينتمي للأحزاب القومية واليسارية, ليتبين فيما بعد أن أول من أيد الحركة هي السفارة الأمريكية في دمشق إلا أن الأسد عدل عن فكرة حل الحزب بعد أن نصحه مستشاريه بأن تأسيس حزب جديد سيستغرق وقتاً طويلاً ويحتاج إلى جهد كبير خاصة بهذا الوقت فأقنعوه بالإبقاء على الحزب الحالي و الاعتماد على أعضاءه من الصف الثالث ممن يطمحون للسلطة والقيادة وما أكثرهم بين منتسبي الحزب من أصحاب المصالح والانتهازيين, فكان له ما أراد ليبدأ مشواراً جديداً من مسيرة حزب كانت متعثرة مع وجود عدد من اصحاب الفكر مع التحفظ على توجهاتهم, وكان بينهم ممن انتمى إلى الحزب على قلتهم ممن دفعهم حبهم للحزب, فكيف الأن وقد أصبح يعج بالانتهازية والوصولية ممن لا يراعون فكراً أو هدفاً أو شعاراً, ولا يهمهم مصلحة حزب أو مواطن ضاربين عرض الحائط بكل المصالح في سبيل مصالحهم الشخصية, وقد ساعدهم على ذلك سياسة الأسد التي كانت تعطي الضوء الأخضر لمن يمارس كل انواع الفساد ما دام الولاء المطلق للأسد, وانعدام أي نوع من التفكير تحت شعارات مصلحة الحزب, فسيطر فكر القائد على فكر الحزب بل انعدم فيما بعد فكر الحزب وبقي فكر القائد الفذ الضرورة الرمز التكتيك الاستراتيجية الأمين.

   اعتمد حافظ الأسد على نوعية معينة من القيادات في البداية, وهم ممن لا تاريخ حزبي ولا سند لهم في المجتمع بحيث ربط مصيرهم بمصيره واستمرارهم ببقائه بحيث يتفانون بخدمته, فعلى سبيل المثال :

  • بالنسبة للتاريخ الحزبي, عُقد مؤتمر حزبي بعد عدة سنوات من الحركة وكان من شروط الترشيح للمؤتمر أن يكون العضو له خمسة عشر سنة في الحزب فلم تنطبق الشروط على أحد ثم أصبحت اثنا عشر سنة ثم عشر سنين فلم ينطبق هذا الشرط إلا على قلة قليلة من الأعضاء.
  • تدخل النظام في التركيبة العشائرية من خلال دعمه للمغمورين مقابل اهمال ذو النفوذ وذلك من خلال اجراء بعض المصالح لمن يدعمهم كقبول وساطته أو صلاته الأمنية التي أصبحت ضرورة في البداية وتحولت إلى مطلب لدى الكثيرين من ضعاف النفوس, وبذلك استفاد بشق صف العشيرة من ناحية وظهور وجوه جديدة ولاؤها للنظام مطلق. و أصبح للعشيرة الواحدة أكثر من شيخ بعضهم مدعوم من أفراد العشيرة وهم الشيوخ الحقيقين, والأخريين موزعين بالدعم والاسناد للفروع الأمنية وكل منهم يدعمه أحد الفروع ( السياسية والعسكرية والجوية وأمن الدولة).
  • ظهرت طبقة من الوصوليين والانتهازيين ممن لهم باع طويل بالتجسس على المواطنين ممن يسمون بالمخبرين تصول وتجول وتحل وتربط لدى الجهات الأمنية والدوائر الحكومية, وهؤلاء من الخسة والدناءة بشكل لا يراعون أخلاق ولا حرمة لأي عمل يطلب منهم, لذا وأمام هذه الميزة تهافت عدد من العاطلين عملاً وخلقاً إلى فروع الأمن حتى قيل ” بأن النظام قسم الشعب السوري إلى قسمين, قسم يتجسس على القسم الآخر “.
  • استمال الأسد في البداية الأحزاب الموجودة على الساحة السورية تحت شعار تحقيق الديمقراطية ليتبين بعد أقل من سنة بأنها كذبة يهدف منها الاسد تشتيت هذه الأحزاب و إفراغها من مضمونها لينسحب عدد من الأحزاب, و يبقى عدد منها ليبدأ النظام التعامل معهم كأشخاص لا كأحزاب وليقسم الحزب الواحد إلى عدة أحزاب تتصارع قياداته على مقعد في مجلس الشعب أو حقيبة وزارية بلا مضمون ويتبارى عناصر هذه الأحزاب بالإيقاع ببعضهم البعض ليصبح معظمهم إلا من رحم ربي عناصر تعمل للجهات الأمنية و الشاطر بينهم من يوصل التقرير للأمن قبل الآخر. وهنا أود التحدث عن فكرة مجلس الشعب في فترة الأسدين منذ البداية. ففي أول دورة لمجلس الشعب عمد الأسد إلى ترشيح قوائم مغلقة من البعثيين أي عدد المرشحين الحزبيين في القائمة هو عدد الأعضاء التي تستحقها المحافظة, وبالمقابل كان هناك قائمة للمستقلين من شيوخ العشائر وأصحاب النفوذ والرصيد الشعبي القوي فلما ظهرت النتائج كانت الأصوات التي جمعها أي عضو من أعضاء قائمة الحزب يفوق بعشرات الآلاف الأصوات التي جمعها أشهر المرشحين المستقلين فكانت صفعة تلقاها شيوخ العشائر والمرشحين المستقلين دفعت الناس إلى مقاطعة الانتخابات بل وظل الحديث عن تزوير تلك الانتخابات حديث الناس حتى الأن بما يسمى صندوق ” الشولا أو معيزيلة” حيث تبين أن البطاقات التي ألقيت في الصناديق مربوطة مئة ورقة انتخابات في كل رزمة لسرعة انجاز المهمة, و على الرغم من أن ذلك خطأ ارتكبه النظام في حينه أدى إلى عدم تفاعل المواطنين مع الانتخابات إلا أن النظام استغل ما حصل لصالحه بإيصال رسالة للجميع بأن لا مكان في المجلس لمن لا يدين بالولاء المطلق للنظام مهما علت مرتبته أو ارتفع شأنه, وقد حاول معالجة انصراف المواطنين عن المشاركة بالانتخابات بترك ما يعادل ثلث المطلوب من الأعضاء في المحافظة للمستقلين وتبني كل جهة أمنية لشخص من كل عشيرة لزيادة التنافس والإقبال على المشاركة وحتى هذه الفكرة لم توصل نسبة المشاركة في أعلى حالاتها مع كذب اعلام النظام إلى النصف.  
  • من الأساليب التي اتبعها حافظ الأسد منذ البدايات تطبيق ما كانت الفاشية و الشيوعية تطبيقه بإحداث منظمات وروابط ونقابات رديفة للحزب إذ تبدأ بمنظمة طلائع البعث في الصفوف الابتدائية ثم شبيبة الثورة في المرحلتين الاعدادية والثانوية ثم اتحاد الطلبة والمعسكرات الجامعي في مرحلة الجامعة و أخيراً النقابات المهنية للمتخرجين من كافة الفروع, ومن فاتته الدراسة يتبع لاتحاد العمال واتحاد الفلاحين, وحتى أصحاب المهن الحرة يتبعون لغرف التجارة والصناعة والزراعة وطبعاً كلها تخضع للحزب بشكل مباشر وليس للجهات يجب أن تكون مسؤولة عنها، و يتم تعين رؤساء الشعب والفروع والاتحادات والنقباء من البعثيين حصراً، و ينظم أعمالها الحزب القائد بما يخدم مصلحته، ليجد المواطن نفسه مهما كان عمره أو عمله مرتبطاً ارتباطاً كلياً بالحزب شاء من شاء وأبى من أبى.

جاءت حرب تشرين عام 1973 ليستغلها النظام لصالحه أيما استغلال وليصبح الأسد بطل التشرينين ورائد الوطنية والقومية والعروبة الأول خاصة بعد أن قبل السادات بالهدنة ليبقى الاسد وحده في الساحة ولتصبح حرب تشرين التحريرية كما يصر أنصار الأسد و أبواقه على تسميتها من صنع الأسد وحده, علماً أن السادات أعلنها صريحة بأننا كنا متفقين على أن حرب تشرين هي حرب تحريكيه وليس تحريرية من أجل تعبيد الطريق نحو تنفيذ الحل السلمي المتوافَق عليه من خلال مشروع روجرز, كما صرح دون أن يرد عليه الأسد بأنهما اتفقا على وقف اطلاق النار على الجبهتين لكن حافظ الأسد وبعد أن وافقت مصر على وقف اطلاق النار استمر بمعركة شكلية تبين أنها غير متكافئة ليرسل مبعوثيه إلى الدول العربية وخاصة الخليجية منها ليستجدي الدعم المادي منهم لأنه بقي وحده في الساحة وبحاجة إلى دعمهم, ليحصل على ما أراد من نقود ويخسر أكثر من أربعة عشر قرية وكادت دمشق أن تسقط لولا تدخل الجيش العراقي وذلك باعتراف كبار الضباط السوريين آنذاك.

و لذر الرماد في العيون أعطوه طريقاً يوصل إلى مدينة القنيطرة المهدمة والتي لا زالت مهدمة حتى الأن حيث استخدمها الاسد ليشحذ عليها ويستجدي الدول بحجة إعادة بنائها, علماً أن الطريق الواصل إليها محاطاً بالجيش الإسرائيلي من الطرفين ولا يحتاج لأكثر من نصف ساعة ليطبق عليه ويعيد القنيطرة للاحتلال ولنذكر هنا وبشهادة الأمم المتحدة بأن أهدأ حدود في العالم كانت بين سوريا واسرائيل التي يعترف ويتصل بها النظام في الخفاء ويعاديها في العلن ليبقي على الإنفاق العسكري الذي يستولي على 80% من الناتج القومي ليتبقى للشعب 20% يشاركها بها جميع المسؤولين ممن ليسوا العائلة الحاكمة. وبموت باسل الأسد اثر حادث سير, يتضح أن معظم الناتج القومي كان يودع في البنوك الأوربية وغير الأوربية باسمه واسم عائلته.

 

اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية كشفت حقيقة الأسد ودوره في خدمة أعداء الأمة والإنسانية واجهاض أي حركة شعبية, وبعده عن القضية الفلسطينية التي تشدق عليها حتى وهو على فراش الموت, ويشهد على ذلك أحداث تل الزعتر الدامية التي راح ضحيتها أكثر من خمسة آلاف فلسطيني بينهم أطفال و نساء و شيوخ بأقل من ثلاثة أيام  و أصبح خير متعهد للقضاء على الحركات الفلسطينية والتقدمية اللبنانية ودعم الحركات الرجعية, ثم لينتقل في ما بعد إلى معادات جميع الحركات إلا من كان على شاكلته, فلم يبقي إلا على ميليشيات ساهم هو بتشكيلها لتسيطر على رقاب اللبنانيين حتى الأن.

أصبح النظام السوري عدواً ظاهر العداء لكل فكر نظيف في المنطقة وإن رفع شعارات مناصرة الحركات التحررية والممانعة والمقاومة والوقوف بوجه اسرائيل خاصة بعد غياب مصر عن هذا الدور ليصبح بطل الساحة الكرتوني واعتبار كل من يعاديه عدواً للوطنية, لذا كان يعتقل كل من تسول له نفسه بأن ينبس ببنت شفة, لينتهي بذلك شهر العسل الكاذب الذي وعد به الأسد في بداية الحركة, و أنه جاء ليصحح المسار الخاطئ الذي كان سائداً ليتبين فيما بعد أن ما حصل على يد الحركة من تراجع في الحقوق ومصادرة للحريات وكم للأفواه ما لم يحصل في أي دولة, وأن الفاشية بحاجة إلى أخذ دروس لدى الأسد لتتعلم كيف تحكم الشعوب.

 

انعكست جرائم حافظ الأسد على السوريين حتى بعد مماته, ذلك على السوريين الذين نزحوا هرباً من ظلم بشار أثناء قيام الثورة بأن لاقوا الأمريين وتحملوا الويلات من بعض اللبنانيين, حيث وقع السوريون بين نار زبانية بشار والميليشيات الموالية له على اعتبارهم أعداء لبشار كأمثال حزب الله والحزب القومي وحركة أمل, ونار المعادين للنظام السوري والذين اعتبروهم أعداء الأمس إبان سيطرة النظام على لبنان خلال ثلاثين عاماً فهم سوريون والنظام الظالم الذي سقاهم العلقم كان سورياً.

أغيد الخضر

مُدون ومحرر سوري، من مواليد مدينة البوكمال في ريف ديرالزور، حاصل على شهادة الليسانس من كلية الآداب قسم اللغة العربية.

اترك رد