بعد مضي 12 يوماً على سيطرة “قوات سوريا الديموقراطية” على مدينة الرقة، وطرد تنظيم “الدولة”، ما زالت الجثث تملأ شوارع المدينة، ومئات الضحايا تحت الأنقاض ممن لا زال ذووهم بانتظار فرق رفع الأنقاض، لإتمام مراسم دفنهم.

وكان “المحررون الجدد” قد وعدوا برفع الأنقاض، وأكد “التحالف الدولي” على اعتباره الأولوية، لكن وإلى الآن، لم تباشر الآليات بفتح الطرقات، ولا حتى بنزع الألغام. ما ولد الشعور بالإحباط والغضب لدى السكان.

أهالي حي المشلب، شرقي المدينة، حاولوا دخول حيّهم بعدما طال انتظارهم في المخيمات والبراري، لكن عناصر “قسد” منعوهم بالقوة، وأطلقوا النار عليهم، ما تسبب بإصابة 10 أشخاص. وحي المشلب تحت سيطرة “قسد” منذ 3 شهور. حجة “قسد” الدائمة، لمنع أهالي المشلب من العودة، هي الألغام التي وعدوا بتفكيكها منذ شهور. وما يزيد قلق الأهالي الأنباء عن عمليات نهب مُنظّمة لبيوتهم.

الرقّة خالية تماماً. أكوام من الركام والخراب، تحتها وبينها جثث الضحايا، فتحوّلت مرتعاً خصباً للقوارض والحشرات والضواري، واللصوص المغامرين عبر الألغام.

أغلب تجار المدينة كانوا قد تركوا بضائعهم في المخازن، عدا عن الأهالي الذين تركوا كل ممتلكاتهم خلفهم. في الأيام الماضية، حاول العديد منهم دخول المدينة، رغم المنع والمخاطر، متسللين، أو متواطئين مع مقاتلي “قسد”.

أحمد، كان قد خرج من المدينة قبل شهرين هارباً مع أطفاله، تاركاً خلفه كل ما يملك، ومستودع أدوية. قال أحمد لـ”المدن”: “بعد سيطرة قسد على المدينة وتوقف المعارك، حاولت التواصل مع بعض الأمنيين فيها، للسماح لي بالدخول وإخراج البضائع والأدوية”. وبعد وعود متكررة، وافق “هفال سيفو” على مرافقة أحمد، وتمرير محتويات مخزنه، عبر الحواجز، مقابل 500 دولار عن كل حمولة تقلها سيارة “فان”، عدا عن 100 دولار أتعاب مُفكك الألغام الذي “دخل قبلنا وأمّن المكان بجهازه الكاشف للألغام”.

وأضاف أحمد: “قالوا لي إني محظوظ، لأنهم قبلوا بمساعدتي قبل أن تنهب بضائع مستودعي”.

ودخول الرقة أصبح متاحاً، لمن يرغب، مقابل مبلغ مالي، يُحدّدُ بحسب الوجهة والهدف، فيما يُشبه كثيراً الرحلات السياحية المأجورة، ولكن لمشاهدة الجحيم من الداخل.

فهد، دخل المدينة لزيارة بيته، بصحبة أحد أقربائه المقاتلين مع “قسد”، وقال لـ”المدن”: “لا توجد نية جدية بإزالة الأنقاض، ولم أشاهد إلا جرافة واحدة ترفع الأنقاض وتفتح الطريق لسيارات قسد”. وأضاف: “مشهد الاشلاء طبيعي، ولا غرابة أن تجد يداً أو قدماً مرمية، أو حتى جثة كاملة داخل سيارة، أو إلى جانب دراجة”.

ويعمل عناصر “قسد” في هذه الفترة، كسعاة البريد، تطلب منهم دخول بيتك وجلب أوراق مهمة أو أشياء ثمينة، وربما بعض التذكارات من قطع المنزل. وكل ذلك مقابل أجر، يُتفق عليه مع مقاتلي “قسد”، الذين لا تبدو عليهم العجلة، في تفتيشهم المدينة بيتاً بيتاً، بذريعة اختباء بعض عناصر التنظيم في المدينة المُدمّرة. وقد تتطلب عملية استكمال التفتيش شهوراً، خاصة مع الأنباء المُسرّبة عن عمليات نهب منظمة، لم تتمكن “المدن” من تأكيدها.

الأكيد، أن القمح والمستلزمات الطبية، ومحركات الكهرباء، قد نُقلت إلى مدينة كوباني “عين العرب”، كما تم نهب المنطقة الصناعية، بحسب شهود عيان.

ولم تتحدث الدول المشاركة في “التحالف الدولي”، 73 دولة، عن “إعادة الاعمار”، حتى الآن، وكل ما هنالك هو الحديث عن إعادة الاستقرار.

وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون، كان قد هنّأ السوريين بالنصر، عبر بيان لمكتب المتحدث باسم وزارة الخارجية، متحدثاً عن الرقة ما بعد “داعش”. وركز تيلرسون على أن مهمة الولايات المتحدة هي إرساء الأمن الأساسي، وتقديم الخدمات الأساسية، لتحقيق الاستقرار والمساعدة في ترميم المدارس ونزع الألغام، وعبّر عن حزنه العميق على أرواح المقاتلين الأميركيين ومن قوات “قسد”، من دون أن يذكر الضحايا المدنيين، ممن تجاوز عددهم 1800 مدني.

مسؤول أميركي كان قد قال لوكالة “فرانس برس”الفرنسية: “نحن لن نبقَى هنا إلى الأبد، لإصلاح كل شيء، فليس لدينا المال ولا الرغبة في قضاء 20 عاماً لإزالة الألغام، وترميم المنشآت”. وكانت واشنطن قد أشارت مراراً إلى حدود لمقدار مساعدتها غير العسكرية، وأنها لن تشارك في بناء المدينة على المدى الطويل.

بيان المُفوّضية الأوروبية، تحدث وبشكل صريح، عن مساعدة السكان “الأكثر تضرراً” ضمن سياق “التعافي المبكر”. ومصطلح “التعافي المبكر” بدا مفاجئاً للأهالي، المُحبطين أصلاً من رفع صور زعيم “حزب العمال الكردستاني” عبدالله أوجلان، فوق أنقاض مدينتهم المدمرة. رفع الصور كان رسالة فهمها الأهالي على أن الصراع لم ينته بعد، وأن دائرة جديدة من العنف قد تبدأ، بمتحاربين جدد، وتحالفات مختلفة، وأن مرحلة جديدة من عدم الاستقرار بانتظارهم.

المدن 

نحن مجموعة من الناشطين الحقوقيين وبعد ملاحظتنا لقلة الجهات التي توثيق الانتهاكات المرتبكة بحق المدنيين في سوريا، قررنا إنشاء هذه المنظمة و التي تختص بتوثيق الانتهاكات المرتكبة من قبل جميع الجهات للعمل على محاسبتهم من قبل المجتمع الدولي. المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

اترك رد