قبل أربعة أعوام، خضعت مدينة الرقة، شمال سوريا، لسيطرة تنظيم داعش وأعلنها عاصمة لما سمّاه “الدولة الإسلامية”. ولكن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تمكنت من إخراجه منها.

غير أن قدوم هذه القوة من خارج المدينة، والتوترات العرقية، وتحديات إعادة الإعمار، والألغام التي زرعها داعش، واستمرار وجود بعض عناصر التنظيم في البادية السورية تمثل جملة تحديات أساسية تواجهها الرقة في الوقت الحالي.

INSIDE_Raqa

الاثنين، في 16 أكتوبر، أعلنت “قسد” سيطرتها الكاملة على مدينة الرقة. جاء ذلك بعد نحو 120 يوماً من المعارك التي بدأت في يونيو المنصرم، بدعم من قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

 

يمكن تقييم إنهاء “قسد” لسيطرة داعش على الرقة كإنجاز كبير. ولكن التحديات الكثيرة في هذه المدينة تجعل ملحاً السؤال عن هوية مَن سيحكمها ويدير عملية إعادة إعمارها على المدى الطويل.

مَن سيدير المدينة؟

في سياق الحديث عن مآلات السيطرة الإدارية في المدينة، صرح عضو “المجلس المحلي للرقة” المحسوب على المعارضة السورية، محمد حجازي، بأن إدارة المدينة في الوقت الحالي ستكون بيد “قسد”، مستدركاً أن هذا الأمر لا يمكن أن يطول، لأن الرقة مدينة عربية ذات طابع عشائري، و”قسد” حركة كردية “تحمل أجندات ترمي إلى تشكيل كيان انفصالي، وهو الأمر الذي سيؤدي، بلا أدنى شك، إلى حالة من عدم الاستقرار إذا لم يتم تسليم المدينة إلى إدارة محلية مؤلفة من أبناء المدينة”.

INSIDE_Raqa2

وأشار حجازي إلى أن المجلس الذي ينتمي إليه تلقى دعوة أوروبية-أمريكية، مطلع الشهر الجاري، لحضور مؤتمر سيُعقد في تركيا، بغرض إعداد خطة لتسليمه إدارة المدينة وتمهيد الأرضية لإعادة إعمارها وعودة النازحين.

ويساند الكاتب والصحافي السوري علي العائد وجهة نظر حجازي، مبيّناً أنه لا يوجد حالياً بديل “لمجلس الرقة المدني” الذي أنشأته “قسد” في أبريل الماضي، وموضحاً أن الدور الكردي طاغٍ على إدارة هذا المجلس، وهو ما قد يؤدي إلى التسبب بخلافات في المستقبل، كون المدينة عربية، ولذلك قد تفكّر الدول الفاعلة في إعداد خطط بديلة.

وفي موازاة ذلك، توقع عضو منظمة “صوت وصورة” لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان السورية سرمد الجيلاني أن يضم المجلس الإداري التابع لـ”قسد” في الأيام المقبلة عدداً من شيوخ العشائر أو وجهاء المجتمع، ليوفّر الغطاء لنفسه.

ولكنّه لفت إلى أن هذا المجلس قد يتمكن من إدارة المدينة بضعة شهور فقط، لأن “قسد” لا تتمتع بالقدر الكافي من الديمقراطية، برأيه، ويتميّز نظامها بالشمولية المرتكزة إلى أيديولوجية يرفضها سكان المدينة، وقد تُقصي كل مَن يخالف توجهها، ما يعني نشوب توتر سياسي عسكري بصبغة عرقية في المدينة.

هل يعود النظام؟

يشير العائد إلى انعدام تأثير روسيا في المدينة، ما ينفي أي احتمال لعودة النظام السوري إليها في المرحلة القريبة المُقبلة، من دون ترتيبات سياسية أمريكية ـ روسية توافقية على مستوى البلاد كلها.

وفي ما يخص المصير الإستراتيجي للمدينة، يتماشى الصحافي السوري عبد العزيز الخليفة مع رأي العائد حول احتمال مآل حكم المدينة إلى سيطرة النظام بالكامل إذا غاب الدعم الأمريكي لـ”قسد” أو وقوف الولايات المتحدة على الحياد خلال المواجهة المقبلة التي تبدو حتمية بينها وبين قوات النظام.

ويرى أن تركيا مهتمة بإنهاء حكم “قسد” أكثر من روسيا التي تفكر بنظام اتحادي كانت قد وضعت دستوره. وقد تستطيع تركيا تحقيق مآربها إذا نجحت بإقناع روسيا، نسبياً، بتبني موقفها من ملف السيطرة الكردية.

ويضيف أنه إذا تحققت تسوية بين أنقرة وموسكو وواشنطن، فقد تنسحب القوات الكردية إلى مناطق الشريط الحدودي كالقامشلي ورأس العين وكوباني (عين العرب) وعفرين فقط.

وبرأي السياسي السوري نواف الركاد، “إذا عاد النظام إلى الرقة فهذا لن يغيّر في واقع الحال شيئاً أمام التغيرات السياسية التي ستنبثق عن الحل السياسي الدولي المقبل”.

 

ملف إعادة الإعمار الصعب

في ما يتعلق بملف إعادة الاعمار، أوضح العائد أنه منذ ما قبل سيطرة “قسد” على الرقة، كانت جميع المؤشرات تدلّ على أن الولايات المتحدة ستكون صاحبة القول الفصل في تحديد الجهة التي ستدير المدينة، وفي تنسيق الجهد الإغاثي العاجل، ولكنه أضاف أن “هذه الملفات الملحة يمكن أن تتبناها الولايات المتحدة، غير أن ملف إعادة الاعمار معقد جداً، يحتاج إلى مؤتمر دولي يناقش حيثياته”.

ويلمح حجازي إلى أن دول التحالف الدولي، وبالأخص الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية والعربية، تتحمل مسؤولية عقد مؤتمر إعادة الإعمار ودعمه، كونها المسؤولة الأولى عن حجم الدمار الذي أصاب المدينة خلال عملية تحريرها.

واعتبر العائد أن ظهور وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي، ثامر السبهان، بمرافقة المبعوث الأمريكي لدى التحالف الدولي بريت ماكغورك، في بلدة عين عيسى، شمال الرقة، كان مفاجئاً للجميع. وبرأيه، يوحي هذا الظهور بأنه قد يكون هناك دور سعودي ملموس لإعادة إعمار عدد من المرافق الخدمية في المدينة، لكن “هذا الدور قد يكون مرحلياً إلى أن تتم صياغة حل نهائي للمدينة”.

ولفت حجازي إلى أن المبلغ المرصود لإعادة الاعمار هو أربعة مليارات دولار، مبيّناً أن مجلسه سيقدم مخططات أعدّتها لجنة هندسية للمؤتمر الذي دعت إليه الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، وستشارك فيه دول الخليج.

INSIDE_Raqa3

تدلل تصريحات حجازي على أن الولايات المتحدة تسعى إلى إشراك تركيا لوجستياً وبعض الدول الأوروبية والخليجية مادياً في عملية إعادة الإعمار.

أما جيلاني، فيؤكد أن الحديث عن إعادة الإعمار يبدو مبكراً جداً، واستدل على ذلك بحال الموصل التي لم يتم عقد مؤتمر من أجل إعادة إعمارها حتى الآن.

وأوضح جيلاني أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ذات العقلية الاقتصادية المتطلعة إلى فائدة سياسية بأقل قدر ممكن من التكاليف الاقتصادية في كل خطوة تتخذها، غير مستعدة لإعادة إعمار المدينة، ولذلك اتجهت إلى دول الخليج، وظهر السبهان في المدينة.

مَن سيقدّم الإغاثة العاجلة؟

يصف الصحافي السوري حسام محمد مدينة الرقة “بالمدينة المنكوبة” التي تحتاج إلى كم هائل من المساعدات، نظراً للعدد الضخم من النازحين منها.

وتمرّ مدينة الرقة بوضع إنساني مؤسف نتيجة الحرب، إذ أحصى المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 3250 شخصاً بينهم 1130 مدنياً على الأقل في مدينة الرقة، منذ بدء الحرب ضد “داعش”، فضلاً عن إشارته إلى وجود مئات المفقودين من المدنيين تحت الأنقاض، إلى جانب نزوح أعداد هائلة من السكان.

وفي هذا الصدد، أفاد العائد، المتابع لأوضاع المدينة عن كثب، أن الأمر الأكثر إلحاحاً الآن هو ليس الحديث عمّن سيحكم المدينة، بل عمّن سيقدم الإغاثة العاجلة إلى الناس.

ويزداد هذا التحدّي إلحاحاً في وقت يدق فصل الشتاء الشديد البرد في الرقة ناقوس قدومه، ما جعل السكان، وبالأخص بعد ارتفاع أعداد النازحين ونسبة المنازل المُدمّرة جزئياً أو كلياً، والتي وصلت إلى 80% وفقاً لتقديرات متداولة، بحاجة ماسة إلى إنشاء مدينة من الكرفانات كبديل للخيام، بحسب العائد.

ويُتوقع أن تبدأ عودة النازحين إلى المدينة بعد ستة شهور وفقاً لحجازي الذي وصف الوضع الإنساني للنازحين بالصعب جداً، مبيّناً أن أغلبهم يقطنون في مخيمي عين عيسى وطويحينة وسط انعدام تام لمقومات الحياة من طعام وشراب ومواد غذائية وطبية.

ويشدد على أن عودة النازحين إلى بيوتهم، مع توفير المياه النظيفة والكهرباء، وترميم الطرقات والجسور، وإزالة الألغام، هي الحاجات العاجلة بالنسبة لمدينة الرقة.

وعن الحاجات الضرورية غير العاجلة، تحدث حجازي عن بناء مستشفيات ومدارس بتقنيات متقدمة، وتقديم الدعم النفسي للسكان لتخليصهم من “آثار فكر التطرف” الذي عاشوا معه ثلاث سنوات.

Raseef22 

نحن مجموعة من الناشطين الحقوقيين وبعد ملاحظتنا لقلة الجهات التي توثيق الانتهاكات المرتبكة بحق المدنيين في سوريا، قررنا إنشاء هذه المنظمة و التي تختص بتوثيق الانتهاكات المرتكبة من قبل جميع الجهات للعمل على محاسبتهم من قبل المجتمع الدولي. المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

اترك رد