حوض الفرات ما قبل حكم الأسد الأب | القسم الأول

 أغيد الخضر – خاص صوت وصورة 


 

هذه الورقة البحثيّة هي الأولى من سلسلة مواد رأي سيتم نشرها بشكلٍ أسبوعي تتحدث عن “واقع منطقة حوض الفرات” في العصر الحديث منذ مرحلة الاستقلال حتى يومنا هذا وتعاقب أنظمة الحكم على المنطقة.


 

مقدمة

أحاول في هذه الدراسة ألا أطرح ما تحدثت عنه وسائل الإعلام بكل توجهاتها, لا الثورية حديثةُ العهد, ولا المُسيسة التي تسير وفق سياساتها الخاصة وتنقل ما يخدم مصالحها على اختلاف الزاوية التي تنقل منه. أكتب هنا كسوري مهتمٌ بمعرفة ما يجري على الأرض من محاولات يغض الجميع الطرف عنها أحياناً, وأقصد هنا التقسيم الذي تسير الأمور إليه والتغيير الديمغرافي.

ولا أخص سوريا هنا بالتقسيم, فالمشروع موجود قبل اندلاع الثورة السورية, منذ مقولة كوندليزا رايس “الشرق الأوسط الجديد” والذي بدا جلياً منذ أن تحدث عنه وزير الخارجية الأمريكية  “وارن كريستوفر” عندما نصح الحكومات العربية بعقد آخر اجتماع لجامعة الدول العربية يعلن فيه حل الجامعة و استبدالها بسوق شرق أوسطية تضم كافة دول المنطقة. و بالتالي تغيير الخارطة السابقة و تقسيم دول المنطقة إلى دويلات أسوة بتقسيم يوغسلافيا لأن دول الشرق الأوسط على شكلها الحالي تعد أكبر مما يجب, ومن الصعب إخضاعها لشروط المهتمين بالمنطقة من الدول الكبرى و على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية, لتكون قيادة ومرجعاً لهذه الدويلات أثناء تصارعها مع بعضها البعض.

وليست تجربة العراق ببعيدة, فالعراق الذي تم إخضاعه لحكم عدة دول قريبٌ من التجربة السورية, بغداد المسيطرة عليها من قبل حكومة إيران إضافة لشرق وجنوب العراق, والشمال الذي بات يسمى دولة كردستان والغرب الذي يخضع لمشورة عدة دول خليجية.

وربما قيام الثورة السورية أضعف شعور الانتماء العربي نتيجة مواقف الدول العربية المجاورة منها والبعيدة من الثورة السورية والسوريين كأشخاص, لكنه ليس بمبرر لمحو العروبة ككل, فمن حقنا أن نكون أمة عندما تعمل كل الدول الكبرى على تعزيز فكرة الأمة, بل حتى أن كل دولة منهم تَعتبر نفسها أمة, الأمة الفرنسية والأمريكية والألمانية والتركية وغيرها من الأمم. بل ربما نجد أن العروبة هي الحل الوحيد للنهوض مجدداً والخروج من التبعية. وسنخسر ذاتنا وهويتنا إذ ما خسرناها, كحال لبنان الشقيق, الذي فُرض عليه التماهي مع عروبته, فبات ضحية قرارات الدول وساحة صراع بين السعودية وإيران, أو بين أمريكا وفرنسا. واعتذر عن ذكر اسم كلاً من العراق ولبنان, لكن حبي لهذين البلدين يدفعني للحزن على  حالهم الأن.

أما التغيير الديمغرافي -والذي لا يقل خطورة عن التقسيم- لسكان المنطقة والدعم الكبير له من قبل المجتمع الدولي عن طريق مباركته لاتفاقيات مجحفة بحق الشعب السوري بل حتى أنها كانت تحدث تحت علمه وبرعاية الأمم المتحدة وعلى يد لجانها المنحازة مع كل ما فيها من ظلم للشعب السوري الذين عملوا على تحويل الثورة السورية إلى أزمة انسانية, حيث يتم تهجير سكان المناطق تحت ذريعة حماية المدنيين و العجز عن تقديم العون لهم ليتم استبدالهم بسكان جاؤوا من آلاف الكيلومترات -كالإيرانيين مثلاً-  ممن تدعي أمريكا معادات نظامهم وممن يدعون محاربتهم لأمريكا ويلقبونها “الشيطان الكبر” و مع ذك يتم توطينهم في مناطق ليس لهم فيها ذرة تراب و ذلك لإبقاء المنطقة بحالة من التوتر الدائم, أو بالنظر للشمال السوري وممارسات مليشيا قوات سوريا الديمقراطية بتهجير عشرات القرى العربية والسيطرة عليها بحجة محاربة الإرهاب.

 بعد قيام الثورة السورية, حاولت أطراف تحويلها إلى حرب بالوكالة تشترك فيه جميع الدول المعنية عربياً وأجنبياً, الغربية و الشرقية منها و ذلك بديل عن حرب عالمية ثالثة, لتدفع المنطقة -وخاصة سوريا- ثمناً باهضاً من قتل و تهجير وتشريد و تدمير لكل مقومات الحياة. وعندما أخذت زمام الأمور بالإفلات من أيديهم ولتصبح ما كانوا يسمونها الفوضى الخلاقة فوضى خناقة قد تجرهم إلى ما لا تحمد عواقبه,  راحوا يبحثون عن أنصاف الحلول بما يعيد الأمور إلى مربعه الأول, و ليلعق الشعب السوري جراحه لعشرات السنين, وليعاود جلادوه الجلوس على الكرسي ولكن هذه المرة يشاركهم الأمر مندوبون -يدعون أنهم من هذه البلد- عن بعض الدول العربية و الأجنبية كمراقبين مأجورين و هم يحسبون أنهم استطاعوا اقناع الشعب السوري بأنهم جاءوه محققين لرغبته و أهداف ثورته مخلصين له مما عاناه.

ولفهم الأحداث أكثر علينا التمحيص في الشرق السوري, فهو مفتاح المعادلة السورية, وخلال سبع سنوات من الثورة كانت أعين الغرب إليه وتمسك النظام به وقتال الجيش الحر فيه وانطلاقة داعش منه والخاتمة عليه.

ولأكون أكثر دقة سأتحدث هنا عن “حوض الفرات” بتاريخه وأسباب أهميته حالياً وكيف ستصبح مدنه اسماً متداولاً بكثرة خلال السنوات القادمة, محاولاً وإياكم فهم الواقع أكثر عن طريق سرد حوادث وشهادات تمثل جزيئات صغيرة إذ ما جُمعت وضحت الصورة الأكبر.

في الصفحات القادمة سأحاول إلقاء الضوء على أهم مرحلة تمر بها سورية كونها منعطفاً هاماً في تاريخها فإما إلى فناءٍ يمحو كل أثر لها بشرذمتها وتقطيع أوصالها -لا قدر الله- كما يريد لها أعداؤها وعلى رأسهم النظام, أو إلى نهوضها من جديد لتعاود لعب دورها الأساسي ورسالتها السامية بكونها منبراً حراً وداراً للأمن والسلام, وذلك من خلال تسليط الضوء على المرحلة الحالية التي تنحصر بين عام 2011 تاريخ قيام الثورة الحديثة وعام 2017 تاريخ إعداد الدراسة زماناً, في منطقة حوض الفرات -التي أنتمي إليها- نظراً لأهميتها منذ القدم ولتأثيرها الكبير بالثورة على وجه الخصوص و باقي الأراضي السورية بشكل عام, مع المرور على أحداث المرحلة التي سبقت تفجير الثورة والتي كانت أهم العوامل لإشعال فتيلها. لنلقي الضوء على أهم الاسباب التي دفعت لهذه الثورة, و رداً على البعض وخاصة ممن لا يعرفون حقيقة الأمر في العقود الأربعة الأخيرة ممن يردد بأن الشعب السوري ليس له يد في قيام هذه الثورة, إنما قام بها بعض المندفعين أو المدفوعين, حتى ظن البعض أنها ثورة “البطرانين” على نظام علماني ديمقراطي تقدمي, ولكن أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه نظام القمع والاستبداد.

حوض الفرات :

 

  ما أن نذكر كلمة “حوض الفرات ” حتى يتبادر للأذهان التاريخ العريق الذي يزيد عمره عن ستة آلاف سنة, والخير العميم الذي يملأ المنطقة من خصوبة للأرض ووفرة للمياه وتنوع في الثروات الباطنية ويد عاملة بنت أعرق الحضارات وأرقى المدن ولعل جعبر وحلبية وزلبية والرحبة وترقا ودارا أرا بوس وماري أعظم شاهد عن تاريخ المنطقة. ولعل هارون الرشيد لم يختر الرقة الواقعة ضمن هذا الحوض عن عبث, إنما عن معرفة عميقة بطيب نسيمها وأرضها و أهلها, وخير دليل على خصوبة أرضه أن هارون الرشيد كان يسير منها إلى بغداد صيفاً دون أن يرى الشمس لكثافة أشجارها.

 إلا أن هذه المنطقة تعيش مآس لم تمر على مثيلاتها, فمن يتتبع الحياة من داخل هذه المنطقة يعرف أن خيرها للغرباء الطامعين, و يرجع ذلك لطيبة أهلها وتسامحهم ونسيانهم للأذى, وهذا ليس مبرراً لهم ولكن واقع عايشه الكثير من أهلها, فعلى الرغم من أنفة أهلها وقوة عزيمتهم وحسن استقبالهم للضيوف إلا أن ذلك لطالما انقلب على أهلها بامتصاص خيراتها عن طيب خاطر في كثير من الأحيان, مع إهمالٍ لها أوصلها إلى قلة التعليم المتعمد فيها أدى إلى جهلٍ و أمية بين ابنائها حتى أن تسمية ” المناطق النامية ” التي تطلقها الأنظمة المتعاقبة عليها كان يعتبر تهدئة وتخديراً لأهلها ووعوداً بأنها ستصبح مناطق متقدمة بعد أن يكتمل نموها وأن مشاريعاً قادمة ستجعل المنطقة في مقدمة المناطق لتوفر العوامل المساعدة على ذلك, لكن هذه الوعود تذهب أدراج الرياح لتبقى المنطقة رهن الاستغلال من قبل الأنظمة ويبقى مصدر الثروة الهائلة مفتوح للنهب بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معناً, وهذا ما دفع البعض للقول (إن الاقتصاد السوري عبارة عن بقرة رأسها في منطقة الفرات وضرعها في العاصمة يحلبه باستمرار) وهذا ما دفع آخر من أهل المنطقة أن يقول (قبلنا بهذا الوضع ولكن نرجو أن لا تستدير هذه البقرة لتقضي حاجتها في المنطقة) وهذا يعبر تماماً عما يجري فيها.

معظم القمح من المنطقة, القطن من المنطقة, الثروة الحيوانية من المنطقة, النفط من المنطقة, وبالمقابل أقل نسبة للمدارس  وأقل نسبة للوظائف الحكومية, وافتقار تام للمصانع في المنطقة, ضعف في الخدمات الصحية تشهدها المنطقة, وضعف بالمشاريع الاستثمارية علماً أن المنطقة مؤهلة للقيام بمشاريع كبرى على ضفاف الفرات أو في مناطقها الواسعة, وقد عرضت بعض الدول الأوربية والخليجية على النظام إقامة مشاريع فيها إلا أن الرفض كان رده عليه وكأنه يريد الابقاء على حالها طمعاً باستمرار استغلالها.

أقام النظام بها جامعة إسمية تفتقر إلى مقومات الجامعات الحقيقة وكأنها لذر الرماد في العيون علماً أن هذه الجامعة هي آخر جامعة في سورية تم إنشاؤها, وعلماً أن المنطقة تبعد عن العاصمة والجامعات الأخرى مئات الكيلومترات, ويتبع لهذه المنطقة عشرات الآلاف من الطلبة ممن عانوا الأمرين بالتحاقهم بالجامعات الأخرى, وأن هناك جامعات أقيمت على مقربة من جامعات سابقة لتنال حظها من التعليم في حين الحرمان المتعمد من التعليم كان نصيب منطقة الفرات, ولعل ذلك أهم سبباً من اسباب توقف معظم شبابها عن استكمال تعليمهم الجامعي والتوجه إلى العمل بالزراعة أو الهجرة للعمل في دول الخليج, إلا أن عدداً من أبناء المنطقة أثبتوا وبجدارة أنهم قادرين على التحصيل العلمي ونيل المعرفة مهما كانت الصعوبات ومهما وضع من عقبات وعراقيل, ليبرز في المنطقة عدداً من المفكرين اللامعين, وحملة الشهادات العليا ومجهود معظمه شخصي, ليثبتوا أنهم أهل للعلم والمعرفة وأنهم ليس أقل من غيرهم إن لم يكونوا أفضل ممن توافرت لهم الظروف المواتية والعوامل المساعدة .

 

ولكي يكون الأمر أكثر وضوحاً سنحاول تقديم استعراضاً بسيطاً للحياة في المنطقة خلال العصر الحديث مما يزال في ذاكرة من لا زال على قيد الحياة في المنطقة مما لا يحتاج إلى أدلة أو براهين, أو مما يتطلب وثائق تدعمه, وذلك بدأً من الخمسينات من القرن الماضي فترة ما يسمى بالحكومات الوطنية وما بعدها لنستشعر مدى الظلم الذي وقع عليها و الإهمال الذي نالته المنطقة على الرغم من عطائها و أيادي أهلها البيضاء التي لا يستطيع أحد نكرانها إلا جحوداً.

 

مرحلة الاستقلال :

 على الرغم من أن هذه المرحلة تعتبر بداية الاستقلال وكان الأمر غير مستقر لكثرة الانقلابات وتعاقب الحكومات إلا أن التركيز على العاصمة كان واضحاً مما جعل عدداً من المناطق الأخرى مهملة من الخدمات حتى الأولية منها, ولنبدأ من الحكومة والتمثيل فيها إلى الخدمات المقدمة لها .

فعلى سبيل المثال لم يكن خلال هذه المرحلة أي تمثيل لرجال من المنطقة في الحكومة, أما ما يسمى بالبرلمان فكان التمثيل فيه خجولاً وكالعادة لا يأخذ بعين الاعتبار رأي أهل المنطقة, مما أبقى على صوت أهل المنطقة غير مسموع لدى المسؤولين فظلت متطلباتهم بعيدة عن التنفيذ لتبقى المنطقة بحالة من التخلف لا يختلف عنه خلال الاستعمار الفرنسي, و ربما أسوء منه .

فالطرق التي تربط المنطقة بالمناطق الأخرى تكاد تكون نفسها منذ أن كان التنقل على الجمال أو منذ أيام طريق الحرير, على الرغم مما لها من دور كبير في إنعاش المنطقة, والوصول إلى العاصمة حلم من أحلام ألف ليلة وليلة يدغدغ الميسورين جداً جداً من أبناء المنطقة لذا كانت جامعة العاصمة تكاد تخلو من أبناء المنطقة إلا الندر اليسير ممن حالفهم الحظ علماً أن عدداً من الكليات والمعاهد فيها اسس بالعشرينات القرن الماضي, و حتى عندما قام النظام بفتح الطريق الذي يربط دمشق بدير الزور في منتصف الثمانينات كان عبارة عن عقوبة لحلب لموقفها المناهض للنظام في أحداث بداية الثمانينات للتوجه إلى دمشق وحرمان حلب من التبادل التجاري مع المنطقة الشرقية .

المدارس شبه معدومة ولا يوجد البعض منها إلا في مركز المحافظة, أما مراكز المدن الكبيرة فتقتصر على المدارس الابتدائية, حتى إذا ما أنهى الطالب تحصيله الابتدائي توقف عن مواصلة تحصيله الإعدادي و الثانوي لصعوبة ذلك مادياً ومعنوياً، إلا من القلة التي تتوفر لهم الظروف الخاصة دون مساعدة من الجهات الرسمية, و كم من مدرسة ابتدائية كانت عبارة عن دار سكن تبرع به أحد المواطنين لفتحه مدرسة.

المشاريع في المنطقة ضعيفة في جوانب ومعدومة في جوانب أخرى, حتى أن محاصيل المنطقة من قمح وقطن ونفط كانت تنقل إلى مناطق أخرى لتصنيعها, علماً أن المنطق الاقتصادي يتطلب وجود مثل هذه المشاريع على مقربة من مكان تواجدها كون نقلها مصنعة أسهل من نقلها مواد خام, إلا أن هذه القرارات كانت بيد من لا يهمه أمر المنطقة وأهلها, لذلك جاء الحرمان نتيجة لهذه القرارات و اقتصرت أعمال أهل المنطقة على الزراعة والرعي والصناعات اليدوية الخفيفة التي تتطلبها الحاجة وبعض الأعمال التجارية الخفيفة .

الوظائف الحكومية شبه معدومة, فقلة المدارس والمشاريع أدى إلى افتقار المنطقة للوظائف، وحتى المعلمين وسلك الشرطة وممن يدير بعض الدوائر هم من القادمين من المناطق الأخرى, ولو تحرينا هذا الأمر لوجدنا العديد ممن يذكر هذه المنطقة ممن لا ينتمون لها بأن آباءهم ممن خدموا في منطقة الفرات منذ ذلك الوقت وحتى السبعينات من القرن الماضي، إذ كان عدد من يعملون في الوظائف الحكومية من الوافدين من المناطق الأخرى يعادل عشرات الأضعاف من أهل المنطقة, وهذا ومع احترامي لمن خدم في المنطقة يؤدي إلى ضعف في العطاء وذلك لظروف المعيشة بالنسبة للوافد, والتغيب الكثير بسبب التنقل بين بلده ومكان الوظيفة, وهذا ما كان واضح الأثر على التعليم, خاصة ومع صعوبة فهم الأطفال في المدرسة للهجة المعلم الغريبة عليهم مما يمر زمناً بين محاولة المعلم للتأقلم مع لهجتهم وفهم بعض مفرداتها, أو تمكن الطلبة الصغار من التواصل مع المعلم الذي يعدونه غريباً عنهم.

وللأمانة على الرغم مما ذكر من تقصير إلا أن الوضع الاجتماعي و السياسي كان احسن حالاً مما هي عليه منذ بداية الستينات من القرن الماضي وحتى زمن اعداد هذه الدراسة, لآن الحريات كانت نوعاً ما متوفرة والأحزاب متعددة كالحزب الشيوعي والاخوان المسلمين والقومي السوري وأقلها حزب البعث الذي لم يكن له أثر يذكر بين الأحزاب الأخرى مما أظهر حالة من الوعي الوطني والشعور القومي في المنطقة جعل من الشباب ذوي طموح للتحصيل العلمي وبناء الذات رغم الصعوبات.

 

مرحلة الوحدة والانفصال.

 

 في هذه المرحلة القصيرة نسبياً حصل الظلم من قبل المسؤولين عن الإقليم السوري على جماهير وقفت بكليتها مع الوحدة لكنها لم تجني شيئاً مما كانت تصبو إليه, وعلى ما يبدو أن بعد القيادة عن مشاكل الشعب تفرد جمال عبدالناصر بالسلطة وأسلوبه المخابراتي الذي كان مسلطاً على الرقاب ,وتآمر الأحزاب على الوحدة بعد حل الأحزاب والفهم القاصر لدى الناس عن أهمية الوحدة لهم واختفاء ميزة التعدد السياسي على الساحة ليحل محلها سيطرة بعض الأفراد على القرار سرعت من عملية الانفصال.

 كانت هذه المرحلة مرحلة التناقضات فبين واقف مع الوحدة بكليته محباً لها بكل ما يملك من عواطف, وبين من وقف نداً ضداً لها بكل ما أوتي من قوة, الأمر الذي جعل من عدم الاستقرار سمة للمرحلة مما أدى إلى الانفصال.

خلال سنتين من مرحلة الانفصال كانت الهوة واسعة بين الحكومة التي تعتبر هادمة للوحدة وبين الشعب العاطفي الذي أحب الوحدة بكل جوارحه إلا أنها غابت عن فكره وفهمه لذا عجز عن حمايتها والمحافظة عليها وسلبت منه. لم يحصل أي تقدم في البلاد بل على العكس حصل تراجع عما كانت عليه, قرابة سنتين من التشتت في الأمور والغليان في الصدور وطموح الشباب بإعادة الوحدة جعل بعض الشباب الأحرار يفكرون بالقيام بثورة الثامن من آذار, إلا الانجراف خلف العواطف لدى الشباب الأحرار والذين أطلق عليهم “الوحدويون” فسح المجال للبعثيين بمصادرة الثورة وسجن بعض الشباب الأحرار وإقالة الضباط الأحرار من مناصبهم في الجيش ليجهض فكرة إعادة الوحدة ولتبدأ مرحلة جديدة من مصادرة الحريات وبدء قوانين الطوارئ وإعلان الحزب الواحد مع فشل ذريع في تحسين الأوضاع, علماً أن الحكومة والحزب القائد جاء بالقوانين الاشتراكية التي ستحول البلاد إلى جنة ينعم بها العمال والفلاحون وذوي الدخل المحدود والذين يعتبرون الكتلة الأساسية في تشكيلة حزب البعث, ولكن حزب البعث وكما عُهِد عنه منذ تأسيسه صاحب الأهداف البراقة والشعارات الرنانة خذل الشعب وراح أصحاب البدلات “الخاكي” التي تدل على التقشف بإطلاق الوعود المعسولة بمزيد من الحريات و الانتعاش الاقتصادي والاستصلاح الزراعي التي لم يأكل منه الشعب أو يشرب إلا السراب وندوات الحزب المناضل بغية تثقيف الناس فليس بالخبز وحده يحيا الانسان, لذا على المواطن أن يشبع ثقافة وإن حُرم من رغيف الخبز, و للأمانة كانت القيادة تحاول أن تصنع شيء لأفراد الحزب ومحبيه على اعتبار أن قطاع كبير من المواطنين ممن ينتمون إلى الطبقة العاملة هم ابناء الحزب, و من لا يقف إلى جانب الحزب فهو عدو له ولكن يجب أن نذكر هنا أن معظم من كانوا على سدة الأمور هم من أصحاب الذمة النظيفة ولم يثبت عليهم السرقة أو استغلال المنصب ولكن هناك ضعف في استغلال الموارد لتحسين أوضاع البلاد.

 إن كثرة معارضي الحزب هو بسبب سياساته وسلوك أفراده, فقيادات الحزب في المناطق والمحافظات هم من حملة الشهادات البسيطة أو من الأميين, فهو يتكون من العمال والفلاحين فلا ضرورة للشهادات هذا من الناحية النظرية. أما من الناحية العملية فإن قيادات الشعب والفروع تتخوف من أن انتماء أصحاب الشهادات والدارسين إلى الحزب سيحرمهم الاستمرار في القيادة واستبدالهم بأصحاب الشهادات, لذلك وقفوا بوجه انتساب المثقفين إلى الحزب, فوجدوا ضالتهم في الريف الذي كان التعليم فيه شبه معدوم, وإن كان أكثر أهل الريف لم يكن ممن يفكر بالانتساب للحزب, إلا أن قيادات المناطق جذبوا بعض النفوس للانتساب للحزب تحت وعدهم باستلام الجمعيات الفلاحية التي انشئت لمصلحة الفلاح والقضاء على الإقطاع, فكانت الجمعية سيف مسلط على رقبة الفلاح واستبدل الإقطاعي الشبعان بإقطاعي جائع ليأتي على الأخضر واليابس فيجد الفلاح نفسه حبيس ديون للمصارف الزراعية، ونهب من قبل القائمين على الجمعيات ولا أدل على ذلك من حادثة اصلاح لكس “فانوس” الجمعية, فقد جاء رئيس إحدى الجمعيات بفاتورة اصلاح له ولمرة واحدة بخمسمائة ليرة في حين أن ثمنه لا يتجاوز الثلاثين ليرة, فكم ستكون فاتورة إصلاح الجرار وماكينة المياه وعمل الساقية وكل ذلك من جلد الفلاح المسكين ومما يذكر بهذا الصدد أن أحد الفلاحين سأل وهو عائد من الحساب بنهاية الموسم عن حصته وما ناله بعد التعب والعناء فأجاب “لم أفهم شيء بس محاسب الجمعية أظهر ورقة الحساب وكرر كلمة صفر من صفر طار عدة مرات وقال لي أنك مطلوب للجمعية بمبلغ من المال ستخصمه الجمعية مع الفوائد في العام القادم“.

 لكن ما كان يدور في الخفاء ينذر بما ستؤول إليه الأمور فيما بعد,  ذلك أن سيطرة البعض من طائفة معينة على القرار جعل الظلم يقع على منطقة الفرات, علماً أن عدد كبير وللأسف من المسؤولين وفي الصف الأول هم من أبناء المنطقة, لكن الماء كانت تجري من تحتهم وهم وراء الشعارات الرنانة عن وحدة البلاد ويجب عدم تميز منطقة على حساب منطقة أخرى, ولكن ما كان يجري كان خلاف ذلك وسأسوق بعض الأمثلة على ذلك :

كان عدد المقبولين من الشبان المتقدمين للتطوع كضباط إلى الجيش من منطقة الفرات يعد على أصابع اليد الواحدة, فصحيح أن القيادات في الصف الأول هم من ابناء الفرات إلا أن الحقيقة تقول أن لا حول لهم ولا قوة فوزير الدفاع آنذاك كان “حافظ الأسد” ومن يترأس لجان القبول هم ممن عينهم و أوصاهم بنوعية المقبولين, فكان من ينفذ من المتقدمين من الفحص الصحي يرسب بالفحص الثقافي, فإن نفذ من هذا الفحص رسب في الفحص السياسي وهذا كان العقدة التي لا يمكن تجاوزها فيكفي أن يوضع بجانب اسم المتقدم اشارة تدل على أن أحد أقربائه حتى ولو كان من المرتبة الثالثة أو الرابعة وحدوي أو اخوان أو صوفي أو حتى متواجد في العراق, كانت كافية لرفضه, ذلك أن التفكير بما يسمى الجيش العقائدي قد بدأ منذ ذلك الوقت في ذهن الأسد الذي كان يريد بناء جيش يوافق عقيدته و توجهه وليس عقيدة الحزب كما كان الطرح.

في الجامعة وبالنسبة للفروع المتعلقة بالتعليم كان مشابهاً للجيش وإن كان بحدية أقل فيكاد القبول يقتصر على الحزبيين فقط لجعل التعليم حكراً على البعثيين خوفاً من أن يكون لغير البعثيين تأثيراً على الطلاب, و ذلك لأن ضعف الحزب و المنتسبين إليه جعلهم يرون أي معلم لا ينتمي إلى صفوفهم سيكون خطراً عليهم.

بالنسبة للوظائف الحكومية فكانت هي الأُخرى خاضعة للجان مشابها في غربلة المتقدمين لأن هذا الوطن خاص للبعثيين بل ولنوعية معينة منهم  .

جاءت نكسة حزيران لتوضح عدد من الأمور للقيادة النائمة ثم أحداث أيلول في الأردن لتكشف الأسد على حقيقته فقامت الحكومة بمحاولة تشكيل حكومة جديدة ليس للأسد مكاناً فيها, ولكن القرار لم يكن مدعوماً بقوة تحميه فرأى حافظ الأسد الذي كان قد هيء نفسه لهذه الساعة أن الفرصة أصبحت مواتية للانقضاض على رفاق الأمس أثناء اجتماع ليلي لهم وأودع الصف الأول منهم بأكمله السجن بلمح البصر وأعلن ما يسمى ” الحركة التصحيحية “.

 

خلاصة :

 

يستطيع القارئ رسم صورة مقاربة عن مدى سوء الوضع حالياً بتخيل أن الوضع الاجتماعي والسياسي مقبول بظل وجود احزاب كحزب الاخوان المسلمين أو القومي السوري أو حتى حزب البعث, وهو ما يعطي صورة جليه عن طبيعة نظام الأسد ونظام داعش “الإداري”, فعند القبول بالواقع القديم لمجرد وجود هامش من الحريات يطمح إليه أي انسان وهو احد الجوانب المنعدمة في نظامي حكم الاسد وداعش. رُسم للمنطقة التغييب عن الساحة السياسية منذ مرحلة الاستقلال, علماً أن نواة كثير من الحركات السياسية قد انبثقت من المنطقة إلا أنها صُدرت في وسط الطريق وحُرم أبناءها من المواصلة, حتى الذي أكملوا الطريق تم استخدامهم كأداة شكلية لتسيير الأمور وتمرير القرارات لأبعاد الصبغة الطائفية أو القومية عنها.

أغيد الخضر

مُدون ومحرر سوري، من مواليد مدينة البوكمال في ريف ديرالزور، حاصل على شهادة الليسانس من كلية الآداب قسم اللغة العربية.

3 تعليقات

اترك رد