أبي الحسن الأزدي من التورع عن دماء المدنيين إلى استهدافهم المباشر | القسم السادس

خاص سرمد الجيلاني – صوت وصورة 


هذه الورقة البحثيّة هي السادسة من سلسلة مواد سيتم نشرها بشكلٍ أسبوعي تتحدث عن “نبوءة داعش” ونشأتها منذ ولادة الفكرة في القرن الماضي حتى يومنا هذا.

 


مقدّمة

 لطالما بقيت فتوى “التترس” محل خلافٍ كبيرٍ بين علماء المسلمين عموماً و المنظّرين “الجهاديين” خصوصاً بحكم وقوعهم في حالتها كثيراً أثناء المعارك، التترس والذي يعني احتماء “العدو” بين أُناسٍ يُحرّم قتلهم من المسلمين أو غيرهم وذلك منعاً للهجوم عليهم، وقد تعددت الأحكام بخصوص هذا الحال، من المنظّرين من أجاز الهجوم وأنّ الله يغفر لمن يشاء لو قُتِل، ومنهم من شدّد على حالاتٍ قليلة جداً، ولكن أبا الحسن الأزدي قد تجاوز كل ما سبق وكان من أوائل من قد أعلن موقفه بمهاجمة النساء و الأطفال من غير المسلمين بشكلٍ مقصود لا من ضمن عمليّة يُقتلون بها.

نتحدث في هذه المادة عن كتاب القسطاس العدل، والذي يُعتبر مرجع تنظيم داعش الأول في فتاوى استهداف النساء و الأطفال من غير المسلمين أو من في حكمهم، إذ أن من يصنّفهم التنظيم و أتباعه من “المرتدّين” تشملهم فتوى القتل هم و نسائهم و الأطفال.

 

الكاتب

 

لم يحظى أبي الحسن الأزدي بشهرةٍ إعلاميّة كبيرة، أو أنّه هو من أراد ذلك، ورغم استخدام كتبه من قبل تنظيم داعش و اعتباره أحد أعضاء الدائرة الشرعيّة القياديّة للتنظيم، وهؤلاء من يقع عليهم تركيز المخابرات العالميّة لكشف شخصياتهم، لم يُعرف عنه الكثير حتى الآن.

يُرجَّحُ أن الأزدي ينحدر من الخليج العربي، ويُقال أنه قد قاتل ضمن صفوف تنظيم القاعدة في العراق قبل انضمامه إلى تنظيم داعش في سوريا، ولكن وجوده في العراق لم يساعده على سطوع نجمه كمنظّرٍ جهادي، علماً أن كتاب القسطاس قد كُتِب في أثناء تلك الفترة. يُعرف الأزدي بآرائه الحادّة وهذا ما يلاحظه القارئ في كتبه التي تدعو إلى سفكِ دماء المدنيين، كما أنّه بدأ بمهاجمة المخالفين لتنظيم داعش حتى من كان في صفّهم مثل تنظيم جبهة النصرة ذراع القاعدة في سوريا، وله رسائل هجوميّة ضد الشيخان ناصر العمر و سلمان العودة، علماً أن جبهة النصرة و الشيخان اللذان سبق ذكرهما يُحسبان على التيار السلفي ذاته، ولكنّ تمسّك الأزدي بمهاجمة التيارات السلفيّة الجهادية غير المنضوية تحت راية تنظيم داعش و تيارات السلفيّة السرورية، جعلته أكثر المتشددين لفكر تنظيم داعش من بين باقي المنظرين الشرعيين في محيطه.

و للأزدي مؤلفات كثيرة أصدرها منذ انضمامه لتنظيم داعش منها “موجبات الانضمام للدولة الإسلاميّة في العراق والشام : اعتراضات وجوابات” والصادرة عن مؤسسة “المأسدة” و “موجبات الانضمام للدولة الإسلاميّة” بالإضافة إلى “توبيخ الغالطين على إمام الحرمين فيما نسبوه إليه من دعوى تقويض الإمامة بنقصان التمكين” والصادر عن مؤسسة “ألغرباء”.

و قد بقي هناك مكانة خاصة لدى تنظيم داعش لمؤلفين مخصوصين كانت سبب شهرته داخل التنظيم، الأول رسالة كانت بعنوان “القائد الجولاني بين النصيحة والتغرير” وتعتبر من أوائل الرسائل التي توجهت ضد أبو محمد الجولاني قائد جبهة النصرة وقد كانت في شهر آذار من عام 2013، أي قبل ما يقارب شهر من إعلان تنظيم داعش عن نفسه.

و المؤلف الثاني هو “الإجافة لشبه خصوم دولة الخلافة” المكوّن من 26 صفحة، وقد تم إصداره في أوائل شهر تموز من عام 2014 بعد أيامٍ من إعلان أبو بكر البغدادي قائد تنظيم داعش لما أسماه “الخلافة الإسلامية”.

أما الكتاب الذي سنتحدث عنه اليوم فيعود لما قبل نشأة التنظيم بسنتين وقد انتشر كثيراً بعد إعدام التنظيم للطيار الأردني معاذ الكساسبة حرقاً إذ أنهم قد استندوا “شرعياً” على هذا الكتاب.

 

الكتاب

 

“القسطاس العدل في جواز قتل أطفال ونساء الكفّار معاقبةً بالمثل”، لعلّ اسم الكتاب وحده يظهر معناه، ونستطيع اعتباره أنّه الفتوى المُراد بها من كلِّ ما ورد في الكتاب.

صدر الكتاب في الشهر السابع – تموز – من عام 2011، في الوقت الذي كان أبي الحسن الأزدي ما زال فيه عنصراً في تنظيم القاعدة و قبل نشوء تنظيم داعش بعامين تقريباً، وعلى الرغم من انتشاره لم يلقى اهتماماً كبيراً حتى قام تنظيم داعش بحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، ليعلن عناصر التنظيم أنه قد استندوا شرعياً على هذا الكتاب، ويتداولون بعد أشهر أقسامٍ منه مترجمةً إلى اللغة الانكليزية، لينتشر بشكلٍ كبيرٍ بعدها بين عناصر التنظيم بشكلٍ خاص، وبين الناس بشكلٍ عام.

يُعتبر الكتاب تأصيلاً للكثير من الأحكام التي يقوم بها تنظيم داعش، إذ أن الأزدي حاول جمع آياتٍ وأحاديث و شروحاً لها، و اعتمد تأويله الخاص بعد عرضها محاولاً جعل الكتاب وثيقةً جامعة لأدلّة وبراهين قد وضع تأويله فيها موجّهاً القارئ لما يُريد بطريقةٍ غير مباشرة، يُجيز فيها قتل النساء و الأطفال من غير المسلمين و التمثيل بجثث كل من يعتبره عدو والحرق والقتل بشتى الطرق، تحت بند ما أسماه “المعاملة بالمثل”.

يُقسّم الأزدي كتابه إلى عشرة أقسام رئيسية، هي مقدمة، ثمانية أقسام يُسمّيها “أدلّة” و في كل قسم من هذه الأدلّة يوجد آيات وأحاديث و فتاوى مقتبسة من علماء كثر أهم من تكرر منهم الأمين الشنقيطي و ابن حنبل و ابن تيميّة وابن الكثير بالإضافة لاقتباسات من البخاري ومسلم، يلحقها تأويلٌ قد كتبه الأزدي يحاول فيه مطابقة ما ذُكر مع فكرته ليقوم بختم كل دليل بجملة “وهذا وجه الدلالة على إباحة قتل أطفال ونساء الكفار معاقبةً بالمثل” والتي اختلفت أحياناً لفظاً وتطابقت معنىً، ومن ثم خاتمة الكتاب.

بدايةً يصف الأزدي كتابه في المقدمة بأنّه “ورقات رقمتها، وأدلة جمعتها، ودلائل وحجاج زبرتها، في إباحة قتل نساء الكفّار وأطفالهم ومعصوميهم معاقبة بالمثل، مضمومة بجواباتٍ مفندات، لشُبه للمخالفين وإيرادات”، وقد تطرق الأزدي إلى اعتبار الكثير من المسلمين “مرتدّين” وخصّ منهم من وصفهم بأنهم “منتهكي تحريم موالاة الكفّار”.

ويتجلى لنا أن المقدمة قد كُتبت خلال أقلِّ من شهرين، إذ أنّه يذكر حادثة مقتل أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة – قُتل بن لادن في 2 أيّار من عام 2011 أي قبل شهرين من إصدار الكتاب، وهنا يلفت الكاتب النظر إلى مقالٍ بعنوان “هل تعلن القاعدة مبادرة لوقف العنف” مهاجماً ما ورد فيه و هيئة التحرير التي كتبته دون ذكرهم، والمقال قد ورد في مجلة البيان والتي دعت حينها إلى إلقاء السلاح والالتزام بالإسلام السياسي، و أورد هنا انتقاده لما ورد في المقال مما أسماه “حرمة قتل النساء والأطفال” ليكمل بعدها أنّه سيذكر أدلّة وبراهين مقسّمة إلى 8 أقسام، وينبّه أبو الحسن أنّ هناك أدلةً أكثر مما جمعه ولكنّه قرر نشر هذه فقط ضمن كتابه.

يبدأ دليله الأول بقول الله تعالى (( الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أنّ الله مع المتقين )) }البقرة 194{

مقسّماً إياها إلى 6 مسائل و لكل مسألة عدّة أوجه مقتبساً شروحات من تفسير الطبري و المحرر الوجيز وجامع البيان، بالإضافة إلى تفسير ابن أبي حاتم و آخرون، لينهي الاقتباسات بتأويله أنّ “قياس انتهاك المشركين حرمة الشهر الحرام، انتهاكهم حرمة نسائنا وأطفالنا بالقتل، بجامع التحريم في كلا الصورتين، فإذا أبيح للمسلمين في الشهر الحرام قصاصاً ومماثلة لاستباحة المشركين له، مع كونه محرماً عليهم لولا انتهاك المشركين له، فكذلك يباح قتل نساء وأطفال المشركين قصاصاً و مماثلة، لقتلهم نساء وأطفال المسلمين، مع كون قتلهم حراماً لولا انتهاكهم حرمة نسائنا وأطفالنا بالقتل، فكما اتحدا في الحرمة أصالة، فكذلك يتحدان في الإباحة لاتحادهما في سببها وهي المقاصة والمماثلة”.

أما الدليل الثاني الذي ذكره قول الله تعالى (( و إن عاقبتهم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين )) }النحل 126{

ويرى فيها أيضاً خمسة مسائل قد اقتبس شروحها وتفنيدها من كتاب إرشاد العقل السليم و سنن الترمذي ومسند الإمام أحمد بالإضافة إلى مجمع الزوائد والمجمع الكبير و كتبٌ أخرى، أما تأويله، فإن الأزدي يرى أن الآية تدل على “إباحة المعاقبة على كل عدوان، بشرط المثليّة في العقاب من غير طغيان” إذ يرى إن قتل قاتل أطفال و نساء المسلمين فقط ليس معاقبة بالمثل ما لم يتم قتل نساء و أطفال من غير المسلمين أيضاً، حيث يرى أن “الكفّار” و “المرتدين” قد أبيحت دمائهم أصلاً بمجرد محاربتهم للمسلمين، ولكن هذه الفتوى لإباحة قتل الأطفال والنساء المدنيين منهم بشكلٍ خاص.

الدليل الثالث للأزدي هو قول الله تعالى (( والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون )) } الشورى 39{

وقد اقتبس فيه الشرح من كتاب فتح القدير و نظم الدرر في تناسب الآيات والسور مع شرحٍ من التحرير و التنوير بالإضافة لصحيح البخاري وكتب أخرى.

وفي تأويله للآية يرى الأزدي أن قتل نساء وأطفال المسلمين يُعتبر بغي، ولا انتصار لهذا البغي إلا بقتل نساء و أطفال من غير المسلمين، ويصف قتلهم في هذه الحالة “انتصاراً مقابل بغيهم، وهو ممدوح”.

الدليل الرابع في الكتاب قوله تعالى (( وجزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنّه لا يحبّ الظالمين )) } الشورى 40{

وكان اختيار اقتباسات الشرح هنا من كتاب الناسخ والمنسوخ و جامع البيان و نظم الدرر و الكشّاف و فتح القدير بشكلٍ رئيسي بالإضافة إلى كتاب معنى القرآن وإعرابه و كتبٌ أخرى.

وفي التأويل يقول الأزدي أن كلمة سيئة في هذه الآية قد أتت جِناس، ولكن لم يُقصد في السيئة الثانية أنها سوء، حيث يقول أن سيئة قتل الكفار لأطفال ونساء المسلمين تقابلها سيئة قتل المسلمين لأطفال و نساء غير المسلمين، و يختم تأويله بالقول “وهذا هو الجزاء المماثل لسيئتهم، فكان مشروعاً”.

خامس الادلّة في الكتاب هو تكمل الآيتين التي سبق ذكرهما في الدليلين الثالث و الرابع من سورة الشورى وهي قوله تعالى (( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل )) } الشورى 41{

واقتبس هنا من كتاب سنن ابن ماجة و التحرير والتنوير و مصباح الزجاجة بالإضافة إلى النهاية لابن الأثير و عدّة كتبٍ أخرى.

و يشرح تأويله هنا بالقول “إن (من) في قوله تعالى (( ولمن انتصر )) هي الشرطية وهي من صيغ العموم فنعم لكل منتصر، والعموم في الأشخاص يستلزم العموم في الأحوال والأزمنة والأمكنة.

ثم قوله عز وجل : (( ظلمه )) نكرة مضافة إلى المعرفة فنعم كل مظلمة.

ثم قوله سبحانه (( من سبيل )) نكرة في سياق النفي (( ما )) فنقى كل مؤاخذة على الانتصار، وأكد عموم النفي بإدخال (( من )) على (( سبيل )).

فتضمنت الآية ثلاثة عموميات، عموم في كل منتصر، وعموم في كل ظلم، وعموم في نفي الجناح على الانتصار، فشملت الآية مسألتنا من جهاتها الثلاث.”

الدليل السادس في الكتاب يعتمد على قصة الأُناس الذين قدموا من عكل – أو عرينة – في عهد الرسول وقاموا بعد إعطائهم الأمان بقتل راعٍ من المدينة – ويُقال أنهم كانوا اثنان عاد أحدهما إلى الرسول – و بعد الإمساك فيهم قد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقطعِ أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرّة حتى الموت.

و يقول الحديث ((عن أنس بن مالك أن ناسا من عرينة قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فاجتووها فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها ففعلوا فصحوا ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام وساقوا ذود رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فبعث في أثرهم فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا)) وفي بعض الروايات (( وسَمَرَ أعينهم )).

وفي تأويل الأزدي لشرح الحديث يقول “وجه الدلالة أن النبي مثّل بالعرنيين لما مثّلوا بالراعي مع كونه نهى عن المثلة” ويشرح سبب ذلك أنّهم قد ارتدّوا عن الإسلام أولاً، وأن ما فُعِلَ بهم هو قصاصاً وذلك يراه “قصاصاً وإن كانت محرمة أساساً”.

ويقيس الأمر على قتل الأطفال والنساء من باب القصاص لدماء النساء والأطفال من المسلمين.

الدليل السابع يعتمد أيضاً على حديثٍ للرسول و هو (( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: عَدَا يَهُودِيٌّ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَارِيَةٍ، فَأَخَذَ أَوْضَاحًا كَانَتْ عَلَيْهَا، وَرَضَخَ رَأْسَهَا، فَأَتَى بِهَا أَهْلُهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ فِي آخِرِ رَمَقٍ وَقَدْ أُصْمِتَتْ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَتَلَكِ؟» فُلاَنٌ لِغَيْرِ الَّذِي قَتَلَهَا، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا: أَنْ لاَ، قَالَ: فَقَالَ لِرَجُلٍ آخَرَ غَيْرِ الَّذِي قَتَلَهَا، فَأَشَارَتْ: أَنْ لاَ، فَقَالَ: «فَفُلاَنٌ» لِقَاتِلِهَا، فَأَشَارَتْ: أَنْ نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُضِخَ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ )).

و في قد ذُكِرَ في سنن أبي داوود وصحيح مسلم، أن اليهودي قد قُتل لاعترافه إذ أنّه ثبت في أصول الشريعة أنّه لا يُقتل أحدٌ بدعوى أحد ووجب التنويه هنا فقط وليس الأمر في سياق حديثنا.

اعتمد أبو الحسن في الشرح هنا على صحيح البخاري وصحيح مسلم و كتاب النهاية ومعالم السنن بالإضافة إلى المنهاج وكشف المشكل و غيرها من الكتب.

ويرى الأزدي في تأويله هنا أنّ الحديث “دليل على مشروعية قتل القاتل بمثل ما قُتل به” ويوضّح في عدّة اقتباساتٍ وجوب قتل القاتل بمثل ما قتل، سواءً كان بحجرٍ أو بسيف ويقتبس من كتاب المحلى في شرح المجلى بالحجج والآثار لابن حزم الأندلسي “فقالوا : فإن نكحه حتى يموت ؟ قلنا يستدبره بوتد حتى يموت، لأن المثل محرم عليه”.

ويختم الأزدي تأويله أنّ التمثيل والتعذيب محرمٌ ولكن يُباح هنا وكذلك قتل الأطفال والنساء من “الكفّار” إذا كان الأمر قصاصاً.

الدليل الثامن والأخير هو حديث الرسول صلى الله عليه و سلم (( عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم ))

*المستبان، بتشديد الموحدة، تثنية اسم الفاعل من باب التفاعل، أي : المتشاتمان، وهما اللذان سبّ كلٌّ منهما الآخر.

و كانت اقتباسات الشرح هنا من كتاب المنهاج و مرقاة المفاتيح بالإضافة إلى مجموع الفتاوى و إعلام الموقعين.

و يشرح تأويله الأزدي هنا أن “الحديث نصّ في أنّ إثم السب من البادئ” ويسقط الأمر على أنّه إباحة لقتل أطفال ونساء “الكفّار” والإثم يقع على البادئ أيضاً.

و يختم كتابه بأنّه قد أنهاه في مطلع شهر شعبان من عام 1432 للهجرة وهو ما يقابل الشهر السابع من عام 2011 وينصح بالعودة إلى أقسام الشبهة، وهي ردودٌ جاهزة، قد حضّرها الأزدي لمن يشكك بما أورده من تأويلات.

الخلاصة

 كان لانتقال الأزدي من مرحلة استهداف أعدائهم ممن قد شاركوا في قتلهم ولو قُتل بعض المدنيين لا مشكلة في ذلك، إلى مرحلة استهداف المدنيين عموماً والنساء والأطفال خصوصاً أثرٌ كبير، بشكلٍ خاص على من أسميناهم سابقاً الجيل الثاني من “الجهاديين” والذين بدأوا بأبي مصعب الزرقاوي ومن بعده، ولعلّ هذا الأمر يتجلّى لنا بمقاتلة أبو الحسن الأزدي في العراق وانتقاله إلى تنظيم داعش دون مرورٍ له في أفغانستان أو باكستان أبداً – هذا المعلومات المتوافرة -.

ولطالما تم اعتبار الأزدي أنّه من الدائرة المقربة للبغدادي، وعلى الرغم من أنّه جزءٌ من التنظيم وهو ما يخالف هذه السلسلة التي تحدثت عمّن كانوا قبل التنظيم فقط، ولكنّ فكره الذي انتشر قبل عامين من نشأة التنظيم والذي تطابق مع السياسة الشرعيّة للمعاقبة التي ينتهجها التنظيم استدعى الحديث عنه و عن الكتاب.

وبشكلٍ خاص أن التنظيم يلقي على عاتقه فتوى حرق الطيار معاذ الكساسبة عملاً بالمثل إذ أنهم قد ذكروا قصف الطيار لعدّة أماكن في سوريا تقع تحت سيطرة التنظيم و قد حُرق العديد جراء الغارات.

و من الملاحظ إهمال الأزدي لعدّة أحاديث تناقض كتابه تماماً مثل حديث “أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية، وقال لهم “إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما بالنار” ثم قال بعد ذلك “إني أمرتكما بإحراق فلان وفلان، والنار لا يعذب بها إلا رب النار، فإن وجدتموهما فاقتلوهما”.

و حديث “عن جده رباح بن ربيع قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلا فقال انظر علام اجتمع هؤلاء فجاء فقال على امرأة قتيل فقال ما كانت هذه لتقاتل قال وعلى المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلا فقال قل لخالد لا يقتلن امرأة ولا عسيفا”

و وصايا أبو بكرٍ العشر التي أوصى فيها يزيد بن أبي سفيان حيث قال “لا تقتلن امرأة، ولا صبيا، ولا كبيرا هرما، ولا تقطعن شجرا مثمرا، ولا تخربن عامرا، ولا تعقرن شاة، ولا بعيرا، إلا لمأكلة. ولا تحرقن نحلا، ولا تفرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن. “

وبهذا يُسْقط الكتاب مفاهيم “التقوى والصبر ودفع الأمور في باب الله” مقتصراً على تأويلٍ واضحٍ داعٍ للقتل والدمار مرضياً فيه المقاتلين المتحمسين والساعين منهم إلى الثأر خصوصاً، وناسفاً لخطابات الظواهري زعيم تنظيم القاعدة حالياً – ذكرناها سابقاً في الورقة البحثية التي تتحدث عن الزرقاوي – والتي كانت تدعو لعدم قتل المدنيين أو عدم التفاخر بذلك إعلامياً على الأقل.


القسم الأول من الدراسة
داعش بين المرحلية و البقاء في نظرية المراحل الست | القسم الأول

القسم الثاني من الدراسة

التنظيمات “الجهادية” بين فطرتها و صناعة المخابرات لها| القسم الثاني 

القسم الثالث من الدراسة 

“أبو بكر ناجي” واضع حجر الأساس لتنظيم داعش| القسم الثالث

القسم الرابع من الدراسة 

“إدارة التوحش” الفاصل بين جِيْلَين من “الجهاديين” | القسم الرابع

القسم الخامس من الدراسة

“الفريضة الغائبة” لمحمد فرج دستور الأوائل | القسم الخامس  

Syrian blogger , ‎Advocacy Trainer of Sound and Picture organization , Co-Founder at Raqqa is Being slaughtered silently

اترك رد