داعش و عملية الاحتيال الكبرى

محمد خضر – خاص صوت وصورة 



أطلق تنظيم داعش ما أسماه “عملة الدولة الإسلامية” في نهاية عام 2014, بعد أن ضخ الكثير من المواد المرئية و المكتوبة التي تتغنى بالمكاسب الاقتصادية التي سيحوز عليها المواطنين القاطنين في مناطقه, زاعماً أن العملة التي أطلقها تهدف إلى الخروج عن سيطرة البنوك الدولية على النقد و محاربة الدول الغربية التي تتحكم بهذه البنوك
.

التنظيم أراد بسك العملة ترسيخ خلافته في مناطق سيطرته, والاستفادة مالياً من الثروات الموجودة في المنطقة, فأطلق الدينار الذهبي و الدرهم الفضي و الفلس النحاسي بمختلف الفئات لكل منها, و قد تجاوزت قيمة الدينار الذهبي عند إطلاقه 140 دولار أمريكي, في الوقت الذي يعاني فيه السكان في مناطق سيطرة تنظيم من الأوضاع الاقتصادية السيئة و شح الأموال, إلا أن التنظيم حاول إقناع المدنيين بالتعامل بعملته التي أطلقها واعداً إياهم بارتفاع قيمتها لعدم قدرة الغرب على التلاعب بها, على الرغم من وعي التنظيم بزيف الوعود التي أطلقها لغياب كافة المقومات المطلوبة لنجاح عملته, فالعملات التي أطلقها لم تتجاوز قيمتها القيمة التي يحملها المعدن المسكوكة منه, بسبب عدم اعتراف أي دولة بهذه العملة, و عدم وجود قدرة للتبادل بها, إضافة لارتفاع قيمتها التي لا تتناسب مع القدرة الشرائية للمواطنين في مناطق سيطرته, ما دفع المدنيين إلى رفض التعامل بهذه العملة في التعاملات النقدية اليومية, الأمر الذي لم يعجب التنظيم بسبب قلة المردود عما كان يخطط له التنظيم, فانتقل إلى المرحلة الثانية وهي إجبار المواطنين على التعامل بهذه العملة.

في البداية عمد التنظيم إلى توزيع عملته على مكاتب الصرافة و أجبرهم على شراء كمية منها لكل مكتب مقابل الدولار الأمريكي حيث وضع قيمة للدينار الذهبي تعادل 139 دولار و للدرهم الفضي 1 دولار و لكل 10 فلوس نحاسية 6.5 سنت, و وعد التنظيم أصحاب المكاتب على إيجاد سوق لهذه العملات عن طريق إجبار التجار الذين يقومون بشراء النفط من التنظيم على الشراء بعملته حصراً وعدم قبول أي عملة ثانية, و هي ما يعتبر الخطوة الثانية من خطة التنظيم لفرض عملته, ما أجبر كافة التجار الذين يشترون النفط من التنظيم على استبدال الدولارات التي بحوزتهم مقابل عملات التنظيم ليستطيعوا شراء النفط, هذه الدولارات التي تعود بدورها مرة أخرى للتنظيم في دورة توزيع العملات على المكاتب.

أبو محمد أحد أصحاب مكاتب الصرافة قال :”أمرنا عناصر التنظيم على شراء كمية معينة من عملة التنظيم أسبوعياً و كان إغلاق المحل و السجن هو مصير الرافضين لشراء هذه الكمية, مما دفعنا لقبول شراء هذه الكمية التي كانت في معظم الأحيان بلا ربح بسبب عدم القدرة على تصريف هذه الكميات, بينما اختار الكثيرون إغلاق محلاتهم لعدم التعرض للخسارة أو السجن”.

 المدنيون الذين لا يتعاملون بالنفط لم يتأثروا بهذا القرار في بداية الأمر, لذا انتقل التنظيم إلى الخطوة الثالثة وهي إجبار مكاتب الحوالات على تسليم الحوالات المالية الواردة إلى مناطق سيطرته بعملة التنظيم, مسبباً انتعاش سوق الحوالات السوداء بعيداً عن أعين التنظيم, فارتفعت قيمة العمولة التي يتقاضاها أصحاب المكاتب من المواطنين مقابل تسليمهم بالعملات الأخرى, على الرغم من محاولة التنظيم منع ذلك, لمنه وقف عاجزاً لكثرة مكاتب تحويل الأموال و سرية عدد كبير منها.

أبو خالد صاحب مكتب حوالات في ريف ديرالزور قال :”فرض التنظيم علينا الكثير من القرارات الجائرة, فعمد إلى فرض ضريبة على كافة الحوالات الواردة, كما أمر بتسجيل كافة الحوالات الصادرة والواردة في دفاتر خاصة كان عناصر التنظيم يفتشونها دورياً, ثم أجبرنا على تسليم الحوالات الواردة للمدنيين بعملة التنظيم, الأمر الذي كان يعني خسارة كبيرة لكل من مكاتب التحويل و المدنيين, فبدأ أصحاب المكاتب بتسليم الحوالات بعيداً عن أعين عناصر التنظيم لمن يثقون بأنهم لن يشوا للتنظيم بهذا الأمر, إلا أننا كنا نتعرض لكثير من المضايقات مع تعرضنا لخطر كبير لقيامنا بذلك”.

انتقل التنظيم بعدها إلى الخطوة الأخيرة و هي منع تداول أي عملات غير عملة التنظيم, فأصدر قراراً يجبر المدنيين و أصحاب المحلات على حد سواء على التعامل بعملته, و تحديد عقوبة مصادرة الأموال و السجن للمخالفين, و هنا بدأ التنظيم بفرض قيمة لعملته تتجاوز قيمتها الحقيقية. أحد أصحاب المحلات في ريف ديرالزور قال :”أجبرنا التنظيم على الإعلان عن أسعار البضائع بعملة التنظيم, و البيع و الشراء بهذه العملة فقط, و وضع قيمة لهذه العملة تتجاوز قيمتها الحقيقية, في الوقت الذي نشتري فيه هذه البضائع من خارج مناطق سيطرة التنظيم, و التي نضطر لدفع ثمنها بالعملات الأخرى, مما يعني خسارة كبيرة, كما أن عدد كبير من أصحاب المحلات أغلقوا محلاتهم و جلسوا في المنزل بانتظار تغير الأوضاع, مفضلين بقاء هذه البضائع في المحال على أن يخسروا قيمتها “.

 

إلا أن التنظيم و بعد انحسار سيطرته عن كثير من المناطق في سوريا و العراق لم يعد قادراً على ضخ المزيد من العملات, فعادت العملات الأخرى إلى التداول في مناطق سيطرته بعد أن سحب التنظيم ملايين الدولارات مقابل عملته في واحدة من أكبر عمليات النصب التي شهدها التاريخ.


محمد الخضر 

مدير منظمة صوت وصورة وصحفي في الثورة السورية يكتب في مجالات عدة ابرزها الجانب الإقتصادي

 


نحن مجموعة من الناشطين الحقوقيين وبعد ملاحظتنا لقلة الجهات التي توثيق الانتهاكات المرتبكة بحق المدنيين في سوريا، قررنا إنشاء هذه المنظمة و التي تختص بتوثيق الانتهاكات المرتكبة من قبل جميع الجهات للعمل على محاسبتهم من قبل المجتمع الدولي. المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

اترك رد