“الفريضة الغائبة” لـمحمد فرج، دستور الأوائل | القسم الخامس

 خاص صوت وصورة – سرمد الجيلاني 


هذه المادّة هي الخامسة من سلسلة مواد سيتم نشرها بشكلٍ أسبوعي تتحدث عن “نبوءة داعش” ونشأتها منذ ولادة الفكرة في القرن الماضي حتى يومنا هذا.


 

ربما يرى كثيرون أن الحديث عن كتاب “الفريضة الغائبة” لمحمد عبدالسلام فرج هو حديثٌ عن تنظيم “الجماعة الإسلامية” في مصر، أكثر من كونه حديثٌ عن القاعدة و تنظيم داعش، ولكن التطرق لكتابه – برأيي – هو أمرٌ مهم فيما بعد، إذ أنه من الوثائق الأولى التي جمعت فتاوى لابن تيمية و غيره بالإضافة لأحاديث و آيات متخصصة فقط في الجهاد و عرضتها مع تأويل الكاتب تحريضاً لـ”جهاد القتال” بالإضافة لفتاوى تقوم عدّة تنظيمات إسلاميّة اليوم باستخدامها مثل “التترّس”, أي استهداف مجموعة من المقاتلين “كفّار أو مرتدين أو من في حكمهم” في وسط مدنيين مسلمين أو مجموعة مقاتلين ممن سبق ذكرهم مع مسلمين قد جُبروا على القتال و حكم استهدافهم – بالإضافة لفتاوى جدليّة أخرى .

 

الكاتب

 محمد عبدالسلام فرج، أحد منظّري الجهاد المصريين، ويُقال أنّه كان القائد المُسيّر لـ”جماعة الجهاد” المصريّة، أحد المخططين في عمليّة اغتيال أنور السادات الرئيس المصري في عام 1981، يميل فرج إلى فكر السلفيّة القطبية – السلفيّة المنتميّة إلى فكر سيد قطب – و عُرف عنه قراءاته لسيّد قطب و أبي الأعلى المودودي، كما تأثّر في كتابات محمد عبدالوهاب و ابن تيميّة و ابن الكثير – هذا ما سنلاحظه في كتابه -، ويختلف فرج عن غيره من منظّري القاعدة و داعش بتركيزه على “قتال العدو القريب بدل العدو البعيد” أي قتال من أسماهم “الطواغيت” و هم حكّام أنظمة الدول العربية والإسلاميّة في المنطقة و بعد إحكام السيطرة يتم الانتقال إلى قتال الدول البعيدة، تم إعدام فرج في عام 1982 مع منفذي عمليّة اغتيال السادات، و أكثر ما يرجّح تأثّر بعض الجماعات الإسلاميّة في سوريا بكتاباته – تنظيم القاعدة أو ما كان يُسمّى جبهة النصرة سابقاً و فتح الشام فيما بعد – هو تواجد أحمد سلامة مبروك أو المعروف باسم أبو الفرج المصري أحد المقربّين من محمد فرج في ذلك الوقت ضمن “مجلس الشورى” لتنظيم فتح الشام، والذي قُتل في العام الماضي بمحافظة إدلب شمال سوريا .

 

الكتاب

 اعتمد التيار السلفي بمعظم جماعاته في مصر على الفقه الشفهي في أفكاره – منذ نشأته حتى نهاية سبعينيات القرن العشرين – و لعلّ هذا ما دفع محمد عبدالسلام فرج إلى خطِّ كتابه “الفريضة الغائبة” والذي يعتمد معظمه على اقتباس الأحاديث و الآيات، بالإضافة لفتاوى و كتابات ان تيميّة و ابن الكثير و غيرهم مع العمل على شرحها و تأويلها. عَمِلَ فرج في معظم الكتاب على تأويل اقتباساته و محاولاً جعلها عموميّة, إذ أنّ بعض الآيات و الأحاديث كان لها حوادثها الخاصّة التي نزلت بها، وبإصداره لكتابه و نشره بين الجماعات السلفيّة وقتها، جعلهم يستغنون عن تصوير و طباعة الأوراق التي يحتاجونها فقط من الكتب الإسلاميّة – هذا ما كانوا يفعلونه قبل نشر الكتاب – وهذا ما جعله الدستور الأول المخطوط لديهم والجامع لكافة الفتاوى التي يحتاجونها .

وفي مقدمة الكتاب يعلل فرج سبب جمعه لما فيه “إن الجهاد في سبيل الله بالرغم من أهميته القصوى و خطورته العظمى على مستقبل هذا الدين فقد أهمله علماء العصر و تجاهلوه بالرغم من علمهم بأنّه لسبيل الوحيد لعودة و رفع صرح الإسلام من جديد”.

و يؤكد فرج في كتابه على ضرورة “إقامة الدولة الإسلامية و إعادة الخلافة” ويقول بأنّ هذا ليس مهمّة الجماعات الإسلاميّة وحدها، بل هذا أمرٌ يقع على عاتق كل مسلمٍ كما وصفه، ويعتمد في ردّه على من أسماهم “اليائسين” من قيام دولة إسلاميّة  بالآية القرآنية القائلة “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً والله لا يخلف الميعاد” ليؤكد أن حكم الله سوف يرجح ويسود.

ويتطرّق لأمر البيعة في حديث رسول الله – صلى الله عليه و سلّم – “من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية” ويقول أن المقصود هنا هو بيعة الخلافة وليس بيعة قائد الجماعة أو الفصيل الإسلامي.

و يتحدث فرج عن أحكام الدول العربيّة هل هي دول إسلاميّة أم لا، مستنداً إلى أحكام الإمام أبي حنيفة أن دار الإسلام تتحول إلى دار كفر إذا باتت تعلوها أحكام “الكفر” وذهب الأمان عن المسلمين، ليستشهد بفتوى ابن تيميّة المتحدثة عن “بلدٍ اسمها ماردين” تحكم بحكم الإسلام ثم تولّاها من رفع أحكام الكفر، والتي رفع عنها حكم دار السلم، إذ أنّها باتت “دار حرب” كما يقول و يجب أن تُحارب و هنا يٌحاكم فيها المسلم كما يستحق و الكافر كما يستحق، ليدقق فرج على هذه الفتوى مقارناً إيّاها بأحكام الأنظمة العربيّة الحاكمة والتي يقول أنها ترفع أحكام الكفر رغم أن أغلب أهلها مسلمون، لذلك يتوجّب “الجهاد عليهم”. واعتبر حكّام هذه الدول “في ردّة عن الإسلام” و يجب قتالهم حتى لو تكلّموا بالشهادتين.

و ينبذ محمد فرج بشكلٍ كامل الآراء التي ترى إمكانيّة إقامة حكمٍ إسلامي دون جهاد، واعتبر من يدعو لذلك “مهلكاً لنفسه”، حيث يتحدث عن الجهاد كترتيب وليس مراحل، حيث يقسّم الجهاد إلى “جهاد نفس، جهاد الشيطان، وجهاد قتال”، فيشرحها، أن من يقوم بجهاد النفس يجب أن يلتزم بجهاد الشيطان و القتال، وليس كما يرى بعض قادة الجماعات الإسلامية غير المقاتلة أن الجهاد مراحل حيث يقول لو أنّه مراحل، لا يتحتّم على من في جهاد القتال أن يجاهد النفس أو الشيطان و هو ما يراه مخالفةً لـ”الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، ويدعو بجهاد القتال مقتبساً حديث رسول الله “من لم يغز أو يحدث نفسه بالغزو مات ميتة الجاهلية، أو علي شعبة من نفاق”.

و يرفض هنا فكرة اشتراك أحزابٍ إسلاميّة في الحكومات حيث يراها وسيلة لتبني “دولة الكفر” إذ أنهم يشاركون في الآراء و في عضوية المجالس التشريعية للحكومات والتي يعتبرها “تشريعاً من دون الله” وغيرُ قائمٍ على القرآن والسنن النبويّة.

ينتقد فرج الجماعات الإسلاميّة المناديّة بـ”الهجرة” إذ أن في حينها كان الكثير من المقاتلين يقومون بالذهاب إلى أفغانستان و باكستان للقتال، حيث يعتبر أن “إقامة حكمٍ إسلامي” في كل دولة على حِدى هو أمرٌ “واجب” وهنا يتحدث عن أمرين، أولهما انتقاد من يقول أن بعض الدول يجب أن يتم تهيئة أهلها للحكم الإسلامي بدايةً وهذا ما يعتبره اتهام للإسلام بالعجز، حيث يوضّح أن الإسلام دينٌ صالح لتطبيقه على المسلم و غير المسلم على حدٍّ سواء، والثاني أن “المتحججين” بالعلم و اعتباره جهاداً قبل القتال، هو تفضيلٌ لفرض كفايّة على فرض عين، وهو ما لا يصحّ برأيه.

و يحثّ فرج في كتابه على قتال حكّام الدول في قسمِ “الخروج على الحاكم” استناداً إلى قول القاضي عياض “أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنّه لو طرأ عليه الكفر انعزل”، وبخروج الحكّام الذين افتى بردّتهم مسبقاً قد وجب قتالهم، حتى لو كانوا “يظهرون الإسلام”، وهنا قد تحدّث عن وجوب مقاتلة العدو القريب، بدل العدو البعيد، والذي يختلف عن دعوة أبو بكر ناجي وغيره من المنظرين الذين تحدثنا عنهم مسبقاً، ليضع خياراً للعديد من الجماعات الإسلاميّة التي نشأت حديثاً بعد الثورات العربيّة، أو الممتدة من جماعات سابقًة، أن تدمج كتاباته مع كتابات باقي المنظرين لتجعل لها مفاهيمها الخاصّة بين مقاتلة حكّام الأنظمة العربيّة و الدول الغربية.

وفي انتقاده للجماعات الإسلاميّة حينها الداعية للإسلام السياسي، يقول أنّ الإسلام قد انتشر بالسيف ولم يدعُ للجهاد كأسلوبٍ دفاعي فقط، ويذكر هنا مثالاً حديث رسول الله “من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله” مّؤولاً ذلك أن القتال لرفع كلمة الله في وجه “دعاة الكفر الذين حجبوا الإسلام عن المسلمين” لهذا يجب على المسلمين مقاتلة حكّامهم، ويقول فرج ان الجهاد يتوجّب القوّة والقوّة لا تتحقق في “القعود” بل في جهاد القتال حصراً.

 

خلاصة

 لم يكن في تاريخ “الجماعة الإسلاميّة” أو “تنظيم الجهاد” كتاب فكري يوجههم قبل كتاب محمد فرج، بما في ذلك الكتب المتداولة قبله إذ أنّ معظمها اعتمد التفنيد التنظيمي لا الآيدلوجي أو الفقهي، حيث اعتمدوا النقل الفقهي أو نسخ بعض وريقات من مؤلفات فتاوى ابن تيمية و تفسير ابن الكثير. جمع محمد فرج لما سبق مع تأويله للآيات القرآنية والأحاديث و وضع فكره المتأثر بسيد فطب و أبو الأعلى المودودي جعل له مكانته الخاصة، خصوصاً بعد جمعه لكتابه في عام 1980 والذي حقق له تأثيراً و “نجاحاً” حينها.

كما أنّ لتكفيره حكّام الدول و حضّه على قتالهم كعدوٍّ قريب بدل مجابهة العدو البعيد و انتقاده لـ”هجرة” المقاتلين أثراً على الكثير من المقاتلين سواءً وقتها في مصر أو لاحقاً في العراق و الآن في سوريا. وعلى الرغم من كتابه الصغير – 32 صفحة تقريباً – مقارنة بكتب المنظّرين الآخرين، إلّا أنّه استطاع حجز مكانٍ بينهم .

 

القسم الأول من الدراسة
داعش بين المرحلية و البقاء في نظرية المراحل الست | القسم الأول

القسم الثاني من الدراسة

التنظيمات “الجهادية” بين فطرتها و صناعة المخابرات لها| القسم الثاني 

القسم الثالث من الدراسة 

“أبو بكر ناجي” واضع حجر الأساس لتنظيم داعش| القسم الثالث

القسم الرابع من الدراسة 

“إدارة التوحش” الفاصل بين جِيْلَين من “الجهاديين” | القسم الرابع

Syrian blogger , ‎Advocacy Trainer of Sound and Picture organization , Co-Founder at Raqqa is Being slaughtered silently

اترك رد