“إدارة التوحش” الفاصل بين جِيْلَين من “الجهاديين” | القسم الرابع

سرمد الجيلاني – صوت وصورة 


هذه الورقة البحثيّة هي الرابعة من سلسلة مواد سيتم نشرها بشكلٍ أسبوعي تتحدث عن “نبوءة داعش” ونشأتها منذ ولادة الفكرة في القرن الماضي حتى يومنا هذا.


إدارة التوحش – الجزء الثاني

يكاد لا يختلف اثنان أنّ الزرقاوي قد أطلق عنان جموحه ليربّي جيلاً على “الجماجم والأشلاء والدماء” كما يودّ أنصاره تسميّة المرحلة والتي يرونها ممتدة حتى قيام دولتهم المنشودة. وعلى الرغم من اعتبار كثيرين للزرقاوي أنه مجرد امتدادٍ للشخصيات “الجهادية” المستمرة منذ خمسين عاماً حتى يومنا هذا، أُفَضّل وصفه بصانع “الجيل الثاني” من “المجاهدين”، حيث يمتد الجيل الأول فكراً و عملاً منذ بدايات عبدالله عزام وصولاً إلى الظواهري، والذين لطالما حاولوا الابتعاد عن قتل المسلمين بشكلٍ مباشر -إعلامياً على الأقل- و التزامهم بقتل من وصفوهم بـ”الكفّار” و “المرتدين” وآخرين تحت أوصافٍ استندوا فيها على تأويلهم للشرع، إلا أن الزرقاوي والذي رفض منهجهم -يمكن العودة إلى النصوص السابقة- بدأ بإرضاء غرور مناصريه و توسيع “حدودهم الشرعيّة” ليشمل المسلمين من غير الطائفة السنّية، وقد تشمل الطائفة السنيّة لو أراد أحد أمراء تنظيمه ذلك.

و بعد ازدياد عدد حاملي فكر “الجيل الثاني” في صفوف تنظيم القاعدة و التنظيمات الإسلامية الأخرى، انبثقت أفكار “أبو بكر ناجي” – تحدثنا عنه مطولاً في القسم السابق – والتي كان أبرزها كتاب “إدارة التوحش”.

كتاب ناجي والذي ارتبط آيديولوجياً بشكلٍ وثيق مع تنظيم القاعدة، فالأربعة المرجّحين لكتابته هم من منظري التنظيم، لم يرتبط تنظيمياً حتى نشر هذه المادة، إذ أنه على عكس باقي الوسائل الإعلامية من صحفٍ و مواقع مثل “الجهاد” و “الفرقان” و “السحاب” و غيرها التي تبناها التنظيم بشكلٍ واضح ومنها قد حازت على وصف الواجهة الإعلامية لبعض مجموعات التنظيم و منها ما وصفها التنظيم بـ”المناصرة” له. لم يحز الكتاب على أي وصفٍ أو تصريحٍ رسمي رغم وجود بعض الأوراق منه بحوزة أمير التنظيم أسامة بن لادن، وهذا ما لم يمنع انتشاره بين مقاتلي تنظيم القاعدة بشكلٍ خاص و مقاتلي التنظيمات الإسلامية بشكلٍ عام و ربما انتشاره بين مقاتلي القاعدة و إيجاد المخابرات الأمريكية و السعودية للكتاب بحوزة مجموعتين تنضويان تنظيمياً تحت راية القاعدة بحادثتين منفصلتين بالإضافة لانحصار الشك بكاتبه بين أربعةٍ من منظري التنظيم هو ما أعطى مجالاً لنسبه للقاعدة، ولكن يبقى التصريح الرسمي هو التأكيد الوحيد.

مُنع الكتاب من التداول في السعودية بقرارٍ صادر في شهر حزيران 2008 بعد العثور عليه بعدة أشهر، ليتم منعه لاحقاً في الكثير من البلاد العربية و الأجنبية.

يحمل الكتاب والذي كانت بداياته مجموعة موادٍ لأبو بكر ناجي في منتدى “أنا المسلم” والذي يضم الكثير من منظري الجماعات الإسلامية و مناصريهم، ليتم تفصيل المواد بشكلٍ أكبر و إدراجها ضمن الكتاب ضمن خمسة مباحث و سبع مقالاتٍ مُلحقة، وضع فيها ناجي القواعد و الأسس العموميّة مع ذكر بعض التفاصيل التي وصفها بـ”الهامّة” للوصول إلى ما أسماه “الدولة الإسلاميّة” دون الحديث عن التفاصيل الصغيرة إذ أنّ الكاتب نوّه إلى ترك حريّة التصرف مع “الحفاظ على الأمور الشرعيّة” لمن كان قادراً على تطبيق ما ذُكر.

لعلَّ أكبر أسباب تداول الكتاب ضمن محيط مناصري و محبّي الزرقاوي، أنّ ناجي قد تبنّى في كتابه الفكر الإسقاطي عند أبو محمد المقدسي و الفكر التصادمي عند أبو قتادة الفلسطيني و الإسقاط و التصادم هنا ضد الجماعات الإسلامية الأخرى وليس ضد أعداء التنظيم والذين يسميهم ناجي بـ”الطواغيت”، بالإضافة لاعتبار مشروع “الإخوان المسلمين” مشروعاً علمانياً يشابه إلى حدِّ كبير و يطابق أحياناً فكر “الطواغيت” وبهذه التصريحات يكون قد أحلَّ لمن اعتبروا كتابه “دستوراً” لإقامة دولتهم، محاربة المجموعات الإسلاميّة المقاتلة إلى جانبهم .

يرى ناجي في كتابه أن التوحش يختلف عن الفوضى، حيث يكون التوحش حالةً متقدّمة من الفوضى، وتحدث بشكلٍ خاص بعد انهيار الممالك و الحكومات، الأمر الذي ينتج عنه تصارع كبير لوجود الثروات كما أن لوجود القوى المختلفة في نفس المنطقة مع غياب حكم القانون و الطبيعة البشرية التي تميل للعدوانية في مثل هذه المواقف تنتج عن ذلك توحشاً يجعل الناس في سعي كبير لحكم تنظيم قوي يعمل على ضبط الوضع قبل انحداره أكثر في تلك المناطق، لتبدأ بعدها مراحل العمل على إنشاء “إدارة” لهذا التوحش، مع شروطٍ ثلاث شدّد عليها ناجي عدّة مرات، و هي “وجود مدٍّ إسلامي جهادي مبشّر في هذه المناطق” و “طبيعة الناس في هذه المناطق” حيث فضّل أن يكون سكّان المناطق من المسلمين السنّة، بالإضافة لوجود خطوطٍ برّيّة و جويّة إليها، مع عامل “انتشار السلاح بأيدي الناس”، و يقول ناجي في تفضيله لدولٍ على أخرى لهذه الإدارة “الدول المرشحة لتدخل ضمن مجموعة المناطق الرئيسية لعمل القاعدة لأنها المرشحة بدرجة أكبر من غيرها للدخول في مرحلة إدارة التوحش هي : الأردن وبلاد المغرب ونيجيريا وباكستان وبلاد الحرمين واليمن” ويقصد في ما سبق القاعدة المُشَكِّلَة لإدارة التوحش وليس القاعدة كتنظيم .

يذكر الكتاب وصايا أساسيّة بشكلٍ مختصر بدايةً ليفند بعضها لاحقاً أن من أهم الوصايا للبدء بإدارة التوحش “الاعتماد على عناصرٍ تتقن الإدارة مع تدريب باقي العناصر على ذلك، بالإضافة لاعتماد القواعد العسكريّة المجربة و جعلها تصعّد العمليات العسكريّة ضد النظام الحاكم الأقرب، و محاولة الضرب بأقصى قوة في أضعف نقاط “العدو”، مع “سياسة دفع الثمن” وهي التي شرحها بقوله أن يتم اعتماد الشدّة واتباع سياسة تقنع “العدو” أنه لن يفلت، حيث يكون الرد على أي عملية اعتقال أو قصف بعملية موجّهة ضد قواته”.

يعيد ناجي عدّة مرات التنبيه على أن “الأمر فيه من المرونة بحيث يتغيّر تبعاً للتطورات، فهذا ترشيح مبدأي” و يضيف “علينا أن نركز على تلك الدول أولاً – التي سبق ذكرها -، حتى لا تتشتت القوى الضاربة للمجاهدين في دول لا مردود من وراء العمل المركّز فيها، و بالطبع في هذا الترشيح المبدئي النظري يتم إتاحة الفرصة لأهل كل بلد في إمعان النظر و اتخاذ القرار”، وفي هذا السياق تحديداً ذكر أبو بكر عن احتماليّة “سقوط مناطق في أطراف أو عمق دول غير مرشحة” -سوريا على سبيل المثال – فوضع احتمالين، إما أن توجد تنظيمات إسلاميّة في تلك المناطق قادرة على القيام بإدارة هذا التوحش، أو وجود تنظيمات غير إسلاميّة وهنا تحدث عن “ضلال الدعوة” التي قد يقوم بها بعض من أسماهم “قادة الحركات” والذي سيدعون على حد قوله “وجوب الحفاظ على النسيج الوطني” والذي رأى أن محاربتهم واستعادة المناطق منهم ستكون واجبة وانطلاقاً من هذه المناطق يوسعون رقعة الأرض المسيطر عليها.

يرى الكاتب بداية عملية إدارة التوحش، تكون بإنهاك المركز الرئيسي “للعدو” و أطرافه، وذلك عبر عمليات صغيرة ذات أثر قليل ولكن التركيز على كثافتها في هذه المرحلة يعطي فاعلية كبيرة، حتى أنه يصف العمليات متناهية الصغر بقوله “ولو ضربة عصا على رأس صليبي”، حيث يرى أن العمليات الصغيرة و تصاعدها سيكون لها أثراً كبيراً على المدى البعيد، مثل جذب شباب للعمل “الجهادي” عن طريق القيام في كل فترة زمنية مناسبة من حيث التوقيت و القدرة بعمليات نوعيّة تلفت أنظار الناس، مع التحذير من أنّ بعض العمليات الصغيرة يكون لها مضار اكثر من منافعها، مثل كشف المجموعات الصغيرة والتي من الممكن أنها تقوم بالتحضير لعمليات متوسطة مع القيادة المركزية – إذ أن اتصال المجموعة لا مركزي -، لذلك يحرّص على دراسة كل عملية و نتائجها مهما بلغ بساطتها، ويتحدث عن أفضلية القيام بعمليات متوسطة لو كان في إمكان المجموعات الصغيرة ذلك، ويعلل الكاتب سبب هذه العمليات إلى تشتيت القوات العسكرية لخصومه سواء كانت جيوش الأنظمة العربية التي يقاتل على أراضيها، أو جيوش الدول الأجنبية التي يسعى لجرّها إلى المعركة المباشرة، وأيضاً هذا التشتيت يسبب خلو مناطق من وجود قوات عسكرية، وهنا يرى استفادةً مضاعفة.

عطفاً على ما سبق، يحدد ناجي عدّة أهدافٍ لها أولوية الاستهداف ومنها يتم توسيع ما أسماه “ضربات النكاية” ويضرب أمثلةً عدّة منها “إذا ضُرب منتجع سياحي يرتاده الصليبيون في إندونيسيا سيتم تأمين جميع المنتجعات السياحية في جميع دول العالم بما يشمل ذلك من شغل قوات إضافية أضعاف الوضع العادي وزيادة كبيرة في الإنفاق، وإذا ضُرب بنك ربوي للصليبيين في تركيا سيتم تأمين جميع البنوك التابعة للصليبيين في جميع البلاد و يزداد استنزاف قواتهم، وإذا ضربت مصلحة بترولية بالقرب من ميناء عدن ستوجه الحراسات المكثّفة إلى كل شركات البترول وناقلات وخطوط أنابيبها لحمايتها وزيادة الاستنزاف، وإذا تم تصفية اثنين من الكتّاب – المرتدّين – في عملية متزامنة ببلدين مختلفين فسيستوجب ذلك عليهم تأمين آلاف الكتّاب في مختلف بلدان العالم الإسلامي، وهكذا تنويع وتوسيع لدائرة الاهداف و ضربات النكاية التي تتم من مجموعات صغيرة و منفصلة، مع تكرار نوع الهدف مرتين أو ثلاثة ليتأكد لهم أن ذلك النوع سيظل مستهدفاً”، وكما فعل ناجي في البداية بترك باب “الاجتهاد” مفتوحاً، كرر سماحه بتنفيذ الضربات على جميع الأهداف “شرط أن يكون ضربها جائز شرعياً”، مع تركيزه على الأهداف الاقتصاديّة خاصّة، مثل البترول والسياحة، ويتحدث مطولاً هنا عن ضرب الجماعة الإسلامية بمصر للسياحة و فشلها بعد ذلك و إجبارها بمطالب شعبيّة على التراجع، مع وضعه لاحتمالات عدّة منها أن يحصل مع الجماعات الإسلاميّة الحديثة ذلك كما أنه سيتم تخوينهم و الحديث عن “عمالتهم” و يعزو هنا أسباب فشل الجماعة الإسلاميّة إلى ضعف الخطاب الإعلامي و عدم القدرة على الاستغلال الفكري للعمليات وهذا ما يدعو لتلافيه مستقبلاً .

ركزّ ناجي مراراً على فن الإدارة، ولم يحصرها فقط في “النخبة الجهاديّة” حيث طالب بالسعي الدائم لتدريب أكبر عدد ممكن من العناصر، مع تعليمهم كيفية إنشاء اللجان و توزيع التخصصات و الأعمال بحيث لا تتجمع الأعمال كلها على كاهل شخص واحد من التنظيم أو كاهل مجموعة من الأفراد، إذ يتوجّب تدريب كل الأفراد و نقل الخبرات حتى إذا غاب “أميرٌ” للجماعة قام آخر، وفي سياق تنبيهاته يضيف هنا أن نقل الخبرات يقتصر على المهارات و التقنيات دون نقل الأسرار الخاصة بقيادة التنظيم، حيث لا يجب على الأفراد معرفة أسرار المكاتب الأخرى التي لا يعملون فيها .

 ويعود أبو بكر مراتٍ كثيرة إلى التقنيات العسكريّة في خضم حديثه، إذ ألحق قاعدةً يراها هامّة و تبريراً للرد على “من لا يرى خيراً في العمليات السباقة”، حيث يقول “إن الجيوش النظامية إذا تمركزت فقدت السيطرة، وعلى العكس إذا انتشرت فقدت الفاعلية”، وهذا هو المطلوب من العمليات المكثفة، وفي هذا الأمر ينصح الكاتب بـ”الضرب بالقوة الضاربة وأقصى قوة في أكثر نقاط العدو ضعفاً” ويشرح هذه القاعدة بأنّ العملية إذا كانت صغيرة ولا تحتاج إلى أكثر من “مجاهدين اثنين” وكانت المجموعة تملك عشرة مجاهدين، يجب الهجوم بالعشرة، أو إذا كان هناك مبنىً للعدو يعقد فيه اجتماعات – مثلاً و يمكن هدمه في كمية متفجرات ستقوم المجموعة بالانتقال من مكانها و تركها دون الاستفادة منها، الواجب تدميره، وهنا نضرب مثالاً على كلامه، وهو “تفجير مبنى أمن الدقهلية” في كانون الأول 2013  والذي تبنّته جماعة أنصار بيت المقدس حيث قامت مجموعة من الجماعة بتفجير المبنى بعد تفخيخ أساساته بشكلٍ شبه كامل ومن ثم خرجت المجموعة إلى سيناء، وهذا مجرد مثالٍ بسيط نحاول فيه عدم الخروج عن الفكرة الأساسية مع التنويه إلى أننا سنحاول ضرب عدّة أمثلة قام أنصار جماعاتٍ إسلاميّة متطرفة بتنفيذها من الكتاب .

و يشرح الكاتب أهمّ الأمور التي يجب الالتزام فيها بهذه المرحلة :

1- سياسة دفع الثمن، والتي تقوم بجعل الأنظمة تعرف تماماً أن كل عملٍ ستقوم به سيكون هناك ردٌّ عليه، ويقول ناجي “أن فكر العدو في الرد على إجرامه كاملاً يجعله يرتدع عن العدوة إليه و يفكر ألف مرة قبل القيام بعملٍ هجومي، وهنا ستتوقف مجموعاته عن الإجرام و تحافظ على وضعية الدفاع عن النفس”، وينوّه أن هذه السياسة لن تنفع كثيراً مع “الدول الصليبية” إذ أنها ستبقى تشن هجماتها الجويّة على معسكرات التدريب والمناطق السكنيّة التي تقوم مجموعات إدارة التوحش بإدارتها.

2- “تحقيق الشوكة” وفي هذا الشأن يرى ناجي أن تعمل مجموعات إدارة التوحش على “إشعار العدو أنه محاصر ومصالحه مكشوفة و أنه لو استطاع القضاء على إحدى مجموعات إدارة التوحش ستقوم باقي المجموعات بمهاجمته بدل الاستسلام” وفي هذه النقطة يعزي ذلك إلى “الموالاة الإيمانية بين المجموعات القائمة على الدم الدم والهدم الهدم لا الموالاة التنظيمية”.

3- “فهم القواعد السياسيّة” إذ أن ناجي لا يحرّم فهم السياسة، بل يحرّم العمل بها – يضرب على تحريمها الإخوان المسلمين كمثال – ولكن يفرض العمل العسكري على من يحاول فهم “اللعبة السياسيّة”، حيث يرى أن من لا يكون في الساحة العسكرية غير كفؤ ليكون في الساحة السياسيّة” .

4- “فهم السياسة الإعلاميّة” والتي تحدث عنها ناجي سابقاً انها كانت من أكبر أسباب فشل الجماعة  الإسلامية في مصر، حيث يعتبر “كسب المعارك الإعلامية ضد الأنظمة هي الممهدة لكسب المعارك العسكريّة والسياسيّة” ومن أهم أهداف هذا البند هو “وصول المواد الإعلامية للتنظيمات الإسلاميّة إلى المستهدفين”.

5- “استقطاب المجندين” وهذا يراه ناجي بنداً و نتيجةً في ذات الوقت، إذ أن العمليات الصغيرة مع السياسة الإعلامية و رفع الحالة الإيمانيّة للشعوب تؤدي إلى استقطابهم، بالإضافة إلى “العفو عن بعض المذنبين عند رؤية احتماليّة لانضمامهم” وحتى أنه لا يحرّم استقطاب بعض الناس “بالمال” ولكن في حالاتٍ خاصة ويطلب عدم جعلها قاعدةً عموميّة.

و تتغير لهجة الخطاب المستخدمة في كلّ مرّة يتحدث فيها ناجي عن الجوانب الأمنيّة، حيث يحاول استخدام خطاب الخائف على دين الله بدايةً دون استطاعتها إمساك نفسه من الشدّة والحزم في منتصف حديثه، حيث يرى ناجي أن من أهم أسباب نجاح “إدارة التوحش” و من ثم “دولة الإسلام” هي إتقان الجانب الأمني، وذلك عبر بث العين و اختراق الخصوم، مثل القوات العسكرية سواء كانت مخابرات أو جيوش و الأحزاب السياسيّة للدول المجاورة لمنطقة التوحّش ودول العالم عموماً، ولكن ناجي يرى مرحلةً متقدّمة للجانب الأمني تنقسم إلى قسمين، الأولى و هي اختراق الصحف و الجوانب الإعلاميّة المحايدة و التي تميل لأحد الأطراف بالإضافة لشركات البترول و المراكز الاقتصاديّة والمؤسسات المدنيّة، إذ أنّه يرى في انتشار المناصرين مساعدةً مستقبليّة سواءً كانت كـأعين للتنظيم، أو مساعدين مباشرين في إحدى العمليات .

أما القسم الثاني والذي تحدث عنه بحساسيّة، وهو اختراق الجماعات الإسلاميّة التي تقف في صفّ إدارة التوحش، و إن تمكن المخترقين من الوصول لقيادة هذه الجماعات سيكون أمراً عظيماً، وهنا نرى فقده للثقة حتى بمن يقفون في صفّه و هذا أسلوبٌ متّبع في معظم الجماعات الإسلاميّة في الساحة الجهادية سواء في سوريا والعراق أو المتواجدة في أفغانستان وباكستان وغيرها، ولكن ناجي يبرر سبب ذلك بـ”الحفاظ على منهجيّة هذه الجماعات وضمان عدم حيادها عن الأسس الشرعيّة” .

و من الأمثلة التي يضربها الكاتب على ما يقصده في إدارة التوحش :

  • النظام القبلي الذي حكم المدينة المنورة قبل وصول الرسول – صلى الله عليه وسلم – وبعد وصوله يصف الحكم “بالنظام المثالي لإدارة التوحش”.
  • عند سقوط الخلافة الإسلاميّة وتعرض المنطقة لهجمات خارجيّة كـ”الهجمة التتاريّة والصليبيّة” والتي شكّلت دويلات صغيرة حاولت أن تصلح دولة خلافة أو دولةً منفصلة.

و حاول الكاتب تنويع أمثلته، مشيراً إلى الفلبين مع جبهة تحرير مورو وحركات الجهاد في الجزائر و وحركة جون جارنج في جنوب السودان و الحركات اليساريّة في أميركا الوسطى والجنوبيّة.

 

إسقاطات على الواقع الحالي

 حاولت العديد من الحركات “الجهاديّة” تبني خطاب أبو بكر ناجي، ولكنّ أبرز هذه الحركات كان تنظيم الدولة الإسلاميّة أو المُسمّى “داعش” .

نستعرض بعض الأمور التي نفذها التنظيم منها كخطوط عامّة و منها بحرفيتها .

1- لعلّ أشهر حادثة إعلاميّة سببت جدلاً خلال أَوجْ شهرة تنظيم داعش، كان حادثة حرق الطيار الأردني “معاذ الكساسبة”، والتي انتقدها كثيرون منهم “علماءٌ مسلمين”، يذكر ناجي حادثة حرقٍ إسلاميّة شهيرة ثلاث مرّاتٍ في كتابه، ويُعتبر من القلّة الذين أجازوا الحرق بطريقةٍ غير مباشرة، إذ أن حديث الرسول “لا يعذب بالنار إلا رب النار” هو ما يخيم على ساحة الفتاوى بهذا الشأن .

كان ذكر حادثة الحرقة مرةً نسبها ناجي إلى علي دون تفاصيل و مرتين تحدث فيها بشكلٍ مطوّل عن حرق الصحابي أبي بكر الصدّيق لرجلٍ يسمّى إياس بن عبدالله بن عبد ياليل والملقّب “الفجاءة السلمي”، والذي حُرِقَ بأمرٍ من أبو بكر بعد “خداعه في أخذ أموالٍ لجهاد المرتدين ثم لحق بهم، أو على الصحيح صار بها قاطع طريق” .

2- يتحدث ناجي في الكتاب عن التنظيمات التي تقوم بإنشاء إدارة لمناطق ولكنها لا تُعد دولة، هذه المرحلة قد تشبه الدولة إلى حد كبير بالنسبة للأطراف الخارجيّة، ولكن بالنسبة لمؤسسيها هي المرحلة التي تسبق قيام “دولةٍ إسلاميّة”، ومن اهم عوامل هذه المرحلة هي العملية صغيرة الحجم والتي وصفها “ولو كان الأمر بضربة عصا” ولكن عبر الانتشار التصاعدي الكثير يتم رؤية أثرها على المدى البعيد.

و يشدّد على أن هذه العمليات لا تحتاج إلى “مشورة القيادة العليا” إذ أن القيام بها مسموح حتى من دون أي تواصل، شرط أنها لا تؤدي لمفاسد،  وبذلك يقتصر التواصل مع القيادة على العمليات الكبيرة والتي تحتاج إلى مساعدة لوجستية -ويقصد هنا الأموال- أو مساعدة عناصر بشريّة.

و نجد ما سبق هو تعريف مفصّل لمن يُسَمَون “الذئاب المنفردة” والذي يتبعون أيديولوجياَ إلى تنظيم داعش وقد بدأوا عملياتهم في عام 2014 وهم مثال مطابق تماماً لوصف ناجي في الكتاب .

3- يقول ناجي “نبدأ بتخيير القوات الضعيفة بين القتل أو الانضمام إلينا” وهنا قد شرح مطولاً لاحقاً شروط الانضمام، ومنها أن يكون المقاتل مُسلماً دون الشك بإيمانه، وهذا تماما ما عمل تنظيم داعش عليه عندما قام باعتقال الكثير من المقاتلين السابقين في فصائل إسلامية أو معتدلة ليقوم بإعدام من يرفض الانصياع لأوامر قادته و يُخضع القسم الآخر لـ”معسكراتٍ شرعيّة وعسكريّة” انضموا بعد تخريجهم منها إلى التنظيم .

4- يبتعد ناجي عن الأحكام الوسطيّة بشكلٍ عام ولكنه يشدد عليها في بداية إنشاء “إدارة التوحش” إذ يرى في إخضاع جميع من يعارضون هذه الإدارة و الشدة المفرطة حلّاً لإقامة إدارةٍ لا ينتقدها أهالي المناطق المُسيطر عليها، وهذا ما قام به تنظيم داعش، حيث سيطر على مناطق شرق سوريا تدريجياً بين الشهر الأول و الشهر السابع من عام 2014، ليقوم بفرضِ قوانين صارمة أعدم على إثرها عشرات الشباب طوال أسابيع، حتى وصلت الشدّة إلى منع عدّة تصفيفات شعرٍ للشباب و تحديد ألوانٍ يُسمح بارتدائها من قبل النساء .

5- من الفتاوى التي تحدث ناجي عنها “مجهول الحال بدار الكفر يجوز قتله قصداً للمصلحة” والتي تعني أن من لم يظهر منه ما يدل على إسلامه أو كفره، وهو ليس عليه علامات الإسلام الظاهرة، قتله حلال، ولكن تُطبق هذه الفتوى على الدول التي يسكنها أغلبية من غير المسلمين، وهذا ما نراه في تنظيم داعش خصوصاً في تفجيرات بروكسل البلجيكية و باريس الفرنسيّة و الأمثلة الأخرى كثيرة، حيث الوجود الكثيف للاجئين المسلمين في تلك المناطق وحتى سكّانها الأصليين، لم يؤخذ كرادع يمنع المنفذين من تنفيذ تلك الهجمات – وهنا أتحدث بحالاتٍ مخصصة من مبدأ الكاتب، ولا أتطرق لحكم قتل المسلمين أو غير المسلمين- .

6- من أهمّ الأمور التي يركز عليها ناجي والتي كان لها أكبر أثرٍ على واقعنا الحالي هي “جر الشعوب إلى المعركة، وهذا يتطلب مزيداً من الأعمال التي تشعل المواجهة، والتي تجعل الناس تدخل المعركة شاءت أم أبت، بحيث يؤوب كلّ فردٍ إلى الجانب الذي يستحق، وعلينا أن نجعل هذه المعركة شديدة بحيث يكون الموت أقرب شيءٍ إلى النفوس و يدرك الفريقان أن خوض هذه المعركة يؤدي في الغالب إلى الموت فيكون ذلك دافعاً قوياً لأن يختار الفرد القتال في صفّ أهل الحق ليموت على خيرٍ أفضل له من أن يموت على باطل ويخسر الدنيا والآخرة، وهذه كانت سياسة القتال عند الأوائل”، وبهذا النص المختصر نرى القاعدة الأساسيّة التي سار عليها تنظيم داعش في المناطق التي يسيطر عليها عموماً و في الموصل العراقية و الرقة السوريّة خصوصاً، والتي وصلت نتيجتها آلاف الشهداء من المدنيين قُتلوا على يد محاربي التنظيم بسبب جرّ التنظيم لهم ليكونوا جزءاً من المعركة رغماً عنهم.

خاتمة

 رأينا في ما سبق مختصراً للكتاب الذي يعتبره المتطرفون “دستوراً” والذي قُسم إلى خمسة مباحث تحدث ناجي في الأول عن “التعريف بإدارة التوحش، وتكلم في المبحث الثاني عن طريق التمكين الذي يركز خلاله على أهمية توتير العلاقات بين الدول وتوظيفها لصالحهم، في حين يفرد المبحث الثالث لأهم القواعد والسياسات التي تيسر لهم عملهم يركز خلالها على الإدارة العسكريّة، واتخاذ القرارات، وفي المبحث الرابع تكلم عن أهم المشاكل والعوائق التي يمكن أن تعترضهم” .

وقد عرض الكاتب خلال سرده تاريخ الحركات الجهادية و مدى نجاحها، وفضلها في بعض الدول أيضاً، مع ضرب أمثلةٍ من واقع تلك الحركات، والحفاظ على استخدام الاجتهاد الواضح والصريح، والذي لم يداري أو يأخذ بالأحكام الوسطيّة، بل قرّر أن ما يقوله هو قول قاطع وحقائق نهائيّة، مع رفض المواقف المغايرة لوجهة نظر الكاتب رفضاً قاطعاً، بالإضافة إلى نبذ الطرق الخمسة التقليديّة للوصول إلى سدّة الحكم مثل الانقلابات العسكريّة وحروب العصابات والانتخابات والممارسة السياسيّة، والثورات الشعبية، مع طرح أفكارٍ إلى إمكانية الاعتماد على بعضها بشكل جزئي مع “وعي شرعي كبير”.

و من الأسباب التي أعطت أهميةً للكتاب هي الأفكار التي قدمها ناجي بالاستراتيجيات العسكريّة والتصورات العملية لها، حيث يمكن أن تأخذ بها القوى الإسلامية المتطرفة، والقوى غير الإسلامية أيضاً .

ولوقت صدور الكتاب المتزامن مع التحولات الاستراتيجية التي شهدتها التنظيمات السلفيّة الجهاديّة، والتي تحولت من مقاتلة “العدو القريب” المتمثل بالأنظمة السياسيّة العربيّة والإسلاميّة والتي تُوصف من قبلهم بـ”المرتدة” إلى مقاتلة “العدو البعيد” المتمثل بالغرب عموماً و أمريكا على وجه الخصوص والذين يُصَنفون كـ”كُفّار”.

على كل حال، تحوّل كتاب “إدارة التوحش” منذ سنين مضت إلى ما يشبه الدستور للمقاتلين المتشددين، وبعد جمع كل أجزائه، عملت الأكاديمية العسكريّة الأمريكيّة على ترجمته إلى الانكليزية و توزيعه على الدوائر السياسيّة والعسكريّة والمكاتب التابعة لوزارة الدفاع، ولكن بعد ما يقارب الخمس سنوات من الحصول عليه، أعلن أبو بكرٍ البغدادي قيام ما أسماه “دولة الخلافة” واستطاع بذلك خلق حالةٍ واقعية من التصورات الموضوعة ضمن غلاف الكتاب، وهذا ما سبّب دهشة وارتياب في أنحاء العالم، وفي الوقت التي عملت آلة تنظيم داعش الإعلاميّة والتقدم البرّي لها، وفي أمثلةٍ سبق وطرحناها في هذه الورقة، جذب الانتباه له كـأوّلِ مثالٍ عملي للكاتب، ليعتبر الكثيرون أن كتاب “إدارة التوحش” هو أحد الكتب التأسيسيّة التي وضعت اللَبَنة الأساسية في بوتقة تشكيل تنظيم داعش.

القسم الأول من الدراسة
داعش بين المرحلية و البقاء في نظرية المراحل الست | القسم الأول

القسم الثاني من الدراسة

التنظيمات “الجهادية” بين فطرتها و صناعة المخابرات لها| القسم الثاني 

القسم الثالث من الدراسة 

“أبو بكر ناجي” واضع حجر الأساس لتنظيم داعش| القسم الثالث 

Syrian blogger , ‎Advocacy Trainer of Sound and Picture organization , Co-Founder at Raqqa is Being slaughtered silently

Leave a Reply

Your email address will not be published.