تيم رمضان.. قصة صحفي من الرقة

بات الناشط السوري تيم رمضان (اسم مستعار) أحد أشهر مصادر المعلومات القليلة من داخل مدينة الرقة، وبات اسمه يتردد في الأسابيع الأخيرة في وسائل إعلام كبرى مثل صحيفتي “تايمز” و”غارديان” البريطانيتين على سبيل المثال، وسط شح في المعلومات ونوع من التعتيم الإعلامي المرافق لمعركة الرقة التي باتت معركة متعثرة وبطيئة بعد تحولها إلى حرب خطرة تجري بين شارع إلى شارع في المدينة.

رمضان ليس الناشط الوحيد الذي طور مهاراته الإعلامية خلال السنوات القليلة الماضية، عبر توثيق انتهاكات تنظيم “داعش” سراً، حيث تحول عدد من الناشطين في الرقة الى مراسلين حربيين يغطون المعارك ويرصدون غارات التحالف الدولي على المدينة، حسبما نقلت وكالة “فرانس برس”.

يصعد رمضان يومياً إلى سطح منزله في الرقة ويثبت صحن الإنترنت الفضائي سراً تمهيداً لإرسال تقارير يومية حول معارك المدينة، إلى زملائه في مجموعة “صوت وصورة” التي تتخذ من إحدى الدولة الإوروبية مقراً لها، ويقول في تصريحات صحافية: “تتصاعد من الغارة الجوية أعمدة من الدخان، أما السيارة المفخخة فلا يعلو الدخان الناتج عن انفجارها”.

وبعد أن يتأكد من ارسال المواد، يسارع رمضان الى محو كل شيء من حاسوبه خوفاً من مداهمات يقوم بها عناصر “داعش”، علماً أنه منذ منذ سيطرة التنظيم على الرقة العام 2014، بات التواصل مع السكان مهمة صعبة في منطقة محظورة على الصحافيين، لكن بعض الشبكات الإعلامية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفرت نافذة نادرة للاطلاع على الأحوال المعيشية في الرقة، لا سيما في الاحياء التي ما زالت تحت سيطرة التنظيم المتشدد.

ويركز هولاء الناشطون على توثيق حياة السكان في ظل النقص الحاد في المواد الغذائية وانقطاع المياه والكهرباء، مثل التقرير الذي أعده رمضان نفسه لصحيفة “تايمز” البريطانية، وكشف فيها عن احتكار التنظيم للمواد الغذائية التي يوزعها على “المجاهدين” ويقتل كل من يحاول الحصول على تلك المواد بأي طريقة بتهمة “السرقة”، كما ينشر الناشطون صوراً للغارات الجوية على المدينة ويوثقون ضحايا المعارك فيها. ويشرح رمضان: “هذا هو الشيء الوحيد الذي أستطيع القيام به حالياً. أرسل يومياً للمجموعة إحصاءات بعدد الغارات والقذائف والشهداء والجرحى، ومن قُتل قنصاً أو في غارة أو في لغم، وكم بيتاً دُمّر”.

وقبل بدء المعارك في المدينة، كان عمل تيم يقتصر على توثيق أعمال “داعش” الذي يغذي الرعب في مناطق سيطرته من خلال الإعدامات الوحشية والعقوبات التي يطبقها على كل من يخالف أحكامه أو يعارضه، لكن العملية العسكرية على الرقة أجبرته على التوسع أكثر في مجال عمله، وبات يوثق المعارك وضحاياها: “كنا نخاف من الاعتقال أو أن يكشفنا الجهاديون إذا خرجنا إلى الشارع. حالياً أصبحنا نخاف إذا خرجنا أن تسقط علينا قذيفة أو تهدم غارة ما المنزل على رؤوسنا”.

يأتي ذلك على خلفية العملية العسكرية التي تخوضها “قوات سوريا الديموقراطية” المؤلفة من فصائل كردية وعربية مدعومة من واشنطن منذ السادس من حزيران/يونيو الماضي، داخل مدينة الرقة بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن، وباتت تسيطر على نحو 65% من المدينة، فيما أجبرت المعارك عشرات الآلاف على النزوح من المدينة، وتقدر الأمم المتحدة أن نحو 25 ألف مدني ما زالوا عالقين هناك.

ويضيف رمضان: “حين دخل التحالف وقوات قوات سوريا الديموقراطية الى الساحة، اتسعت دائرة التوثيق ولم يعد داعش الطرف الوحيد الذي يقتل المدنيين”. ومنذ بدء الاحتجاجات في العام 2011، اعتاد الناشطون الإعلاميون على استخدام هواتفهم النقالة ووسائل التواصل الاجتماعي لتوثيق التظاهرات وقمع القوات الأمنية والعسكرية لها. واستخدمت الأساليب نفسها لاحقاً لتوثيق وحشية “داعش” بعد سيطرته على الرقة، فباتوا يصورون سراً عمليات الذبح ودوريات الجهاديين ويحمّلون الصور ومقاطع الفيديو لنشرها عبر برامج مشفرة.

إلى ذلك، يقول مازن حسون الذي يدير موقع “الرقة بوست” من ألمانيا أن التواصل بات أصعب حالياً من قبل، وخصوصاً بعد إغلاق مقاهي الإنترنت ووصول المعارك إلى المدينة. علماً أن خدمات الإنترنت كانت تقتصرعلى مقاهٍ معدودة بعدما قطع التنظيم الإنترنت عن المنازل والمحال، مع عقوبات مروعة فرضها التنظيم بحق من يستخدم الإنترنت في المنزل على سبيل المثال.

ويفيد محمد خالد الذي يدير مجموعة “الرقة 24” من شمال حلب، أنه حذر مراسليه قبل بدء المعارك لأنه شهد في السابق على عنف التنظيم لدى محاولته التصدي لهجمات أخرى مدعومة من التحالف الدولي. ويوضح: “قلت للشباب والصبايا معنا أن داعش سيكون أكثر شراسة تجاه المدنيين وسيستخدمكم أنتم وأهاليكم دروعاً بشرية”.

وصمد عدد من مراسلي “الرقة 24” تحت حكم “داعش” لثلاث سنوات واختار آخرون الفرار على وقع تصاعد القصف على المدينة. ومنذ بدء معركة الرقة، اعتمد محمد على برامج رسائل جديدة أكثر أمناً وعلى كلمات مشفرة كي يحمي مراسليه من دوريات ومداهمات التنظيم الجهادي.

وتنقل “فرانس برس” عن خليل، (اسم مستعار) وهو أحد مراسلي “الرقة 24”: “اختصاصي هو توثيق أعداد الضحايا بحكم عملي في المجال الطبي”، ويضيف: “أوثق الضحايا وأحدد سبب الوفاة”، مشدداً على رفضه الخروج من مدينته ويعتبر مغادرته لها في هذا الوقت “عاراً وخيانة لأهل بلدي”.

وفي العام 2015، فرّ أغيد الخضر (27 عاماً)، أحد الناشطين في “صوت وصورة”، من الرقة، لكنه يتواصل يومياً مع تيم رمضان من ألمانيا لتوثيق التطورات في الرقة، ويقول: “كان الخوف هو سيد الموقف بعدما فرض داعش السيطرة الكاملة على المدينة”. ومع الاتجاه الى توثيق المعارك في الرقة، يرى الخضر أن عودة الحملات الإعلامية ضرورية بعد طرد الجهاديين من المدينة.

ويضيف الخضر: “شهد جميع من في المدينة بغض النظر عن جنسهم أو عمرهم على عمليات الذبح، حتى كاد الأمر يصبح اعتيادياً، وتلقى الاطفال في المدارس التعليم على أساس مناهج وضعها داعش، وتعرض الرجال لكمية من الأفكار المسمومة، لذلك يعد ترميم المجتمع ومحو آثار داعش أهم عمل بالنسبة إلينا. عناصر داعش سيخرجون يوماً ما وستبقى الافكار التي زرعوها”.

المدن

نحن مجموعة من الناشطين الحقوقيين وبعد ملاحظتنا لقلة الجهات التي توثيق الانتهاكات المرتبكة بحق المدنيين في سوريا، قررنا إنشاء هذه المنظمة و التي تختص بتوثيق الانتهاكات المرتكبة من قبل جميع الجهات للعمل على محاسبتهم من قبل المجتمع الدولي. المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

اترك رد