“أبو بكر ناجي” واضع حجر الأساس لتنظيم داعش| القسم الثالث

 سرمد الجيلاني – خاص صوت وصورة 


هذه المادة هي الثالثة من سلسلة مواد سيتم نشرها بشكلٍ أسبوعي تتحدث عن “نبوءة داعش” ونشأتها منذ ولادة الفكرة في القرن الماضي حتى يومنا هذا.


إدارة التوحش – الجزء الأول

 كتاب إدارة التوحش، أو ما يسمّيه الكثير من المحللين “دستور المتطرفين”، مئتان و اثنا عشرَ صفحة موضوعةٌ بدقة تُقسّم إلى خمسة مباحث و سبع مقالاتٍ مُلحقة، تضع القواعد و الأسس العمومية مع ذكر بعض التفاصيل الهامة للوصول إلى ما أسماه “دولةً إسلاميّة” دون التطرق للتفاصيل الصغيرة إذ أنّ الكاتب قد ترك حريّة التصرف “دون انتهاك الأمور الشرعيّة” لمن كان قادراً على تطبيق ما ذُكر.

بدايةً أودُّ الحديث عن الكاتب و من ثمّ سنتحدث عن الكتاب إذ أن أهميّة كلٍّ منهما لا تزيد ولا تنقص عن الآخر، شخصية الكاتب قد حازت على جزءٍ كبيرٍ من أهمية الكتاب .

غموضٌ كبير يُحيط بشخصية “أبو بكر ناجي” و هو الاسم الذي وُضِعَ كمؤلفٍ للكتاب، وبعد شهرة الكتاب و التزام الكثير من الجماعات الإسلامية المتطرّفة بقواعده، بدأ البحث عن الهويّة الحقيقة لناجي، في هذه الورقة البحثية سنذكر الاحتمالات الخمسة المرجّحة لشخصية ناجي الحقيقيّة، مع ميولي بشكلٍ شخصي للاحتمال الخامس والذي سأتحدث عنه مطولاً .

بدأ أبو بكر ناجي كتاباته في منتدى “أنا المسلم” في بدايات القرن الحالي، وهو منتدىً يجتمع فيه الكثير من منظري الجماعات الجهادية و ينشرون فيه مقالاتهم و آرائهم، وقد كشف العديد منهم عن هويتهم الحقيقة إبان انخراطهم ضمن جماعاتٍ سواء في سوريا أو العراق أو اليمن في السنوات الأخيرة، نشر أبو بكر العديد من المقالات قبل نشره لكتابه “الخونة” والذي لا يُعدّ إلا تجميعاً لمقالاته التي سبق و نشرها في المنتدى مع توسعةٍ في بعضها، ليركّز الكتاب بشكلٍ كاملٍ على التعامل بين “أمريكا، الأنظمة الحاكمة، والتيارات الإسلامية”، ليغيب بعدها فترة قصيرة و يعود لنشر مقالاتٍ كانت لاحقاً جزءاً لا يستهان فيه من كتاب “إدارة التوحش” .

الاحتمال الأول لشخصية أبو بكر ناجي، هو محمد صلاح الدين زيدان، والذي كان يشغل منصب منسق الشؤون الأمنية و الاستخباراتية في تنظيم القاعدة و اشتهر كمنظرٍ عسكري مرافق لأسامة بن لادن قائد التنظيم آنذاك بين عام 1992  وعام 1996، وأُرجح بناء ذلك الشك على الشبه الكبير في الأسلوب بين أجزاءٍ من كتاب إدارة التوحش و موادٍ منشورة في مجلة “صوت الجهاد” والتي كانت تُنشر في أفغانستان بذلك الوقت.

أما الاحتمال الثاني هو سعد بن أسامة بن لادن، الشاب الذي سار على خطى والده ليكون له مكانةً في تنظيم القاعدة و الذي عُرف عنه تعلمه السريع و ملازمته للقادة أثناء فترة مرافقته لوالده قائد التنظيم بين عامي 1991 و 1996، وقد حاول والده إعداده بشكلٍ مكثف ليحلّ محله لاحقاً كقائدٍ للتنظيم، ويُرجح أنه ناجي بسبب بعض الرسائل التي وُجِدت بمكان إقامته في باكستان والتي احتوت على عدة أوراقٍ قد ذُكرت في الكتاب. هناك رأيٌ يرجح أن تلك الأوراق قد استلمها أسامة بن لادن من منظرين آخرين في التنظيم .

الاحتمال الثالث هو أشهر ممن سبقاه، أبو مصعب السوري، مصطفى عبد القادر، أو كما كان يوقّع كتبه “عمر عبدالحكيم” وهو المنظّر السوري الذي انخرط في صفوف التنظيم و كان له مكانةً كبيرة، وقد نشر عدّة كتبٍ باسمه، ولكن أقساماً قد وردت في كتب السوري كانت قد خالفت عدّة مراتٍ آراء ناجي في “إدارة التوحش” أراه سبباً كافي لنفي احتماليته – على الأقل في هذه الأجزاء -.

الاحتمال الرابع والذي يرجّحه العديد من الباحثين عن خلفية الكتاب، هو محمد خليل الحكايمة، مصريّ الجنسيّة، والمسؤول عن الإعلام والترويج لتنظيم القاعدة في حينها، إذ يرى كثيرون تشابه أسلوب الحكايمة مع أبو بكر ناجي، وخصوصاً في أمثلته الكثيرة للجماعات الإسلاميّة في مصر، وذكره لتفاصيلٍ أكدت للبعض أنها قد وردت منه، حيث كان قيادياً للجماعة الإسلامية بأسوان – مصر – ليشنقّ عنهم لاحقاً بسبب رفضه مبادرة الجماعة الشهيرة والتي قاموا فيها بمراجعاتٍ فكرية و فقهية و هذا ما رفضه أبو بكرٍ ناجي بشكلٍ واضح للقارئ في كتابه، كان الانضمام الرسمي للحكايمة إلى تنظيم القاعدة في بيانٍ مصوّر يظهره بجانب أيمن الظواهري عام 2006 حيث أعلن “مبايعة” مجموعته “الجماعة الإسلامية” إلى تنظيم القاعدة وكان يُلقب حينها “أبو جهاد المصري” .

أما الاحتمال الخامس والذي أرجّحه بقوة، أن الكتاب ما هو إلا نِتاجُ عملٍ مشترك – غير مباشر – بين من سبق ذكرهم و ربما آخرون من منظري التيار السلفي الجهادي، وأن أبو بكر ناجي هو اسمٌ وهمي قد استخدم من قبل عدّة أشخاصٍ لنشر الأمور التي قد واجهت نقاشات خلافيّة منها حادّة جداً في حينها، وأرى أن من يقف وراء ناجي يتفق آيديولوجياً وليس تنظيمياً مع القاعدة .

كانت المشاركات الأخيرة في النقاشات لأبو بكر ناجي على منتدى “أنا المسلم” في الأشهر الاخيرة من عام 2008، وهو ما ينفي قطيعاً أنه أبو مصعب السوري إذ أنه قد تم اعتقاله قبل هذه الفترة ويترك الاحتمالات المفتوحة لمن بقي، دون إعلانٍ صريحٍ حتى هذه اللحظة من “أبو بكر ناجي” يكشف شخصيته الحقيقيّة على أيِّ من المنتديات التي كان يستخدمها .

أما بالنسبة للكتاب، فسنذكر ملخصه الآن و نتجه إلى تفنيده بشكلٍ أوسع في القسم القادم .

يعتمد الكتاب على وضعه لأسس ما أسماه “إقامة دولة الخلافة” بأسلوب يتجه بشكلٍ كبيرٍ إلى التكتيك العسكري مع محاولة حفاظه الدائم على الأمور الشرعيّة، ويرى الكاتب أن الذي يفرّق بين “الفوضى” و “التوحش” أن التوحش هو الحالة المتفاقمة من الفوضى والتي تشبه إلى حدٍّ كبير الحالة التي تعقب سقوط حكومات الدول، حيث يرى أن سقوط الأنظمة وانتشار الفوضى يأتي أولاً، ثم يتوجب على الجماعات الإسلاميّة التحرك لتأجيج هذا التوحش حتى يشعر الناس بحاجتهم إلى قانونٍ بعد اعتماد قانون الغاب في تلك الأثناء وهنا تكون فرصة الوصول إلى الحكم، لتبدأ بعدها الجماعات الإسلاميّة بتلبية حاجات الناس من الأمن و الغذاء و الدواء والقضاء “ألشرعي”، ومن ثم يشرعون بتدريب جميع القادرين على حمل السلاح ليحكموا بعدها قبضتهم على المجتمعات التي حصل فيها التوحش لاعتمدها كمركزٍ ينطلقون منه إلى المجتمعات المحيطة .

يبدو الكتاب كمجموعةٍ من القواعد و الوصايا الموضوعة بحزم، لتكون اللَبَنة الأساسيّة مع الحفاظ بشكلٍ دائم على حريّة المنفذ في وضع التفاصيل اعتماداً على الظروف المحيطة به، شرط التزامه بالأمور الشرعيّة .

 

و يٌلاحظ القارئ اعتماد الكاتب على اللهجة الحادة في الكتاب بأكمله، إذ أن أكثر ما يلفت الأنظار، أن الكاتب يذكر الجهاد مئتان و خمس مرّاتٍ، في حين أن ذكره للصيام و الصلاة كلاهما كان سبع مرّاتٍ فقط، مع ابتعاده عن ذكر الحجٍّ بشكلٍ كامل، وهو ما لا يحقق التوازن أبداً إذ أن إهمال ثلاثة أركانٍ أساسيّة من الإسلام و التوجه إلى الجهاد، وتكرار جملة “يقوم الإسلام على الجماجم و الأشلاء و الدماء” في عدّة مرات، كافٍ لإعطاء فكرةٍ عن هذا “الدستور” والذي سنتحدث في تفنيده كيف كان فاصلاً بين جيلين من “الجهاديين”، القاعدة و داعش .

القسم الأول من الدراسة
داعش بين المرحلية و البقاء في نظرية المراحل الست | القسم الأول

القسم الثاني من الدراسة

التنظيمات “الجهادية” بين فطرتها و صناعة المخابرات لها| القسم الثاني 

Syrian blogger , ‎Advocacy Trainer of Sound and Picture organization , Co-Founder at Raqqa is Being slaughtered silently

3 تعليقات

اترك رد