محمد الخضر

 

أجلس على شرفة منزلي , فنجان قهوتي البارد و سيكارتي المنسيّة يجرون أحاديثهم الصباحيّة , أشبههم هنا قليلاً , إذ لا قلوب لنا , لم يدخل قلبي يوماً إلى هذه البلاد , تركته عند حدود وطني , عندما غادرته مُكرهاً بعد 5 سنوات من مقاومتي لفكرة الخروج منه , لم يهن عليّ أن أترك الوطن وحيداً , فتركت قلبي معه , ليؤنس كل منهما وحدة الآخر .

هذا الوطن الذي لم يمثل لي يوماً جغرافية المكان – لم أكن يوماً محباً للجغرافيا أساساً – على العكس تماماً , إذ أنني أظنّها السبب الرئيسي في هروبي من دراسة الفرع الأدبي في الثانوي و توجهي لمرارة الأرقام , لم أكن أعي بأنهما سيرتبطان ارتباطا وثيقاً في المستقبل , ليصبح الشهداء و الجرحى مجرد أرقامٍ في جغرافية الوطن .

فكرة الوطن كجغرافيا كانت دوماً مليئة بالتناقضات في نظري , لربما قرب المنطقة التي نشأت فيها من العراق كان له دور في انقسام هويتي بين سوريا و العراق , أحمل الجنسية السورية , و أعيش في حدود سوريا الجغرافية , ولكن لا يثير حماسي سوى الأغاني الوطنيّة العراقيّة , و لا استمتع إلا بسماعي لروّاد الطرب العراقي , بل حتى وصلت بي الحال , أن أصبت بمتلازمة “النوح العراقي” , لم اعتد يوماً أن يرافق فنجان قهوتي الصباحي صوت فيروز , كان المرافق لها دائماً سعدي البياتي أو المعروف بـ”نوّاحة العراق” , أظن هذا ما يسمّونه عراقي الهوى. حتى عندما كنت في حدود الوطن الجغرافية , كانت أغاني الغُربة تثير في نفسي الكثير من الشجن , و لكأن المطرب يغني بلساني , لربما لهذا ابتلاني الله بالغربة , – رحيمٌ يا رب – لا تريدني أن أنوح بلا سبب .

يوماً أردت أن أقنع نفسي بجغرافيا المكان , فبدأت بالبحث عن المميزات التي يتمتع بها وطني في كتب الجغرافيا , فكان المميز الأول الذي وجدته “النفط” , أي نفط هذا الذي تتحدث به الكتب , النفط الذي لم نرى منه سوى البلاء منذ اكتشافه لغاية اليوم , هذا النفط الذي نالنا منه كل أمراض الدنيا و نال أصحاب المعالي بالخيرات , لا خير في نفط تحت الأرض و الناس تموت جوعاً فوقها , لم يستطيعون إقناعي أنه “ذهبٌ أسود” . إنه أسود فقط معنوياً و مادياً , فحاولت إقناع نفسي بالذهب الأبيض , علّ الفارق اللوني يؤثر على الفكرة , ولكنّ فكرتي لم تكن صائبة , إذ أننا لم نرَ يوماً من الأبيض سوى الأكفان التي التف بها الشهداء ، و وجوههم طبعاً.

هربت من الجغرافية التي لم تسعفني لعلِّ أجد مُرادي في كتاب القوميّة , الكتاب الذي لم أستطع يوماً النجاح به , وكان دوماً عدويّ اللدود , أول كلمة خطرت لي من هذا الكتاب المشؤوم هي المساواة , بحثت كثيراً عما تساوى به الشعب السوري بأكمله , فلم أجد إلا الفقر و الموت و النزوح , كانوا القواسم المشتركة بين الجميع , ثم صادفتني عبارة رنانة “الرفاه الاجتماعي” , ولكن كان يجب أن يتم تعديل العبارة إلى “الرفاه الاجتماعي بعد الموت” , فالموت هو الترف الوحيد الذي ناله شعبي , ولم يكن في كل حالاته أيضاً , إذ اقتصر على من مات بجسدٍ كاملٍ و حَظِيَ بقبلة والدته على الجبين , بيوتنا كانت من طين و قبورنا من رخام , لا نذكر مناقب الأحياء حتى يموتوا , و حتى هذا اليوم فقدناه , فقدنا منازل الطين و قبورنا أصبحت حجارة , و الأموات لم يعد أحدٌ يذكرهم , أغلقت كتبي بعد أن ازدادت حيرتي عن مفهوم الوطن .

تربيت في منزلي على مجموعةٍ من القيم , قيمٌ لا ترتبط بزمان و لا مكان , كان أكثر قيمة يتم التشديد عليها في المنزل “الكرامة” , لا تزال كلمات أبي تتردد في أذني , “يا ابني .. خليك مثل النخل واقف يموت” , لربما تقصّد أبي اختيار النخل كمثال , فما عُرف النخل أبداً إلا شامخاً , حتى الفلاح عندما كان يريد قطف ثماره يضطره للصعود إليه , و لا أظنه انتبه أنه سيشابهني بحيرتي إذ أننا ننتمي إلى نفس البيئة التي تحثني على الأسئلة! .

حيرةٌ حيرة , ليس لي إلا أن أرسم أنا صورة الوطن , حسناً لننسى الجغرافية , الوطن الحقيقي الذي ألمسه في جلوسي مع البسطاء , لم أكن يوماً ممن يسمّون أنفسهم مثقفين , و لأكون صادقاً أكثر , لم أحبهم يوماً , وازددت تمسكاً أكثر بهذا الأمر بعد خروجي من سوريا , فهؤلاء البسطاء لو حدّثتهم عن جسور السلام و السلم الأهلي و تمكين المرأة لضحكوا , فالسلام لديهم هو سلام داخلي يعيشونه بفطرتهم لا بورشات العمل , و تمكين المرأة لديهم باستلامها زمام أمور المنزل بأكملها , وجلسة صفاء مع “كاسة شاي” بسهرةٍ صيفية في “حوش البيت” , هؤلاء دوماً كانوا ولازالوا ملاذي الآمن الذي يعيد بوصلتي لمكانها الصحيح , و كعادتهم دائماً يعيدوني إلى الصواب , وأحسست حقاً بمفهوم الوطن , وطني هو كلمات أبي عن الكرامة و الشموخ و البذل في سبيلها , حضن أمي التي قدمت النفيس و الغالي في سبيل ثورة الكرامة التي كبرنا معها , كتف أخ حر ثائر , أسند رأسي عليه و أشكو له جور الزمان , زوجتي في كل يوم تبعث في نفسي القوة على الاستمرار , نظرة الشموخ في عين أخت ثائرة لا زالت على أخلاق الثورة الأولى , لم تعتنق مظلومية النسويّة و تنتفض لحقوقٍ دون واجبات , وطني هو شيء يكسر كل الثوابت و المقاييس في رأسي , الفرات الطاهر , من المنبع إلى المصب , تتوقف على شطآنه بوصلة المكان و ساعة الزمان , ليجمع ابناءه في الرخاء و الشدة , فمهما طال غياب الابن , لابد يوماً من عودته لحضن الفرات .

اترك رد