محمد الخضر – صوت وصورة 


لا أزال أذكر المظاهرة الأولى التي خرجت في مدينتي البوكمال بكل تفاصيلها , أستطيع روايتها و كأنها تحصل أمامي الآن , فقد شاءت الصدف أن تتأخر مدينتي جمعتين عن الالتحاق بركب الثورة لوجود جنازتين خرجت من الجامع الأكبر في المدينة , ما ساهم في تأجيل المظاهرة لغاية الثامن من نيسان عام 2011 .

لم تكن مظاهرة صغيرة قياساً بالمظاهرات التي كانت تخرج في تلك الفترة , بدأت ببضع عشرات و لكن أعداد المتظاهرين وصلت لقرابة 5 آلاف في تلك المظاهرة , حاول البعض احتواء المتظاهرين بوعود قدموها لهم , و لكن هيهات أن يسكت شعب عرف طعم الحرية , عرف معنى الخروج في مظاهرة ليطالب بحقوقه , بعد أن اعتاد أن يُساق إلى مسيرات التأييد مجبراً .

في الجمعة الأولى لم تتجاوز الهتافات المطالبة بالحرية و بكف الأذرع الأمنية عن درعا , و لكن الشعب في ديرالزور المعروف ” بدمه الحار ” رفع شعار إسقاط النظام في الجمعة الثانية , و حطم كافة صور سيء الذكر حافظ الأسد و ابنه بشار التي كانت متواجدة في المدينة .
كان الحراك في تلك الفترة بسيطاً في مظاهره و توجهاته , لم يكن هناك أيدولوجية للمتظاهرين , كانت تجمعهم جميعاً أيدولوجية الثورة , هدفهم و شعاراتهم واحدة , ” حرية للأبد , الله سورية حرية و بس , الشعب يريد إسقاط النظام ” , و رغم ذلك كان الجميع يهتف بحرقة , حرقة الوجع و الظلم الذي تقاسمته كافة فئات الشعب السوري من العائلة الأسدية , هذه العائلة التي أطلقت يد عناصرها لتتصدى للمتظاهرين بعد إعطائهم الضوء الأخضر لإطلاق النار , و لكن كل رصاصة أطلقها الأمن زادت من اعداد المتظاهرين المنضمين للثورة , بسبب طبيعة المنطقة العشائرية من جهة , و بسبب الظلم و الإهمال الكبيرين الذي عانت منهما المنطقة .

كان العارفين بخفايا السياسة و ألاعيبها في منطقتي لا يتجاوز بضع عشرات , و هؤلاء معظمهم مغتربين , و من بقي منهم فهو كما يقال عنه ” عليه نقطة سودا ” , كيف يعرف الشعب بألاعيب السياسة و هو الذي حرم منها ما يزيد عن 40 عاماً , في وقت عرف عن النظام السوري دهاءه الكبير , و لكن شاءت الأقدار أن النظام تغابى عن كل السياسة , ليضرم نار الثورة بتصرفاته الحمقاء دون وعي .

في تلك المرحلة ظهرت محاولات بسيطة لتنظيم الحراك و إظهار الوجه الحقيقي للثورة , و لكن النظام عمد إلى اعتقال كل شخص حاول تنظيم الحراك , و عمد إلى دس بعض المخلصين له بين المتظاهرين , لم يطلب منهم شيء و لكن تركهم لوقتهم , هذا الوقت حان عندما هاجم النظام سوق المدينة و قتل 5 مدنيين بالرصاص كانوا في السوق بذلك الوقت , حاول العقلاء امتصاص غضب الشعب و التصرف بحكمة لمعرفتهم برغبة النظام بجر الحراك إلى السلاح , و هنا حان دور المدسوسين من قبل النظام ليقوموا بلعبتهم و يهاجموا المفارز الأمنية , الأمر الذي استغله النظام لجلب الدبابات إلى المدينة و يبسط سيطرته عليها بالقوة و يقمع أي محاولة للتظاهر , هنا بدأ الناس يعون أن لا جدوى من الحراك العشوائي الغير المنظم , و أن إسقاط النظام بحاجة للسياسة التي لازال الثوار جدد في التعامل معها , فبدأ في تلك الفترة التواصل مع المغتربين من أبناء المناطقة لإيصال صوت المتظاهرين و مطالبهم , و إظهار حقيقة ما يحدث في الواقع , و أنه ثورة شعبية لا عصابات مسلحة كما صورها النظام .

في ذاك الوقت تحول مسار الثورة إلى السلاح و بدأت بوادر الجيش السوري الحر بالظهور , الأمر الذي أبطأ من مسار السياسة لغاية تحرير مدينة البوكمال و ريف ديرالزور الشرقي بأكمله من قبضة نظام الأسد , و عندها عاد الحراك السياسي للظهور و بقوة , كانت تلك الفترة هي الفترة الذهبية للحراك المدني و السياسي في المنطقة , حيث تم تشكيل مجالس محلية و منظمات شبابية و الكثير غيرها من وجوه الحراك السياسي المدني , و لكن هذا الأمر لم يرق كثيراً للنظام , فدفع رجالاته إلى تسهيل إنشاء جبهة النصرة , و استفاد من قرب المناطقة من العراق , فكانت بدايات ظهور جبهة النصرة في ريف ديرالزور .

في بداية الأمر استغلوا الشعارات الدينية لترويج فكرهم , فتبعهم عدد من البسطاء الذين انخدعوا بالشعارات التي رفعتها النصرة , و بدء زحف النصرة على الثروات في المنطقة , فسيطروا على بعض آبار النفط و الغاز و المعابر بين سوريا و العراق , في تلك المرحلة أيضاً بدأت داعش بالظهور مستخدمة شعارات أقوى من النصرة لتستفيد مما يحدث على الأرض , كل هذه الأمور كان المتضرر الأكبر منها هو الحراك المدني , فالحركات المتأسلمة التي ظهرت تقاسمت مع النظام العداء للحراك المدني , كيف لا و شعار الحرية الأكبر الذي رفعته الثورة بنظر هذه الحركات هو كفر .
بقيت سيطرة النصرة على المحافظة لغاية سيطرة تنظيم داعش في عام 2014 , بعدما تم تسليم المحافظة للتنظيم من قبل جبهة النصرة , و هنا شعر الناس بمدى الخديعة التي كانوا واقعين فيها , و بمدى الخيانة التي ارتكبتها هذه الحركات لهم باستخدامها الدين في جذب الناس , لتعود الناس من جديد للحراك المدني بعد النزوح الذي عاشته المحافظة و لاتزال تعيشه باتجاه مناطق سيطرة الجيش الحر أو تركيا .

استغرقنا الأمر 6 سنوات حتى عدنا للحراك المدني مرة ثانية , 6 سنوات خسرت فيها الثورة مئات الآلاف , 6 سنوات تقاسم فيهما النظام و داعش الأراضي التي كانت خارج سيطرة كل منهما .
اليوم و الثورة في طريقها إلى عامها السابع , لازلنا سياسياً لم نكمل عامنا الأول , بعد مخاض عسير خاضه الشعب , و لكن يحدونا أمل كبير , بأن المولود الجديد ثورياً , سوف يكون ذا معجزة كمعجزة المسيح , ليتكلم في المهد و يسمع صوته للعالم بأسره , بأن سوريا لينا وماهي لبيت الأسد .

اترك رد