ديرالزور – صوت وصورة

 

منذ أن أحكم تنظيم الدولة سيطرته على محافظة ديرالزور في تموز/يوليو من العام 2014 , استخدم مصادرة أملاك معارضيه كعقوبة لهم , بطريقة مشابهة لما يفعله نظام الأسد , فأطلق أيادي العناصر المبايعين له من أبناء المناطق التي سيطر عليها , ليقوموا بمصادرة أملاك عناصر الفصائل المسلحة الذين اتهموا بمحاربة التنظيم , مع منح مكافآت للعناصر الذين يقومون بهذا العمل , تراوحت بين مكافآت مالية أو منحهم أثاث المنازل التي يخبرون عنها , إلى منح البعض منهم منزل من المنازل المصادرة .

دأب التنظيم على فعلته لحاجته لمنازل لمقاتليه الأجانب , فأهالي المنطقة يرفضون تأجير منازلهم لمقاتلي التنظيم , و إن لم يكن هذا الأمر بشكل معلن لخوفهم من انتقام التنظيم , و لكن بطرق ملتوية , كأن يقوموا بتأجير هذه المنازل لأقاربهم , أو يمنحوها بشكل مجاني للنازحين من باقي المناطق , أو حتى بيع هذه المنازل خوفاً من مصادرتها أو سكن عناصر التنظيم فيها ما يعرضها للقصف , و لكن حاجة التنظيم للمنازل و التي تتجاوز المتوفر في المناطق التي يسيطر عليها , دفعته للبحث عن طرق جديدة لتأمين السكن لمقاتليه , فلجأ لمنع البيع بشكل قطعي إلا عن طريق عناصره , فأنشأ ديوان العقارات لمراقبة عمليات البيع و الشراء , هذه العمليات التي لم تكن تتم إلا بموافقة عناصر التنظيم , بعد دفع مبلغ من المال بشكل سري للعناصر لإرضائهم , ليحصل أصحاب العقار على تزكية من العناصر ليستطيعوا بيعه , و في كثير من الأحيان يكون المشتري من التجار المقربين من التنظيم , و رغم هذه الخطوة إلا أن خسارة التنظيم لكثير من المناطق في العراق و سوريا , جعلت حاجته للمنازل لاستيعاب عوائل المقاتلين القادمين من المناطق التي خسرها , أكبر مما يستطيع ديوان العقارات تأمينه , فلجأ لمصادرة منازل المدنيين تحت تهم عدة .

عادل الفراتي أحد المدنيين الذين تعرضت منازلهم للمصادرة في ديرالزور قال : ” خرجت و عائلتي من مناطق سيطرة التنظيم بعد أن أصبحت أحوالنا الاقتصادية سيئة جداً , فأنا موظف حكومي كنت أعيش و عائلتي على الراتب الشهري الذي كنت أحصل عليه , و بعد حصار داعش لمدينة ديرالزور و توقف الرواتب , وجب علي البحث عن مصدر رزق أعيل منه عائلتي , فانتقلت للعمل على عربة خضار متنقلة , و كان يساعدني قليلاً امتلاكي للمنزل الذي أقطن فيه بعد أن ورثته عن عائلتي , و بالتالي عدم اضطراري لدفع إيجار , إلا أن الأحوال ساءت جداً فيما بعد , فمن القصف المتكرر الذي تعرضت له المدينة , إلى سوء الأحوال الاقتصادية , وعملي الذي لم يعد يكفي لسد احتياجات عائلتي , ما دفعني للتفكير بالخروج باتجاه تركيا , فجلبت أحد اقاربي و أسكنته في منزلي خوفاً من مصادرة التنظيم له و خرجت باتجاه تركيا , و حتى بعد وصولي إلى هناك كنت خائفاً من مصادرة التنظيم لمنزلي , لذلك لم اتحدث بالسوء عن التنظيم حتى في تركيا , لمعرفتي بأن أعين التنظيم كثيرة و بأنهم قد يصادرون منزلي , لذا لم أرغب بإعطائهم الحجة “

و يضيف عادل : ” جميع الخطوات التي قمت بها لم تشفع لي عند التنظيم , فقد أخبرني قريبي الذي يقطن في منزلي أن التنظيم أبلغه بضرورة إخلاء المنزل من سكانه خلال أسبوع , و منعه من إفراغ المنزل من الأثاث , و عند سؤاله عن التهمة أخبروه بأن صاحب المنزل يسكن في مناطق الكفر , لم يعلموا بأن جوع أولادي هو الكافر و ليست المنطقة التي أسكن بها “

المطلع على الطبيعة السكانية لمحافظة ديرالزور يعرف أن معظم العوائل في المحافظة لها أبناء في الخليج العربي منذ وقت طويل , و الكثير منهم يرسلون الأموال لأهلهم لشراء منازل لهم تؤويهم بعد عودتهم من غربتهم التي خرجوا لها مجبرين لتأمين عيش كريم لهم و لأبنائهم , هذه المنازل التي ساهمت بعض الشيء في حل أزمة تأمين السكن للنازحين قبل سيطرة التنظيم , فالكثير من النازحين تم منحهم منازل مجانية من المنازل التي تعود ملكيتها للمغتربين , و لكن التنظيم لم يغفلها و وضعها نصب أعينه أيضاً .

أبو خالد الحمصي أحد النازحين في ريف ديرالزور قال : ” نزحت من محافظة حمص منذ عام 2012 و اتجهت إلى محافظة ديرالزور , كان لي أصدقاء في المحافظة الأمر الذي شجعني على التوجه إليها , و قد منحني بعض الأصدقاء منزل لأعيش فيه مع عائلتي , تعود ملكيته لأخ مغترب لأحد أصدقائي , و قد بقينا في المنزل حتى بعد سيطرة داعش على المحافظة , فمنذ سيطرتهم لم أتدخل في ما يحدث في المحافظة فأنا غريب عنها و لا أستطيع البوح بكل شيء , إلا أن عائلة صديقي كان لديها مشاكل مع أحد العوائل المجاورة و التي ينتسب ابنها للتنظيم , فلما بدأت مصادرة المنازل وجد الفرصة سانحة للانتقام فأبلغ التنظيم أن المنزل تعود ملكيته لشخص مغترب و يقطنه نازحون , فصدر أمر من داعش بمصادرة المنزل و منحه لأحد المقاتلين التونسيين الذي كانوا في العراق و الذي قدم حديثاً للمنطقة , و طردي و عائلتي من المنزل , و الآن أسكن في منزل صديقي مع عائلته بشكل مؤقت , ريثما أجد حلاً لمشكلتي مع السكن , و الحل الوحيد المتوفر حالياً هو السكن في احد المنازل التي لم يكتمل اكسائها , فهذه المنازل لم يحتجها التنظيم بعد ليصادرها “

المنازل بحد ذاتها ليست الهم الرئيسي لسكان ديرالزور , و لكن القاطنين الجدد في هذه المنازل هم ما يثير قلق الأهالي , أبو سعيد من مدينة البوكمال قال لمراسلنا : ” مصادرة داعش للمنازل أمر سيء , و لكننا نمني النفس بعودتها بعد خروج التنظيم , فهذه المنازل مسجلة بأسمائنا و تعود ملكيتها لنا بشكل رسمي , و مهما طالت سيطرة التنظيم فهو سوف يخرج من ديارنا عاجلاً أم آجلاً , شأنه شأن أي محتل آخر في التاريخ , فالأرض لابد أن تعود لأصحابها , و لكن ما يثير قلق الأهالي حقيقة هم الأشخاص الذين يسكنون البيوت المصادرة , فطبيعة ديرالزور الخاصة جعلت من السكان نسيجاً متجانساً , فسكان الحي إما أن يكونوا أقارب أو يعرفون بعضهم منذ سنين طويلة , أم اليوم بعد أن سكن مقاتلي التنظيم في المنازل لم نعد نعرف جيراننا , فمنهم التونسي و الشيشاني و السعودي , الأمر الذي أخل بهذا النسيج الذي هو أساس المجتمع , و من جهة ثانية فإن السكان يخافون من استهداف هذه المنازل التي يقطنها المقاتلون , فربما يتم منح المنزل لشخص مهم من التنظيم , ما يؤدي لاستهداف المنزل و تعريض الحي بأكمله للخطر , و هذا الأمر حدث في عدة مناطق , و الأخطاء ازدادت في الآونة الأخيرة , و أصبح سقوط ضحايا مدنيين بقصف لطيران التحالف أو الطيران الروسي أمر نسمعه كل يوم ” .

المدنيون في ديرالزور اليوم حائرون بين الخروج من مناطق سيطرة التنظيم و مصادرة أملاكهم أو البقاء في ظل حكم التنظيم و العيش بين خطر المصادرة أيضاً أو الموت بقصف لإحدى الطائرات التي لم تستطع التمييز بين مقاتل و مدني , يعرفون أنهم ربما يموتون في أي لحظة و لكنهم يفضلون الموت في منازلهم , على الموت في ديار الغربة .

نحن مجموعة من الناشطين الحقوقيين وبعد ملاحظتنا لقلة الجهات التي توثيق الانتهاكات المرتبكة بحق المدنيين في سوريا، قررنا إنشاء هذه المنظمة و التي تختص بتوثيق الانتهاكات المرتكبة من قبل جميع الجهات للعمل على محاسبتهم من قبل المجتمع الدولي. المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

اترك رد