محمد الخضر

 

جيتك يا شط متعنّي و أنذر لك نذر .. ليلة أربعا و أشعل شموع الخِضِر” ، دمعة تقفز على وجه أمي ، تكفكفها على عجلٍ كي لا نراها ، “شموع الخضر” العادة الفراتية المتوارثة , والتي تنص على إيقاد الشموع و وضعها في النهر في ليلة الأربعاء ، و تركها تطوف على خشبة أو سعف نخلة ، مع أمنية أو دعوة تؤنسها ، و مراقبتها حتى تغيب مع مجرى النهر ، انطفاءها لا يبشّر بالخير , و البقاء مشتعلة يدعو لتحقيق تلك الدعوة .

البارحة ، ليلة الأربعاء ، و كأي جارٍ لذاك النهر , يجري الفرات بعروقه ، لم ننسى عادتنا المتوارثة ، بل أوفيناها حقّها ، لنشعل “شموع خضرٍ” من شباب الفرات , “طائفين” بأجسادهم من منبع الفرات السوري بجرابلس ، عسى أن يعودوا و نعود بعد غيابٍ طويل .

شعور جميل راودني و أنا أشاهد جرابلس تتحرر من قبضة “الغربان السود” ، والعلم الجميل الذي استشهد من أجله الأبطال ، يقف على أطلال المدينة المحررة ، جرابلس لها خصوصية لدينا – كـفراتيين – ، فهي تمثّل البدايات الجميلة ، الفرات مثلاً ، يدخل منها إلى سوريا ، هذا النهر الذي يرتبط بنا ارتباط الولد بأمه ، و كأن تحرير جرابلس بالنسبة لي هو نصر للفرات و أبناءه ، يكفي أننا نقتسم الضفاف و نشرب من نفس المنبع كي نفرح بالتحرير .

و لي في الفرات هوىً .

نهرً يروي عطش المشتاقين ، هو لنا ، تعلوه سماءً ، أيضاً لنا ، مطرّز على جنبيه وطن .

يا صديقاً طال فراقنا .

أما محافظتي المعذبّة ، ابنة الفرات المدلّلة دير الزور ، أخبرني جدّي مرةً أن علينا حفظ أي طريق نسير فيه ، كي نأمن العودة عن ظهر قلب ، لكن ماذا تفعل محافظةً ترعرعت في حضن الفرات ، كيف تعود أدراجها !؟

هذه المحافظة التي دفعت الشيء الكثير في سبيل نيل الحرية من قبل وصول “سيّء الصيت” الأسد الأب إلى السلطة , حريّةٌ حارب أهل الدير لنيلها وسجل التاريخ أسماء أولادها بحروف من ذهب في دفاتره ، منذ أربعينيات القرن الماضي وحتى يومنا الحاضر ، فالبوكمال هي المدينة الأولى التي تحررت من الاحتلال الفرنسي لسوريا ، قبل تحرر دمشق بعام كامل ، و تشهد الساحة السياسية لأبناء المحافظة بالشيء الكثير ، حتى وصل سيء الذكر حافظ للحكم ،  وفي بدايات حكمه تعرض لمحاولة اغتيال في الرقة بالتعاون بين شباب ثائر من دير الزور والرقة ، لتبدأ مرحلة التشويه الممنهج لمحافظة دير الزور و جلّ المنطقة الشرقية ، تشويه مع الأسف نجح في أن يزرع صورة نمطيّة في أدمغة الكثير من السوريين ،  لتصبح دير الزور مثالاً للتخلف و كأنها منفية من الحضارة ، ولكن رغم كل محاولات الأسد لم يستطع أن يقطع هذا الانتماء و لم يستطع نزع الفخر من أبناء المحافظة بديريتهم .

أنا من دير الزور و كلي فخر بهذا الانتماء ، أنا من محافظة فتحت باب الثورة ضد الفرنسيين ، أنا من محافظة أبوابها مشرّعة دوماً للضيف ، أنا من ابنة الفرات التي ثار أبناءها في أوج القبضة الأمنية في ثمانينيات و تسعينيات القرن الماضي ليقولوا كلمة الحق ولو على رقابهم ، أنا ابن “اللي ما سكتت عَ الضيم” و جاوبت درعا و قالت : “عين عيونك درعاوية .. جوك الشباب الديرية” ، المحافظة التي كانت ومازالت خزان الثورة المادي و البشري ، أنا من المحافظة الصامدة تحت عذاب أعتى مجرمي العصر ، نظام غاشم يرزح على صدور أبناءها ، ويصب حمم طائراته فوق رؤوسهم ، و تنظيم أسود يسوم سكانها أنواع العذاب .

دير الزور , ممتلئٌ بها ، بالتفاصيل ، الابتسامات ، الذكريات ، الحنين ، الأنين ، الحضور ، الغياب .

نسيها الجميع أو تناساها ، إعلامٌ لا يهمها إلا إن وُجِدت صور لمعاناة “عمران” الديري وإن لم يوجد فلا هيبة للموت عنده ، ينتقي المعاناة التي يسلط عليها الضوء وفقاً لأهوائه ورغباته ،وكأن قذيفة الهاون أو صاروخ الطائرة تستطيع التمييز أيضاً ، مجتمع دولي يراها كحاضنة للإرهاب الدولي الذي يخافه الجميع ، إرهابٌ أخذ من شبابها أكثر ما أُخذ منهم ، و رغم هذا فهي يجب أن تدفع ثمن أخطاء محتل أسود .

أنا ديري ، ولا يهمني تراشقكم الاتهامات ، تحمّل المسؤوليات ، أو كشف الحقائق و الاقتصاص من القتلة ، ما يهمني ، أن الموت كان فجّاً ، حصد أرواحنا دون أن يحصد استنكار .

أنا ابن الفلّاح الذي تشققت يداه من العمل ليطعم الجميع من خيرات أرضه ، أنا ابن المرأة الفراتية التي تخبز كل يوم أرغفة التنور ، و تطعم الجار القريب والبعيد ، ولو طلبت منها رغيف لن ترضى إلا بأن تستضيفك لوجبة كاملة ، أنا ابن الأرض التي ضمت بين جنباتها شهداء بالآلاف امتزج دمائهم بترابها ، صانعاً توليفة عطريّة يعجز عنها أمهر عطّاري العالم ، أنا الديري المختنق بهواء الغربة ، أنا الديري الذي تُشير بوصلته دائما إلى الشرق، أنا ديري إذا متُّ يوماً ، روحي لن تصعد للسماء بل ستلقيها أمّي شمعة خضرٍ تطوف النهر من جرابلس للبوكمال .

نحن مجموعة من الناشطين الحقوقيين وبعد ملاحظتنا لقلة الجهات التي توثيق الانتهاكات المرتبكة بحق المدنيين في سوريا، قررنا إنشاء هذه المنظمة و التي تختص بتوثيق الانتهاكات المرتكبة من قبل جميع الجهات للعمل على محاسبتهم من قبل المجتمع الدولي. المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

اترك رد