الرقة – صوت وصورة

 

عمد تنظيم داعش الأسبوع الماضي إلى ضخ بعض الدنانير الذهبية التي سكها في سوق التبادل على بعض محلات الصرافة و التجار , هذه الدنانير التي كان التنظيم قد أعلن عنها في أواخر العام 2014 عبر إصدار مرئي ضخم أطلق عليه اسم ” عودة الدينار الذهبي ” , مستخدماً في هذا الإصدار خطاباً يتحدث عن مزايا التعامل بالدينار الذهبي ناسباً الفكرة لنفسه و مهملاً أي جوانب سلبية لهذا التعامل , لتختفي فكرة تداول الدينار بعدها لمدة طويلة حتى عادت للظهور مرة أخرى الأسبوع الفائت بعد ضخ كمية من الدنانير في مدينة الرقة .
فكرة إصدار الدينار الذهبي في العصر الحديث بدأت في العام 1983 عبر الدكتور عمر فاديلو رئيس منظمة المرابطين , الفكرة التي كانت تهدف بشكل أساسي لتقليل هيمنة الدولار على السوق العالمية , ليتم إصدار أول دينار ذهبي عام 1992 بوزن 4.25 من الذهب عيار 22 و أول درهم فضي بوزن 2.975 من الفضة الخالصة , فبدأت الدول الأعضاء بالتعامل به بشكل دولي و لكن ضمن نطاق الدول الأعضاء في هذه المنظمة فقط , و قام رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد بدعم هذه الخطوة , إلا أن الفكرة انهارت فيما بعد عقب الأزمة الاقتصادية عام 2008 بسبب الضغوط الدولية .
داعش و بطرحها للدينار الذهبي على نطاق ضيق تسعى لتحقيق عدة أهداف , فمن جهة هي تسعى لبعض الدفع الإعلامي بعد الأخبار التي تم تداولها عن ضعف مقدرات التنظيم المالية ما دفعه لتخفيض رواتب مقاتليه و تقليل عدد الجبهات التي يخوض معارك فيها , بالإضافة للانسحاب من بعض المدن , و من جهة أخرى هو يرغب بجمع أكبر كمية من الدولارات الامريكية الموجودة في الأسواق .
محمد أحد تجار النفط في الرقة قال لصوت و صورة : ” أجبرنا تنظيم الدولة منذ سيطرته على الآبار النفطية الموجودة في المنطقة الشرقية على استخدام الدولار الأمريكي في عمليات الشراء , حيث كنا نتعرض لخسائر كبيرة بسبب شراءنا النفط بالدولار و بيعنا بالليرة السورية بعد القيام بتكريره بالطرق البدائية , الأمر الذي كان يفيد محلات الصرافة بسبب الأرباح التي كانوا يحققونها من عمليات تحويل الليرة السورية لدولار , هذه الأرباح جذبت داعش , لتبدأ الأسبوع الماضي باستبدال الدولار الأمريكي بالدنانير الذهبية التي تقوم هي بسكها , لتبدأ هي بتحقيق الأرباح من عمليات مبادلة الدولار بهذه الدنانير ” .
داعش بتوزيعها للدنانير ترغب بإعطاء صورة للعالم أنها لازالت المتحكم الأول بالاقتصاد في مناطق سيطرتها , و بأن التنظيم ما زال قوياً اقتصادياً , خالد صاحب أحد محلات الصرافة قال : ” لم تكتفي داعش بالأموال التي كانوا يأخذونها منا تحت مسميات الزكاة و الصدقة و الضرائب , فشاركتنا حتى في الأرباح التي كنا نحققها من عمليات بيع الدولار , فالأسبوع الماضي جاءت دورية من التنظيم لتخبرني بوجوب شرائي لكمية من الدنانير الذهبية التي سوف يقومون بإجبار تجار النفط على الشراء بها , و بأن هذه الدنانير سوف يتم شراءها مني لاحقاً من قبل التجار , و بكل تأكيد ليس هناك أي مجال للرفض , هم يقولون بأنها لمصلحة المواطنين و لكن جميعنا نعرف بأنهم يكذبون في هذا الأمر , و أنهم يمرون بضائقة مالية , كان المقاتلين قبلاً هم المورد الأول للدولارات بالنسبة لنا , حيث يقومون بتحويل رواتبهم التي يتقاضونها لدينا لليرة السورية من أجل شراء البضائع من السوق , أما بعد تخفيض رواتبهم فلم يعد الإقبال كما كان سابقاً , كما أن قسم كبير من المقاتلين السوريين أصبحوا يتلقون رواتبهم بالليرة السورية , الأمر الذي يظهر بأن التنظيم بحاجة ماسة للدولار , و ليس كما يشيع عناصره بأنهم قوتهم الاقتصادية بازدياد ” .
داعش بإصدارها لهذه الدنانير ترغب بإرسال رسالة للعالم بأنها قادرة على زعزعة الاقتصاد العالمي كما زعزعت قبلاً الأمن الدولي , الدكتور عبدالرزاق خبير اقتصادي صرح لصوت و صورة : ” تنظيم داعش يتصرف اقتصادياً كما لو أنه كيان مستقل عن العالم , فالدنانير الذهبية هي فكرة من الممكن أن تحقق شيء في ظروف أخرى , أما في الظروف الموجودة حالياً فإن آثارها سوف تكون عكسية , كان من الممكن لهذه الدنانير أن تنجح لو كان لدى داعش اكتفاء ذاتي كامل , عندها لن تضطر للتعامل خارج حدودها , و في هذه الحالة تستطيع استخدام العملة التي تشاء حتى لو كانت عملة صخرية , و حتى في هذه الحالة فالتأثير سوف يكون محلياً فقط و لن يكون له أي تأثر عالمي , لأن قوة الدولار مستمدة من القوة العسكرية و الصناعية للولايات المتحدة , لهذا في بدايات العهد الإسلامي و الخلفاء الراشدين استمر التعامل بالعملتين الفارسية و البيزنطية لمدة طويلة , حتى قام الخلفاء بتدعيم أركان الدولة , ليقوموا بعدها بسك عملتهم الخاصة ” .
و يضيف الدكتور عبدالرزاق : ” داعش تحارب الدولار الأمريكي بطريقة سطحية جداً , فمثلاً لو قام شخص متسلط بحكم مدينة ما , فأخذ ذهب هذه المدينة و أجبر أهلها على التعامل بعملة صخرية يصنعها هو وحده , و بها يقوم بشراء الممتلكات و الثروات و إعطاء الرواتب , داعش هنا تقول بأننا لنتخلص من تأثير هذه الصخور يجب أن لا نتعامل بها , و هو أمر خاطئ تماماً و لا علاقة له بالحل نهائياً , إذ أن الحل يعتمد أساساً على المعاملات الخارجية التي تفتقدها داعش , هذا الحل يعتمد التجارة العالمية و الأسواق بل و حتى تجارة السلاح و الأسواق السوداء و غسيل الأموال .”
التنظيم قال بأن توزيع هذه الدنانير على نطاق ضيق هي خطوة مبدأية , سوف يتم تعميمها فيما بعد على كافة المعاملات التجارية , متناسياً الدخل السيء للمواطنين في مناطق سيطرته , أبو عمر مواطن من الرقة قال : ” رأيت بعض هذه الدنانير لدى صديق لي يعمل في الصرافة , و لكنها فكرة مضحكة , فقيمة الدينار الواحد تكاد تصل لضعف دخلي الشهري . أي أن دخلي الشهري يعادل نصف دينار , كيف سوف أقوم بشراء الاحتياجات اليومية باستخدام الدينار , كما أنني أصلاً ليس لدي دخل ثابت , و دخلي يأتي بشكل يومي و أحياناً لا استطيع حتى كسب قوت يومي , ألم تسأل داعش نفسها ماذا سوف يفعل المدنيون في هذه الحالة ”
رغم الضخ الإعلامي الضخم الذي تتبعه داعش في التسويق لدينارها , و رغم الهالة التي تحاول إحاطته بها , إلا أن الجميع يتوقع فشله , والأسئلة التي تدور في خلد المواطنين كثيرة , و مخاوفهم من المستقبل تزداد يوماً بعد يوم , فهل سوف تكون هذه الخطوة بداية الانهيار الاقتصادي لداعش , أم سوف تحقق الأهداف المرجوة منها ؟

منظمة صوت و صورة :
نحن مجموعة من الناشطين الحقوقيين و بعد ملاحظتنا لقلة الجهات التي تقوم بتوثيق الانتهاكات المرتبكة بحق المدنيين في سوريا ، قررنا إنشاء هذه المنظمة و التي تختص بتوثيق الانتهاكات المرتكبة من قبل جميع الجهات في النزاع الدائر في سوريا بحق المدنيين بشكل احترافي للعمل على محاسبة الجهات التي قامت بهذه الانتهاكات من قبل المجتمع الدولي.
المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها .

اترك رد