شهدت الليرة السورية منذ منتصف أيار/مايو ارتفاعاً ملحوظاً أمام الدولار الأمريكي , لتحقق مستويات لم تصل إليها منذ مدة طويلة , الأمر الذي أدى أيضا لانخفاض سعر الذهب بالنسبة لليرة السورية هو الآخر , الدولار بدوره شهد انخفاضاً أمام العملات العالمية الثانية ولكن بنسب أقل بكثير من نسب انخفاضه أمام الليرة السورية .

ساهمت عدة عوامل في ارتفاع الليرة السورية , النظام كان له دور كبير في هذا الارتفاع , حيث قام بإجبار التجار و المستوردين في المناطق الخاضعة له على البيع لتجار الجملة بالليرة السورية , بعد أن كان لهؤلاء التجار الحرية في البيع بالدولار بشكل غير معلن و بعلم النظام , ولكن بعد القرار الأخير شدد النظام من مراقبته لهؤلاء التجار مع تهديده لهم بأشد العقوبات في حال مخالفة القرارات , الأمر الذي دفع تجار الجملة لتحويل الدولار الأمريكي إلى ليرة سورية , النظام أيضاً امتنع عن ضخ الليرة السورية في الأسواق ليستفيد من حاجة التجار لليرة السورية ليساهم في رفع قيمتها , و تزامن هذا مع اقتراب شهر رمضان و اقبال المدنيين على شراء المواد التموينية , و التحويلات المالية الكبيرة التي تتم من المغتربين خارج سوريا إلى أهلهم في الداخل كمعونة لهم لاقتراب شهر رمضان .

النظام بدأ بتنفيذ خطته في وقت مدروس بعناية ليستفيد الاستفادة القصوى من ارتفاع قيمة الليرة , و ليمنع المناطق الخارجة عن سيطرته من الاستفادة من هذا الارتفاع , تنفيذ الخطة جاء في بداية موسم حصاد القمح , و المتعارف عليه أن القمح يتم بيعه بالليرة السورية و أن النظام السوري هو المشتري الأكبر لهذا المحصول , كما أن التمركز الأكبر للقمح في سوريا يقع في المنطقة الشرقية الخارجة عن سيطرته .

الارتفاع في قيمة الليرة ترافق مع انخفاض في أسعار المواد في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام , مما زاد في اقبال المدنيين على الأسواق و ساهم أيضاً في ازدياد الطلب على الليرة السورية مقابل الدولار , الأمر الذي أخل بتوازن سوق العرض و الطلب ليرتفع الطلب بشكل كبير مع نقص في المعروض من الليرة السورية .

الأسواق في المناطق المحررة شهدت أيضاً ارتفاعاً كبيراً في قيمة الليرة السورية متأثرة بارتفاعها في المناطق الأخرى , ولكن هذا الارتفاع لم يترافق مع انخفاض في الأسعار بسبب غياب الجهة الناظمة لعمل التجار , فالتجار رفضوا تخفيض الأسعار بحجة شراء المواد بأسعار مرتفعة الأمر الذي سوف يسبب لهم خسارة كبيرة , ما دفعهم لإغلاق محلاتهم و رفض البيع بالأسعار الجديدة .

كل ما سبق كان له دور كبير في ارتفاع قيمة الليرة السورية أمام الدولار و لكن العامل الأكبر الذي رجح كفة الميزان لصالح الليرة كانت الخطوات التي قام بها تنظيم الدولة ” داعش ” في الأسبوعين الماضيين , حيث قام التنظيم بتحويل كمية كبيرة من الدولارات التي كانت بحوزته إلى الليرة السورية الأمر الذي خلق فائض في الكمية المعروضة من الدولار مقابل الليرة , كما أن التنظيم قام بتسليم الرواتب لمقاتليه هذا الشهر بالعملة السورية و ليس بالدولار الأمريكي كما جرت العادة , و الأمر الذي زاد في الارتفاع هو النفط المباع بالليرة السورية , فبعد أن كانت داعش تبيع النفط للتجار و الوسطاء بالدولار الأمريكي , انتقلت لبيعه بالليرة السورية , الأمر الذي يثير الكثير من التساؤلات عن الغاية وراء تصرفات داعش الاقتصادية في هذا الوقت بالذات .

يبقى المستفيد الأكبر من ارتفاع قيمة الليرة هو النظام السوري الذي بقي سعر الصرف في بنكه المركزي بقيمة تصل ل 500 ليرة سورية مقابل الدولار الأمريكي في الوقت الذي تكون قيمة الدولار في السوق السوداء 300 ليرة مقابل الدولار الواحد . الأمر الذي دفع محلات التحويل في السوق السوداء لإغلاق أبوابها و امتناعها عن تحويل الأموال .

هذا الانتعاش و حسب رأيي الشخصي لن يدوم أكثر من شهر و نصف , أي لغاية الفترة التي تلحق عيد الفطر و سوف تعاود الليرة انهيارها , و لكن بشكل أكبر هذه المرة , فربما سوف يكسر الدولار حاجز الألف ليرة الأمر الذي سوف يضر بالمدنيين بشكل كبير جداً و التجار من بعدهم , فهل يكون ارتفاع الليرة السورية هو صحوة الموت لها قبل الانهيار الكبير ؟؟؟

اترك رد