خاص – صوت_وصورة 

حاول تنظيم القاعدة في العراق منذ نشأته العمل على امتلاك أسلحة كيميائية وغازات سامة بهدف قلب موازين القوى على الأرض, واهتم زعيمهم الأسبق المدعو أبو مصعب الزرقاوي بهذا الأمر بشكل شخصي وأولاه اهتماماً كبيراً, فكلف به المهندس أبو محمد اللبناني والمهندس العراقي عمار العاني الذي كان يعمل في مختبرات النظام العراقي اثناء حكم الرئيس الأسبق صدام حسين, وبنى مختبرات بدائية في مزارع الطارمية والبوركيبة، إلا أن هذه التجارب لم تحقق النتائج المطلوبة بسبب عدم توفر المواد الأولية والمختبرات اللازمة، وفشلت أثناء تطبيقها في عمليات إرهابية حدثت في الضلوعية وأبو غريب والصقلاوية حيث تم استخدام غاز الكلور لثقل هذا الغاز وانحصار تأثيره في الأماكن الضيقة، في الوقت الذي كان يأمل التنظيم فيه انتشار تأثيره على مدى أوسع.

 

بعد مقتل المهندسين، تولى المهندس أبو غزوان الحيالي ملف تطوير الأسلحة الكيميائية، وكان المسؤول عن تدريب المهندسين وتجنيد المختصين، علماً أنه كان أحد الضباط التابعين لوزير الدفاع علي حسن المجيد  في نظام صدام، ليتم قتله عام 2008خلال مداهمة نفذتها القوات الأميركية لمصانع التطوير في بلدة الطارمية، وتمت مصادرة المواد الموجودة وتدمير المصانع بشكل كامل.

مع مقتل الحيالي تم تجميد عمليات تطوير الكيماوي لدى تنظيم القاعدة حتى منتصف عام 2014 عندما سيطر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” على محافظة صلاح الدين ودخوله إلى منشاة المثنى واستيلائه على بعض المعدات والمواد الرئيسة الداخلة في صناعة هذه النوعية من الأسلحة.

 

في أعقاب سيطرة داعش على مساحة جغرافية كبيرة في العراق، أعاد التنظيم تنشيط تجارب الكيماوي والغازات السامة وتسليمها لأبو سعد المصري، وهو مهندس فيزيائي يحمل شهادة ماجستير في علم الذرة، إلا أن المصري لم يستمر كثيراً في عمله بعد استهدافه بغارة من قبل طيران التحالف جنوب تلعفر أدت إلى مقتله، ليُحيل التنظيم مهام المصري إلى مساعده ابو مالك العراقي، أو المهندس محمود السبعاوي، وهو أحد الضباط السابقين والذي انضم إلى التنظيم عام 2005.

 

شرع السبعاوي بتجميع المواد التي يملكها التنظيم وجلب مواد جديدة من سوريا بعد سيطرة التنظيم على عدة مواقع هامة في دير الزور والرقة، وأجرى عدة تجارب ناجحة في كل من سوريا والعراق، والتي كانت بداية إنتاج تنظيم داعش للسلاح الكيميائي واستخدامه في معارك التنظيم، إلا أن السبعاوي قُتل في غارة لطيران التحالف على جنوب الموصل خلال شهر كانون الثاني من عام 2015، ليتسلم سلمان داود العفري المهام من بعده، والذي لم يستمر طويلاً هو الآخر حتى تم القبض عليه في عملية خاصة لقوات الكوماندوس نهاية شهر شباط في منطقة بادوش شمال الموصل.

 

اعترف العفري بامتلاك داعش لكميات من المواد الكيميائية الاولية التي حصل التنظيم عليها من مطار الطبقة ومحطات الكم والكبر  في ديرالزور وقد استعملت هذه الأسلحة في العراق في كل من تل سين قرب سد الموصل والكسك وزمار واستخدام غاز الكلور في  مناطق طوزخورماتو اما في سورية فقد تم استخدامه في معارك كوباني ومعارك مارع ضد الجيش السوري الحر .

 

كما اعترف العفري بمحاولة فريق الكيمياء لدى داعش استخراج بعض النفايات السامة المدفونة من قبل فريق التفتيش التابع للأمم المتحدة في تكريت قرب القصور الرئاسية التابعة لناحية العلم عن طريق تفجير المنطقة ومن ثم حفرها، إلا أن طريقة دفنها المحكمة ووجود العديد من الأبنية الخرسانية منعت داعش من استخراجها.

 

لكن ملف الكيماوي لم يُغلق مع اعتقال العفري، إذ استلم الملف مؤخراً أبو شيماء، والذي كان أحد مساعدي العفري, وتشير المعلومات إلى أن أبو شيماء يحمل الجنسية العراقية وهو دكتور سابق في جامعة بغداد خلال عهد نظام صدام حسين، وقد قرر نقل جميع المختبرات ومعامل تصنيع الكيماوي والغازات السامة إلى داخل الأحياء السكنية المكتظة لحمايتها من أي هجوم أو إنزال جوي لعدم تكرار التجارب التي أدت إلى مقتل أو اعتقال من سبقوه.

 

مراسل “صوت وصورة” في الموصل نقل عن شهود عيان تحسسهم لرائحة الكلور وروائح أخرى كريهة في حي الزراعي بمدينة الموصل، وظهور عدة أمراض جلدية وتنفسية في الحي بعد استيلاء داعش على عدة بيوت في الحي وتحويلها لمقرات وإدخال سيارات مغلقة إليها، كما لاحظ الأهالي بعد فترة وجود كلاب وأرانب نافقة في حاويات القمامة، تلا ذلك إخلاء داعش لتلك المقرات مع إغلاقها ومنع الأهالي من الاقتراب منها.

 

استطاع مراسل “صوت وصورة” الحصول على معلومات من مصادر خاصة داخل التنظيم تفيد بأن التنظيم استخدم الأرانب في تجاربه واستخدم الكلاب لمعرفة وصول نسبة المواد السامة في المكان إلى حد قاتل ليكون موتها إشارة لإخلاء المكان خوفاً على حياة العناصر، وأشار المصدر إلى أن التنظيم يتبع هذه الطريقة لعدم قدرته على الحصول على أجهزة خاصة تحدد كمية الإشعاعات.

 

هذه المشاهدات لم تقتصر على حي الزراعي فقط, بل انتقل الأمر إلى حيي المهندسين والبعث، واللذين يتميزان ببيوتهما الفخمة والضخمة وعدم تداخلها مع بعضها البعض, وقد تم تهجير معظم ساكنيها من معتنقي الديانة المسيحية ليسيطر التنظيم على عدد من المنازل ويحول قسماً منها إلى مقرات ويوزع القسم الآخر على عوائل عناصره. في حي المهندسين تم رصد ما يقارب 7 سيارات “بيك آب” مغلقة وشاحنة كبيرة، دخلت إلى أحد البيوت ليلاً مع سماع صوت نباح كلاب داخل المنزل، الذي يتميز بعدم وجود أي شعار للتنظيم عليه أو حتى حراسة ظاهرة واقتصار التحركات على فترة الليل فقط، وكذلك الأمر في حي البعث الذي دخلته 3 شاحنات متوسطة مغطاة بشكل كامل وبدأت رائحة كريهة تنبعث من المنزل بعد قرابة اسبوع من دخول عناصر داعش إليه.

 

لم يتوقف الأمر عند إجراء التجارب على الأرانب واستخدام الكلاب، إذ حصل مراسل “صوت وصورة” على معلومات تفيد بوجود سجن سري داخل حي الأندلس يتم فيه إجراء التجارب الكيميائية على المعتقلين عبر تعريضهم لغازات سامة على نطاق ضيق أو تعريضهم لمواد كيميائية، وقد انبعثت الروائح الكريهة في الحي مع وجود عدة حالات طفح جلدي وخصوصاً لدى الأطفال وضيق في التنفس، مما دفع بعض سكان الحي لمغادرته لأسباب صحية أو خشية استهداف المقر من قبل قوات التحالف.

 

هنا لا بد من التنويه إلى أن داعش يمتلك عدة معامل لتجهيز السلاح الكيميائي في الموصل، تم تدمير ثلاث منها في آذار 2016، وهي مختبر جامعة الموصل ومختبر تلعفر ومختبر القيارة، إضافة إلى العديد من المختبرات التي تم تدميرها بغارات جوية في أوقات أخرى، عدا عن المختبرات التي لم تكشف بعد والمنتشرة في باقي مناطق سيطرة التنظيم في العراق وسوريا.

 

في هذا السياق، تشير الإحصاءات إلى أن عدد الإصابات المؤكدة بمواد كيميائية استخدمها عناصر داعش في أطراف الموصل الشمالية والقرى الكردية وصل إلى 67 حالة، وفي منطقة طوزخورماتو 8 حالات, يضاف إليها 148 حالة في مناطق متفرقة في العراق و83 حالة في المناطق السورية.

كل هذه المعلومات والمؤشرات تظهر أن “حلم” الزرقاوي بدأ بالتبلور أكثر على يد البغدادي، الذي يعمل على فرض نفسه كرقم صعب في الشرق الأوسط، مما يزيد المخاوف من امتلاك التنظيم سلاحاً كيميائياً حقيقياً بمعايير عالية يهدد بها “أعداءه” المحليين والدول الأجنبية على حد سواء.

 

received_498152507047244

اترك رد