داعش و صراع الصفوف الأولى على البقاء
اعتمد تنظيم داعش منذ بدايات تأسيسه إبان الحرب على العراق عام 2003 على قدر كبير من السرية , فمنذ عهد أبو مصعب الزرقاوي و أبو عمر البغدادي وصولاً لعهد القائد الحالي للتنظيم أبو بكر البغدادي , بقيت القيادات العليا بكل ما يحيط بها من أسماء و تنقلات و أماكن تواجد محاطة بجدار كان منيع لغاية فترة قريبة , فقد درجت العادة لدى تنظيم داعش و التنظيمات المشابهة على اعتماد الأسماء المكناة , و عدم التعامل مع الاعلام إلا ما ندر , لذا معظم الصور لقادة الصف الأول في هكذا تنظيمات تكون قديمة , لكن داعش خالفت هذا العرف عندما بسطت سيطرتها على مناطق واسعة من سوريا و العراق , بسبب ما اعتقدت أنها وصلته من سلطة و أمان نسبي لا يقارن بالمخاطر التي كانت تحيط بهم في صحراء الأنبار مكان انطلاقهم , فظهر زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي على وسائل الإعلام في خطبة لصلاة الجمعة في مدينة الموصل , كما ظهر العديد من القياديين في التنظيم في إصدارات مرئية , و لكن أيضاً ازداد عدد القادة الذين نعاهم التنظيم بسبب مقتلهم في غارات جوية لطائرات التحالف الدولي , الأمر الذي يثير تساؤلات لدى عناصر التنظيم عن جدوى هذه الطريقة في تعامل القادة .

تنظيم داعش و منذ بدايته حاول تصدير نفسه على أنه حكومة قائمة و ليس عبارة عن جماعة مسلحة عبر عدد من الخطوات التي قام بها , أحد هذه الخطوات إظهار وجود عدة قادة في الصف الأول قائمين على الأمور العسكرية و التنظيمية للتنظيم , في محاولة منه للإيحاء بأن مقتل أحد القادة لا يؤثر على مسيرة التنظيم , و بأن القرارات يتم اتخاذها عن طريق ما يسمى ” مجلس الشورى ” , و أن إدارة الدولة تتم عن طريق وزارات كأي حكومة قائمة في دولة ما , هذا الأمر نجح التنظيم في تنفيذه بدايةً , و لكن الطموحات التي يحملها قادة الصف الثاني لقيادة التنظيم بدأت تجلب الكثير من المشاكل , أبو مصطفى أحد المقربين من التنظيم في العراق قال : ” المساحات الشاسعة التي سيطر عليها التنظيم لم تكن نافعة دوماً , فمن الناحية التنظيمية كانت وبالاً على التنظيم , حيث أن حاجته الكبيرة للعناصر لكي يستطيع الحفاظ على هذه السيطرة و لتسيير امور حكمه فيها , دفعته للاستعانة بالكثير من العناصر سواء العرب منهم أو الأجانب , و تنسيبهم يتم بإخضاعهم لدورات شرعية تتفاوت مددها ليصبح الشخص بعدها عنصر في التنظيم , ما أدى إلى اختراق التنظيم في معظم المفاصل , كما أن قادة المجموعات السوريين و العراقيين الذين انضموا للتنظيم مع مجموعاتهم أصبح لديهم طموحات لاستلام زمام الأمور , في الوقت الذي يعجز التنظيم عن محاسبتهم خوفاً من انشقاقهم و هو في أمس الحاجة لهم “

التنظيم في بداياته أنشئ دواوين خاصة لاستلام الشكاوي التي تخص مخالفات عناصره اتجاه المدنيين , كما أصدر العديد من الاحكام و ان كانت شكلية ولم ينفذها , ولكن هذا الأمر لم يستمر طويلاً , فأطلق يد العناصر في المدن الخاضعة لسيطرته , أبو محمد أحد سكان ديرالزور قال : ” في بداية سيطرة التنظيم على المحافظة حاول التنظيم كسب الأهالي إلى جانبه , فوعدهم بأن المخطئ سوف يتم محاسبته حتى لو كان عنصر من التنظيم , و أنشئ ديوان المظالم لهذه الغاية , هذا الديوان الذي أصدر عدد من الأحكام بحق عناصر تابعين للتنظيم , هذه الأحكام لم يتم تنفيذها بشكل علني و إنما أُعلن فقط عن تنفيذها , بعضها كانت أحكام بالجلد و بعضها وصلت للإعدام , إلا أن الحدود المفتوحة في ذلك الوقت بين مناطق التنظيم جعلت من الصعب إخفاء مقتل أحد العناصر , فاكتشف المدنيين أن جميع العناصر الذين صرح التنظيم بإعدامهم تم نقلهم إلى مناطق أخرى و لم يتم تنفيذ الأحكام بحقهم , ولكن هذه الخطوات لم تستمر طويلاً , فحتى هذه الأمور الشكلية استغنى التنظيم عنها , فأصبح عناصر التنظيم يصولون في المدن الخاضعة له دون رادع , يعتقلون و يأخذون الأموال و يقومون بما يحلو لهم , فمن أمن العقوبة ساء الأدب , ربما يعود هذا الأمر لحاجة التنظيم الماسة للمقاتلين , هذه الحاجة التي لمسناها بأنفسنا عن طريق الإجراءات التي يتبعها التنظيم لتجنيد أكبر قدر ممكن للقتال لصالحه ” .

المشاكل بين قادة الصفوف الأولى في التنظيم بدأ تظهر بشكل واضح في الآونة الأخيرة , فالاغتيالات عن طريق الطائرات بدون طيار ازداد عددها بشكل كبير , مثل حادثة مقتل عامر الرفدان في تموز يوليو العام الماضي , و التي تحدثت مصادر من داخل التنظيم أن القيادي الآخر في التنظيم صدام الجمل يقف وراءها , و الزيارات الكثيرة للقيادات الكبرى لمحافظتي ديرالزور و الرقة لحل المشاكل بين القيادات , كما ان التنقلات الكثيرة التي نفذها التنظيم بحق بعض قيادات الصف الثاني بعيداً عن المدن التي ينتمون إليها , تظهر محاولات التنظيم بالتقليل من حجم الخطر لهؤلاء القادة , و تعيد للأذهان ما حدث في العقد الماضي من اغتيالات في صفوف قادة التنظيم , اغتيال الزرقاوي و الذي يقول الكثيرون بأن أبو عمر البغدادي خليفته في ذلك الوقت كان يقف وراءه , و اغتيال أبو عمر البغدادي فيما بعد و الذي يرجح أن أبو بكر البغدادي هو المسؤول عنه, أبو خالد أحد المطلعين على أسرار التنظيم صرح قائلاً : ” القيادات الصغيرة في التنظيم بدأوا بتشكيل تحالفات فيما بينهم , رغبة منهم بتقليل هيمنة مجلس الشورى على مفاصل الحكم , فقد لاحظنا في الفترة الأخيرة ارتفاع وتيرة الاغتيالات سواء عن طريق طائرات بدون طيار أو عن طريق العبوات أو بطرق أخرى , كما أن هناك الكثير من الأقوال التي أصبحت تلاقي صدى في أوساط التنظيم , مثل قبول بعض المفاوضات مع القوى الغربية بخصوص الرهائن , و الحديث عن بعض الانسحابات مقابل الحفاظ على باقي المناطق , هذا الأمر ربما بدأ تنفيذه من قبل قادة الصف الثاني الذين يرون في مجلس الشورى و القادة الكبار حجر عثرة في وجه تنفيذه , و أن الوقت قد حان لضخ دماء جديدة في قيادات التنظيم تكون من اللين بمكان يستطيع فيه التنظيم الحفاظ على بعض المكاسب وفقاً للظروف الحالية في اللعبة الدولية , لذا اعتقد سوف نرى في الأيام القادمة الكثير من الاغتيالات لقيادات مهمة في التنظيم و بروز أسماء جديدة لاستلام دفة القيادة “

القيادات في التنظيم بدأت تستشعر خطر الحرب الدولية القائمة على التنظيم , و الرغبة التي لديهم بعدم خسارة كل شيء قد تدفعهم للتضحية ببعض المناطق في سبيل الحفاظ على مناطق أخرى , فهل سوف نرى نزاع بين التيارين السائدين في التنظيم ؟؟؟ أم أن الخبرة التي يملكها قادة الصف الأول سوف تقلب الموازيين ؟؟؟

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.