ديرالزور – صوت وصورة

ثلاث سنوات مضت على استشهاد والدي أبو عارف، الرجل المقرب من جميع أبناء الحي. لا زلت أذكر تفاصيل وجهه الشرقية وصوته الأجش. قتل دون سبب يذكر، فقط لتواجده في حي الجورة عند اقتحام الأمن والجيش النظامي له بتاريخ 25 حزيران من عام 2012 بهدف إجهاض الثورة والقضاء على أبنائها في دير الزور. يومها تم قتل 370 مدنياً بدم بارد.
طيفه لم يغادر العائلة على الرغم من الفراغ الكبير الذي تركه برحيله. اضطررتُ لتحمل مسؤولية العائلة، التي رفضت ترك منزلها الذي ترعرع فيه كل أفرادها. رغم العذابات كان القرار حتمياً بعدم ترك والدي وحيداً في قبره، إذ كان لا بد من زيارته والاعتناء ببقعة التراب التي احتضنته.
شهور مضت ونحن نزور قبره باستمرار، نعتني بأكوام الحجارة الموجودة وسط المقبرة التي دفن فيها شهداء المجزرة جميعاً، مقبرة صغيرة قبورها متلاصقة وعلى طرف كل قبر من جانب الرأس زرعت شجرات الكين والقليل من السرو والنخيل، لكن أشجار الكين كانت الأكثر انتشاراً.
اعتادت أمي الخروج كل يوم جمعة مع أختي الصغيرة لزيارة القبر وسقاية شجرة الكين على طرفه الأيمن. لا زلت أتذكر يوم شرائها من مشتل القصور حيث كان ثمنها 100 ليرة وحجمها صغير ووضعت داخل كيس أسود. زرعت بعد أسبوع على وفاة أبو عارف، لكنها الآن كبيرة بحجم سنوات الفراق، بحجم الدمار وقصف الطائرات، بحجم الشهداء الذين يرقدون تحت الأرض.
كل شيء كان يكبر إلا الحياة، فهي باتت تضيق شيئاً فشيئاً، ومعها تتغير الأمور في الخارج: موت بالقصف والطيران. لا صوت يعلو فوق صوت النار، فيما حي الجورة كان أكثر امناً رغم أن محتليه أعداء عائلتي والكثير غيري ممن قتل النظام أفراداً من عوائلهم.
لكن الأمر ساء. لم يعد الأمان موجوداً، فداعش سيطرت على المناطق المحررة، وقتلت الكثير من شباب الثورة. كانوا كالوحوش، بل اشد قسوة، منذ أن دخلوا والسواد يوشح مدينتي كلها، حتى مناطق النظام التي لم يدخلوها ارسلوا لها أرواحاً شريرة تدخل سوادهم إلى القلب عندما حاصروا 250 ألف مدني داخل تلك المناطق، ومن بينهم عائلتي وقبر والدي الشهيد. منعوا دخول الطعام ووقود التدفئة والمواد الطبية إلى الجورة والقصور والبغيلية، التي يسيطر عليها الذي أوجدهم؛ نظام الأسد، والذي بدوره منع الناس من الخروج من مناطقه إلى الجزء المظلم من المدينة والذي يتوفر فيه الطعام رغم كل البشاعة التي أحاطت به.
منذ دخولهم وبدء الحصار بتُّ أنسى قبر والدي بشكل تدريجي، فالجوع والعطش وانقطاع الكهرباء والبرد في هذا الشتاء وغياب مقومات الحياة أجبرونا على النسيان. لم تعد والدتي تزور القبر هي وأختي الصغيرة، لم يعد أحد يعتني بأكوام الحجارة تلك، حتى شجرة الكين لم نرها كيف كبرت خلال غيابنا. المهم الآن أن نجد الطعام لنأكل ونحصل على القليل من مازوت التدفئة، فالأمر يزداد صعوبة يوماً بعد آخر.
غداً سنكمل عاماً من الحصار. البرد قارس في هذا اليوم. منزلنا في الطابق الثالث. الرياح غربية شديدة السرعة. أمي وأخوتي يرتجفون من البرد. لم يعد في المنزل ما نوقده ولا نملك ثمن المازوت أو الحطب، ولم تبق قطعة قماش غير صالحة ولم نوقدها. أنين أخوتي يزداد والبرد يقتلهم.
ماذا أفعل وكيف أتدارك الأمر؟ كان الليل في منتصفه. غلبني النعاس وأخذني النوم بعيداً. لم أحلم منذ عام سوى أن نتخلص من الحصار، وأن نعيش كما البشر. لكن، في تلك الليلة، زارني طيف والدي وطلب مني أن أزوره في قبره، فهناك سيوفر لنا الأمان كما كان يفعل أثناء حياته.
استيقظت في الصباح وخرجت مسرعاً باتجاه المقبرة. كان الكثير من الناس هناك صفر الأوجه منهكين من الجوع والبرد، لكن أمراً غريباً كان يحدث. لقد كانوا يقطعون الأشجار المزروعة على أطراف القبور!
وقفت صامتاً أراقب من حولي ثم جلست. كان الكون يدور بي. فقدت توازني، وفي لحظة عدت إلى الحياة. استرجعت الحلم وكأن أبي أرادني أن أرى الناس وأن يعطينا شجرة الكين على طرف قبره الأيمن لتكون الدفء والأمان لنا.
توجهت إلى أحد الأشخاص، استعرت منه الفأس وتقدمت إلى الشجرة. لقد كبرت خلال مدة غيابي وغطت المحيط بأغصانها. قطعتها من مساواة القبر وقسمتها إلى أجزاء، ثم نقلتها إلى المنزل.
استغرب الجميع وتساءلوا عن مصدر الحطب، فأخبرتهم أني تدبرت الأمر. عند مغيب الشمس أشعلنا النار من حطب الشجرة ليعود الدفء إلى المنزل ونام أخوتي، إلا أن أمي لم تنم، شيء ما كان يؤرقها. استقامت وقالت لي:
– برضاي عليك منين جبت الحطب ليكون عم تسرق؟
– لا يا أمي، اعوذ بالله، أنا ما بسرق.
– لكان منين جبته؟
– جبته من هون.
– منين من هون؟
بصراحة، هذا حطب الشجرة التي زرعناها إلى جنب قبر أبي، ولا تزعلي مني يا أمي، فلست الوحيد، الجميع في مناطق الحصار يوقد الأشجار التي زرعت عند قبور الشهداء.

اترك رد