ديرالزور – صوت وصورة

يفترشون باحة منزلهم في حي القصور بدير الزور. تجلس أم أحمد ومن حولها أطفالها، محتفلين على سفرة طعامهم المختصرة. تضع لهم قليلاً من البقدونس في الخبز، وتذر فوقه رشة ملح. يأكلون وجبة حصارهم، فهذا طعامهم في هذا الركن المنسي من العالم. كانت أم أحمد تحتضن أولادها، وتشكر الله على نعمه الوافرة، بينما أخذت تقنع أطفالها بأن البقدونس كالسبانخ، وأن الملح رائع فهو يعطي شعوراً سريعا بالشبع. “لدينا خبز، دعونا نفرح، فاليوم غداؤنا بقدونس وخبز.”
أم خالد ترى مشهداً مؤلماً يعلق في ذاكرتها المحطمة من التعب حينما كانت تنشر ثياب عائلتها فوق سطح البناية، تقول، وهي امرأة خرجت حديثاً من الحصار، إن هذا المشهد يتشبث بذاكرتها ويخاطب ليلها كل يوم؛ كيف كانت جارتها أم أحمد وهي متربعة مع أطفالها في فناء بيتهم، و كيف كان الخبز والملح والبقدونس غداء تلك العائلة. بهذا تطعم إحدى نساء الحي المحاصر أولادها الصغار، تقول أم خالد “الله يعين العالم.”
تبتلع أم خالد دموعها وهي تحاول أن تتحدث عن عام من الحصار في دير الزور كانت قد عاشته بكل تفاصيله المؤلمة، وتردد بين كل فقرة وأخرى “الله يعين العالم.” أخرجها المرض من ذلك الحي بعد أن أصبحت الحياة داخله أغلى من أغلى مدن العالم. تزفر و تستجمع بعضاً من ذاكرتها المثقلة بالحسرة، فهي كغالب نساء الحي لم تستطع تحمل كل هذا العذاب لتتمكن أخيراً من النزوح من مدينتها بعد عدة محاولات فاشلة.
تحدثت أم خالد عن أن الأهالي هناك لا يتناولون إلا وجبة واحدة من الطعام، ولا يجدون الماء الصالح للشرب دائماً، والأطفال غير قادرين على السير لشدة الجوع، فأسعار المواد الغذائية أصبحت جنونية مع قلة توفرها أو منعها عن السكان، فباتوا يعيشون على ما توفر من خبز وزعتر وماء.
تجار الدم إلى التخمة وفقراء الحي جياع
“من لديه مال يأكل ومن لا يمتلك المال يموت جوعاً” أضافت أم خالد، كل من هو قريب للطبقة العميلة -تقصد رجال الأمن وجيش النظام- يمتلك المال والطعام، يشتري هؤلاء المواد الغذائية بأسعار أقل مما نشتريها، ولديهم كل ما يحتاجونه، بينما بقية أهالي الأحياء المحاصرة لا يجدون حتى رغيف الخبز. تجار الدم وأغنياء الحي المقربون من النظام لم يتأثروا بالحصار، تتوافر لديهم كل مقومات الحياة، ويأكلون ما طاب لهم من الطعام، فهذه الملذات تصلهم عن طريق النظام مقابل خدمات له أو بالتقرب منه.
زعتر وماء
تطحن نساء الحي بقايا الخبز اليابس حتى يصبح دقيقاً، ثم يضعن معه قليلاً من النعناع اليابس، ومقداراً ضئيلاً من التوابل، تقول أم خالد موضحةً، التوابل أيضاً غير متوفرة هناك، لذلك كنا نضع القليل منها كي نصنع الزعتر مع دقيق الخبز، ثم يكون هذا الزعتر هو المادة الأساسية في طعامنا، وكنا نتناوله مع الماء. يحزن الناس عندما لا يجدون هذا الزعتر، حتى هذا أصبح وجبتنا الدسمة والمترفة في ذلك الحصار، ثم تردف قائلة “الله يعين العالم.”
عربشة
لا تتوافر المواصلات للتنقل بشكل جيد، الوصول للجامعة مرهق وشاق، فغلاء المحروقات وعدم توافرها في الحي جعل من التنقل بالسيارات أو استخدام سيارات الأجرة رفاهية لا يمتلكها أهالي الحي الفقراء، لذلك يضطر الطلاب إلى “العربشة” فوق باص النقل المكتظ بالطلاب. هذه مخاطرة، ومظهر غير حضاري، تصف ذلك أم خالد، لكنها تستدرك: “لا يملكون خياراً أخر.”
“عربانه” لنقل الجرحى والمصابين
خرجت أم خالد من مدينتها، إذ أرهقها المرض. وجوه مصفرة من الجوع، ومرضى الربو يموتون هناك ببساطة. جرحى القصف ينقلون بالعربات المحلية الصنع، والتي تستخدم في أعمال البناء. يتم نقل المصابين والمرضى بهذه العربات إلى المشفى العسكري بسبب عدم توفر سيارات الإسعاف. المشفى يسيطر عليه النظام، لذا فهو لا يستقبل أهالي الحي في أغلب الأوقات، فهو يعمل لخدمة جنود الأسد فقط، فيما لا يجد الأهالي أماكن أخرى صالحة للطبابة. الوضع الطبي أخذ بالتدهور في ظل الحصار “اللعين” لذلك يموت الناس هناك إما جوعاً أو تحت القصف أو بسبب نقص الدواء.
منذ أن قرر كل من داعش والنظام السوري معاقبة أهالي القصور والجورة في دير الزور بهذا الحصار، ظل نحو 300 ألف شخص يقبعون في أغنى بقاع الأرض بالثروات والخضروات والنفط، لكنهم يموتون ببطء، نتيجة الجوع والبرد والمرض والحزن. في تلك البقعة المنسية إلا من الظلم، يصارع من تبقى من الأهالي الجوع بجرعة ماء وملح، والبرد بحرق أخشاب أثاث منازلهم، وكما تقول أم خالد “الله يعين العالم.”

نحن مجموعة من الناشطين الحقوقيين وبعد ملاحظتنا لقلة الجهات التي توثق الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين في سوريا، قررنا إنشاء هذه المنظمة و التي تختص بتوثيق الانتهاكات من قبل جميع الجهات للعمل على محاسبتهم من قبل المجتمع الدولي.
المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.