بدأت الثورة في دير الزور مبكراً، كما شاركت في كل الثورات التي حدثت في سوريا، فمدينة البوكمال في ريف دير الزور هي أول بقعة رفع فيها علم الاستقلال أثناء الانتداب الفرنسي قبل دمشق بعام كامل، كما شاركت دير الزور في ثورة الثمانينات ضد نظام الأسد الأب و قدمت الكثير من الشهداء والمعتقلين رغم محاولات النظام الحثيثة تصوير أبنائها على أنهم كانوا القوة الضاربة له ضد حماة. يضاف إلى ذلك خروج مظاهرات في ريفها عام 1991 ضد نظام الأسد في الوقت الذي كانت فيه القبضة الأمنية على أشدها، وكذلك اعتُقل فيها أشخاص أثناء الثورة المصرية بتهمة التحضير للعصيان.
استجابت ديرالزور لنداء دمشق ودرعا مبكراً في 2011، وحدث فيها أول انشقاق لسلاح ثقيل عن الجيش السوري، وأول حاجز محرر، وأول مدينة محررة بالكامل.
حاول نظام الأسد الأب، ونظام ابنه من بعده، تشويه صورة هذه المحافظة بكل وسيلة متاحة، فتم تصويرها إعلامياً على أنها محافظة “متخلفة” لا يزال سكانها يعيشون في الخيام. أبناؤها كانوا محرومين من الوظائف الحكومية، حتى مدارسها كان يعمل فيها أبناء محافظات أخرى، علماً أنها المحافظة الأغنى في سوريا، لكن غناها كان نقمة لا نعمة على أبنائها، فذهبها الأسود نشر سواده على أرجاء المحافظة فأصبحت مطمعاً لكل مجانين العالم.
مع تحوّل الثورة إلى الحراك المسلح، وبحكم وقوع المحافظة في منطقة حدودية، كان السلاح متوفراً في أيدي عناصر الجيش الحر من أبنائها، شأنها شأن أية منطقة حدودية، ليخرج ريفها بأكملها عن سيطرة النظام مبكراً وتنتقل بعدها إلى مرحلة الإمداد لباقي المحافظات السورية.
أمد أبناء دير الزور معظم محافظات سوريا بأرتال المقاتلين خلال الثورة السورية، حيث كانوا يتوجهون لأية منطقة تعاني من نقص في المقاتلين أو السلاح.
لتظهر بعد ذلك رايات “الغربان السود” واضعة نصب عينيها ثروات دير الزور، فطلب أبناء دير الزور من الجميع المساندة للتصدي لها، ولتستمر المعارك لعام كامل دون مساندة من أحد، حتى القوى العسكرية الكبرى في الداخل السوري والتي استفادت كثيراً من مقدرات هذه المحافظة صمّت آذانها وعقدت صفقات مع التنظيم الأسود لضمان حقوق مالية، تاركين أهلها يقارعون تنظيم داعش وحدهم، لتسقط ديرالزور بيد داعش وتصبح العاصمة الاقتصادية للتنظيم.
منذ سقوط دير الزور بيد التنظيم والجميع يعلم كره أهالي دير الزور لداعش، كيف لا وهي التي قدمت المئات من الشهداء في قتالها ضد التنظيم، ولكنهم عجزوا عن معاقبة التنظيم فعاقبوا أبناءها، فالقوى الدولية تحصد الأرواح من السماء وداعش تحصدها من الأرض. أبناؤها يتجرعون الظلم يومياً في مدنهم، وإن حاولوا الخروج إلى مناطق أخرى فهم “دواعش” حتى يثبت العكس.
حتى الموت تغيرت طقوسه في هذا المكان، كان للموت رهبة عندما يذكر اسمه، يموت الشخص فتشيعه المدينة بأكملها ويستمر الحزن أياماً وأيام، حتى الأطفال كانوا يعرفون رهبة الموت من وجوه الكبار، يعرفون بأن حدثاً جللاً حصل في المدينة. أما اليوم أصبح الموت طقساً من الطقوس اليومية التي يعيشها الجميع ويتعايش معها، موت بكل أشكاله، صلب و ذبح وتفجير وقصف وقطع رأس، كل ذلك أصبح حدثاً اعتيادياً، يموت الشخص أحياناً ولا يجد مشيعين له ولا حتى من يعزي بموته.
وفي مناطق سيطرة النظام موت من نوع آخر، موت بطيء يراه الآباء في عيون أطفالهم، موت من الجوع والحسرة، داعش تفرض حصارها لتعاقب المدنيين على عجزهم عن الخروج من مناطق النظام، والنظام يعاقب المدنيين على الحصار الذي تفرضه داعش عليه.
“لا أحد يموت من الجوع” مقولة اتضح كذبها، فقد مات أطفال في دير الزور من الجوع، خلال عام 2015، وفي قمة الحضارة الإنسانية، يموت أطفال من الجوع، والعالم بأكمله يشاهد ويعرف المعاناة، ولكن ما دامت هذه المعاناة خارج مناطقه فهي لا تعنيه، حتى السوريين أنفسهم لم تعد تعنيهم معاناة دير الزور، وكأنهم لم يعرفوا بأنهم سوف يأكلون “كما أكل الثور الأبيض.”
دير الزور من قلب حصار غربان داعش والنظام ترسم وصمة العار على جبين الإنسانية بأكملها، وتظهر زيف ادعاءات الجميع، وتري العالم بأكمله عجزه، بدءاً بمن يدعي الإسلام، وليس انتهاءً بمن يدعي الحرية.

اترك رد