الحسكة – صوت وصورة

أثر انخفاض القيمة الشرائية لليرة السورية وتدهور سعرها أمام الدولار الأمريكي بشكل مباشر على الطبقة المتوسطة التي تشكل غالبية سكان محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، فمعظم أفراد هذه الطبقة هم من الموظفين والعاملين في المؤسسات الابعة للنظام من ذوي الدخل المحدود، في حين ارتفعت أسعار جميع السلع في الأسواق إلى أكثر من أربعة أضعاف ما كانت عليه قبل اندلاع الثورة السورية دون أن يصاحب ذلك ارتفاع متناسب في الرواتب والأجور.
يقول عيسى، وهو موظف في مؤسسة مياه الحسكة ورب لعائلة، إن “ارتفاع الأسعار بشكل خيالي” وعدم امتلاكه المال الكافي أجبره على البحث عن وسائل بديلة للتأقلم مع هذا الوضع.
من أبرز ما ارتفع سعره، الألبسة بشكل عام، وألبسة الأطفال بشكل خاص، إذ يجد عيسى نفسه مضطراً للجوء إلى محلات الألبسة المستعملة، أو ما تعرف محلياً بالبالة، عوضاً عن الألبسة الجديدة التي قد يصل سعر البنطال الرجالي الجديد منها إلى 4 ألاف ليرة سورية,على أقل تقدير وسعر القميص القطني إلى 3 ألاف ومئتي ليرة، أما بالنسبة لألبسة الأطفال، ولا سيما ما دون السنتين، فكنزة قطنية لطفل قد يصل سعرها إلى ألفي ليرة، وهذا ما لا يستطيع شراءه أي موظف لا يزيد راتبه على 25 ألف ليرة، في ظل وجود مصاريف الطعام والشراب ومتطلبات الحياة الأساسية الكثيرة، والتي تضاعفت أسعارها أيضاً من ضعفين إلى ثلاثة أضعاف.

أسعار مناسبة بسبب الاستيراد من تركيا والعراق

لجأ عيسى، مثله مثل غالبية أهالي الحسكة، إلى محلات الألبسة المستعملة، فسعر البنطال الرجالي المستعمل لا يتجاوز 100 ليرة، فيما سعر القميص المستعمل يبلغ 400 ليرة، وهذا ما يعتبر سعره ملائماً إلى حد مقبول لديه ولدى عائلات الطبقة المتوسطة والفقيرة.
أوضح أبو خالد، وهو تاجر ألبسة مستعملة في الحسكة، أن محلات الألبسة المستعملة كانت فيما سبق تعرف بأنها للفقراء فقط، ولكن بعد الثورة السورية وارتفاع الأسعار الألبسة الجديدة بشكل كبير شهدت هذه المحلات إقبالاً كبيراً من قبل الأهالي، مشيراً إلى أن سعر القطعة في محلات المستعملة لا يتجاوز في نصف سعر القطعة الجديدة كأعلى تقدير، وهذا ما ناسب كثيراً من العائلات، وخاصة أن أغلب القطع المستوردة من الألبسة المستعملة لا تكون مهترئة أو مستعملة إلى حد كبير ولا يظهر عليها أنها قديمة.
وأضاف أبو خالد أن قسماً كبيراً من بضاعة الملابس المستعملة المستوردة مصدرها تركيا والعراق، وهذا ما يجعلها أرخص من البضاعة الأخرى، وهي تأتي على عدة فئات من أنواع الألبسة لتناسب جميع الطبقات، فيما هناك ألبسة يكون فيها خلل في الخياطة من المعمل أو ألبسة غير مستعملة بشكل كبير وأقرب ما تكون للجديدة، وتسمى نوع أول، وهي من أغلى أسعار الألبسة المستعملة، إضافة إلى نوع ثان وثالث، حيث تصنّف الأنواع بحسب جودة القطعة ولكل نوع سعره.

رغم ذلك الركود هو سيد الموقف

في السياق ذاته، يقول سراج، ناشط ميداني من الحسكة، إن ظاهرة محلات المستعمل شهدت انتشاراً واسعاً في أسواق المدينة، لكن شراء الألبسة بات أمراً ثانوياً على سلم أولويات الأهالي، بل يعتبر في بعض الأحيان من الرفاهية نسبة إلى أهمية توفير ثمن الطعام والشراب، الذي يعاني الأهالي من صعوبة في تأمينه.
وتشهد أسواق الحسكة بشكل عام ركوداً كبيراً في البيع والشراء نتيجة للغلاء، وهذا ما يؤثر سلباً على طبقة التجار وأصحاب المحلات أيضاً، حيث يسعى الأهالي إلى تأمين وسائل بديلة في كافة المجالات وليس فقط على صعيد الألبسة كشراء الخضار غير الطازجة والتي تكون أقل ثمناً من الطازجة وشراء اللحوم المستوردة والمثلجّة بدلاً من لحوم الغنم والعجول.
بيع اللباس المستعمل أو البالة قد يكون المتنفس الأخير للأهالي بعد أن بات تجارة مثمرة للعاملين فيها مع انتشار أسواق خاصة بها في كل مكان في سوريا، لكن قد لا يدوم الحال على ما هو عليه مع تهاوي قيمة الليرة والمخاطر التي قد تعيق الاستيراد نتيجة العمليات العسكرية المستمرة من قبل كافة أطراف النزاع في سوريا.

اترك رد