حصري – صوت و صورة

بعض قطع الخبز المتعفّن بقيت في عليّة منزلهم. سارعت أم نور لإحضارها وكأنها كنز وُجد حديثاً، تفردها على مهل، تنزع بعض العفن الأخضر عن أطرافها، تقلّبها على النار التي أوقدتها من خشب أحد أبواب المنزل، تنادي على أطفالها الثلاثة؛ نور.. عمر.. محمد، المنهكين من الجوع لدرجة أن اصفرّت وجوههم وهانت قواهم ليبدوا كفراخ أشباح. تطعمهم الأم الخبز المتعفّن المقمّر مع القليل من الماء بعد أن أجلستهم من حولها. وجبة تنذر بالموت وكأنّ العشاء الرباني الأخير قد حلّ مجدداً.
عشرة أيّام مضت ولم تستطع أم نور الحصول على الخبز بعد أن توقفت عن العمل معظم أفران حي الجورة الذي تسكنه في مدينة دير الزور، الخاضع لسيطرة قوات النظام، نتيجة انقطاع مادة الخميرة من تلك الأحياء بسبب الحصار الخانق الذي يفرضه عليها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” منذ نحو أحد عشر شهراً ومنع دخول أي شيء إليها.
مع كل صباح جديد، تهرع سعاد (أم نور) من منزلها إلى مخبز الجاز ومخبز القصور، المخبزان الوحيدان المستمران بالعمل، لعلها تحصل على بعض الخبز الطازج لإطعام أطفالها، متخوفةً من أن ينفذ مخزونها من الخبز المتعفن، الذي لن يدوم لأكثر من يومين. تصل إلى مخبز الجاز ليستقبلها أحد عناصر الأمن بكلماته الجافة” ماذا تريدين؟
– أريد خبزاً لأطفالي الجياع.
فيجيب العنصر: “روحي انقلعي.. بدكن خبز يا خنازير! لو كان بدكن كنتو تطوعتو بالجيش وقاتلتو الإرهابيين.”
– “بس أنا حرمة وبدي بس خبز لولادي.. ما بدي غير خبز ألهم.”
– “المخبز هون لرجال الأسد اللي عم يقاتلو الإرهابين.. روحي لعند داعش مارسي جهاد النكاح وبيعطوكي خبز أو انقلعي ع القصور.”
لا تبدي سعاد أي تعجب من رد العنصر، فهي تعرف مسبقاً أنها ستسمع هذا الكلام، وتدرك أنها لن تحصل في الغالب على الخبز من فرن الجاز الذي يعمل فقط لتأمين الخبز لعناصر النظام وشبيحته.
تعود أم نور مسرعة من الجاز باتجاه مخبز القصور على أمل الحصول على الخبز. تسير في الشوارع وهي تمني نفسها بالخبز ولا شيء غيره.
أمام مخبز حي القصور تجد الحشود. الجميع هناك للحصول على الخبز. مشهد لا يوصف وكأنه يوم الحشر. يتدافع الجمع للحصول على دور أمام مخرج الخبز تدافعاً خفيفاً، فالجميع منهك من الجوع ولم يعد يملك من الطاقة ما يكفي لأن يكون أكثر عدوانية.
تنسلّ أم نور بين الحشود، صانعة نصراً من نوع آخر مع كل شخص تتجاوزه محرزةً تقدماً نحو الباب المخصص للتوزيع، لكنه نصر مؤقّت ومؤجّل، أما النصر الحقيقي فلن يكون إلا بالحصول على بعض الأرغفة البيضاء لتطعمها لفراخ الأشباح في منزلها.
تتماوج الصفوف، تتقدّم قليلاً، لترى نفسها بعد حين في مؤخرة الجميع. لا أحد يتنازل عن مكانه. الجوع قضى على كل شيء؛ القيم الأخلاق والاحترام. الحصول على الخبز هو الغاية، وكل شيء مبرر للحصول عليه، إنه الحياة الآن.
في زحمة الموقف وتدافع الناس هزّ الانفجار الحي بكامله لترتفع سحابة دخان كبيرة. تيقن الجميع أن التنظيم، كعادته، بدء بقصف الأحياء المحاصرة. الغالبية لم تترك أماكنها، فالقصف شبه اليومي بات أمراً معتاداً، والجميع يتمتم: “ما بصير غير اللي كاتبو الله.”
توقفت أم نور لبرهة. بدأ الخوف والارتباك يتسللان إلى داخلها، لكن صورة أطفالها الجياع كانت تدور في مخيلتها وتمنحها الشجاعة للبقاء من أجل الحصول على الخبز دون أن تكترث بما يمكن أن تؤول إليه الأمور.
صوت صفير القذيفة يداعب السماء. إنها تقترب.. تقترب بسرعة كبيرة. “الله أكبر.. الله أكبر..” أخذ الجميع يرددها. “يا رب سترك..”
سقطت القذيفة في البناء المجاور للمخبز فهرع الجميع، مما أتاح لأم نور، في غفلة من الآخرين، أن تصل إلى باب التوزيع. دفعت المال وأخذت القليل من الخبز وراحت تركض مجتازة الحشود وهي تفكر في أطفالها. “اليوم الخبز ساخن.. البخار يتطاير منه لشدة سخونته..” فكرت في ذلك وهي تقلّبه على يديها البيضاء بشكل مستمر.
على زاوية الشارع المؤدي لبيتها، هنأتها جارتها بالخبز. سارت على عجل والفرحة بالخبز ألهتها عن نداءات الجيران: أم نور.. أم نور.. قذيفة.. اختبئي..”
الانفجار كبير. الغبار يملأ المكان. يخرج الجيران بعد لحظات. أم نور ممددة على الطرف الآخر من الشارع والدم يسيل من جسدها الوهن ويلوّن أرغفة الخبز التي لم تتركها أبداً.

اترك رد