ديرالزور – صوت وصورة

يعتمد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في إدارة المناطق التي يسيطر عليها على عدة مؤسسات، يطلق عليها التنظيم وأنصاره اسم الدواوين، مثل ديوان القضاء والمظالم، ديوان الحسبة، وديوان الصحة.. إلخ. يعمل التنظيم من خلال تلك التقسيمات لبسط نفوذه وتنظيم علاقته السلطوية المفروضة على الناس في مناطق حكمه، كأية سلطة دكتاتورية، حيث لا يكون لعامة الناس خيار في إدارة مصالحهم.
“صوة وصورة” كمنظمة مساهمة في كشف حقائق التنظيم واستخدامه الدعاية الإعلامية كجانب مهم في تضليل أنصاره والرأي العام الخارج عن حدود دولته، يسلط الضوء من خلال هذا التقرير على كشف أساليب التنظيم في بناء تلك المؤسسات التي “لا ترقى لأن تكون أكثر من مجموعات من الأفراد تدير عصابة لا تهتم بأحوال الناس ورعاية شؤونهم بقدر ما تساهم في تعذيبهم وفرض عقوبات عليهم بحجة قانون داعش الديني.”
يهتم تنظيم داعش في سبيل بناء نفوذه على الكم لا على نوعية الأفراد، وهذا يخالف ما يسوق له التنظيم من خلال إعلامه، إذ يعتمد التنظيم في تنفيذ مهامه على الأشخاص الأكثر قابلية “للسمع والطاعة العمياء” دون الأخذ بعين الاعتبار مكانة هؤلاء الاجتماعية أو مستواهم التعليمي، لذا فإنه من السهولة بمكان إيجاد كثير من “الجهلة” يتولون مناصب دينية واجتماعية وحتى عسكرية، وذلك على الرغم من سوء سمعتهم أو قلة وعيهم و إدراكهم لطبيعة الأمور الموكلة لهم.
مع سيطرة التنظيم على مناطق واسعة من دير الزور و الرقة وريف حلب استطاع “استغلال” وجود كثير من المدن والبلدات التي تحتاج إلى تيسير جوانب عديدة من أمورها المعيشية، ومع حاجة التنظيم إلى بناء قواعد نفوذ بما يضمن له البقاء والتمدد واستغلال خيرات تلك المناطق قام بتعيين عدد كبير ممن يطلق عليهم اسم “الشرعيين” بعد مرحلة الاستقرار وطرد فصائل المعارضة المسلحة من مناطق سيطرته، معتمداً أسلوباً قمعياً لا يختلف عن أسلوب أي نظام استبدادي كنظام الأسد، على حد تعبير العديد من سكان تلك المناطق.
شغل هؤلاء الشرعيون مناصب إدارية داخل صفوف التنظيم، وخاصة في ما يعرف بـ “ديوان القضاء والمظالم” ورغم ثقل دلالة الاسم إلا أن هؤلاء الشرعيين لا يمتلكون في الواقع أي علم شرعي أو قضائي يخوّلهم القيام بالمهام المترتبة على مناصبهم بشكل سليم، إذ لم يعتمد التنظيم على الكفاءات المتواجدة من أبناء تلك المناطق، والتي عمل على تهجيرها بحجج كثيرة أبسطها التعامل مع الأطراف المختلفة من المعارضة السياسية أو المسلحة، واكتفى التنظيم بتأهيل مريديه و أنصاره بدورات شرعية أو قضائية لا تتجاوز مدتها شهراً أو اثنين. ووفقاً لمعلومات حصلت عليها “صوة وصورة ” فإن “الدورات الشرعية تكون حول أساسيات التكفير وإطلاق الأحكام دون شهود خاصة عندما يتعلق الأمر بالزنى واللواطة والاستيلاء على الممتلكات.” بعد انتهاء الدورة يمنح التنظيمُ الشرعيَّ صلاحيات تصل إلى اصدار أحكام بالقتل أو الردة أو الكفر أو غيرها من الأحكام التي يدعي بها “تطبيق تعاليم الإسلام ” رغم أن كثيراً من الشرعيين لا يمتلكون أية خلفية دينية أو أكاديمية، بل وحتى منهم من لم يحصل على شهادة الثانوية العامة “البكلوريا.”
يتسم شرعيو داعش، الذين سخرهم التنظيم لخدمته وفق مصالحه وأهدافه، بضيق الأفق، الغلو في تطبيق الأحكام والحدود، والجهل بالفقه الإسلامي، فضلاً عن لغة التكفير الواضحة في خطابهم لكل من يخالف التنظيم حتى بالرأي، ناهيك عن المشاكل الاجتماعية والتفرقة والتمييز التي يعمل بها هؤلاء تغليباً لمصلحة التنظيم لا مصلحة الناس، حيث ارتكب كثيرٌ من شرعيي التنظيم أخطاءً وصلت إلى حد إزهاق أرواح الناس بأحكام مجحفة، وذلك باعتراف التنظيم نفسه الذي عمد منذ عدة أشهر إلى إعدام أحد شرعييه في مدينة المياذين بريف دير الزور بتهمة “أخذ أموال المسلمين بغير حق واختلاس أموال من بيت مال المسلمين.”
تختلف أدوار شرعيي داعش باختلاف الولاء للتنظيم والأقدمية في الانتماء، كذلك في حجم الخدمات المقدمة من قبل هؤلاء لمصلحة الأمراء والقادة الكبار في التنظيم، وقد يلعب أحياناً الانتماء العشائري دوراً في ترقية وكبر نفوذ أحد الشرعيين، فيما تختلف جنسيات الشرعيين بين الكويتية والسعودية والتونسية، ويحتل المناصب الرفيعة في “دار القضاء” أفراد يحملون الجنسية العراقية.
يعمل هؤلاء الشرعيون في عدة مجالات، أبرزها فض النزاعات من خلال محاكم شرعية، إعطاء الدروس الشرعية أو إلقاء خطب الجمعة، التعبئة في صفوف داعش العسكرية، إطلاق الأحكام وتطبيق الحدود، ويمتلك الشرعيون نفوذاً كبيراً في مناطق تواجدهم في ظل استمرار سياسة “البطش” التي ينتهجها تنظيم داعش، والجدير بالملاحظة أن هذه الممارسات والانتهاكات تتم في غالبيتها بناءً على بفتوى شرعية أو حكم شرعي، مما يخول السلطة الأمنية، كجهاز الحسبة أو الشرطة الإسلامية، تنفيذ تلك الأوامر، والتي قد تكون مثلاً القتل، بعد الحكم على “الضحية” بالكفر أو بالتعامل مع فصائل المعارضة السورية، أو غيرها من أحكام داعش التي لا تستند إلى نص قانوني مكتوب بقدر ما تصدر عن أشخاص غالباً ما يكونون غير معروفين بالنسبة للسكان الأصليين، وعادة يستخدم الشرعيون أسماء وهمية رغم تصدرهم المشهد الديني في مناطق داعش.
في هذا السياق لا بد من التذكير بما ورد على لسان أحد شرعيي التنظيم في أحد خطب الجمعة في مدينة الرقة، والمعروف باسم كمال زروق، إذ قال: “لو كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم حيّاً لانضم إلى دولة الإسلام،” وتجدر الإشارة أيضاً إلى ما أعلن عنه التنظيم عن طريق مواقع الكترونية تابعة له، إعدام أبو جعفر الحطاب، وهو قاضي شرعي في صفوف التنظيم، بسبب غلوه في التكفير، وكذلك إعدام أبو عمر الكويتي، أحد شرعيي التنظيم، لتكفيره البغدادي الذي لم يكفر زعيم القاعدة الظواهري، وهذه الأمثلة التي اعترف التنظيم بوجودها دلالة واضحة على جهل من يتصدر المشهد الديني في تنظيم داعش باسم “الخلافة المزعومة.”
كما تؤكد “صوت وصورة ” على المعلومات التي حصلت عليها من خلال مراسليها في مناطق سيطرة داعش، والتي تفيد بأن كثرة وقوع الشرعيين في الأخطاء أودت بحياة عشرات الأبرياء، كما هو الحال في مدينة البوكمال شرق سوريا على سبيل المثال لا الحصر، إذ أقدم عناصر التنظيم على إعدام امرأتين بتهمة “السحر” ثم أخبر ذويهم بأن الحكم كان خاطئاً و أن التنظيم مستعد لدفع الدية، كذلك ما اعترف به التنظيم حيال الأخطاء التي ارتكبها ثلاثة من شرعييه في الأحكام الصادرة بحق أهالي الشعيطات وأصدر فيما بعد قراراً يقضي بإعدام ثلاثتهم.

نحن مجموعة من الناشطين الحقوقيين وبعد ملاحظتنا لقلة الجهات التي توثق الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين في سوريا، قررنا إنشاء هذه المنظمة و التي تختص بتوثيق الانتهاكات من قبل جميع الجهات للعمل على محاسبتهم من قبل المجتمع الدولي.
المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.