ديرالزور – صوت وصورة

 

بعد ازدياد “بطش وظلم” تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في المناطق الخاضعة تحت سيطرته، أصبح يمارس أبشع أنوع العنف ضد سكان هذه المناطق، من قتل وجلد و صلب وقطع الأيدي، فضلاً عن انتشار قصص التعذيب المريعة التي يمارسها التنظيم داخل سجون الحسبة والشرطة الإسلامية التابعتين له، والتي يشبهها معارضو التنظيم بأفرع الأمن التي خبروها مع النظام السوري. هذه الأمور أدت بدورها إلى توسع دائرة الهجرة بين المدنيين بغية الهرب من “جحيم” مناطق نفوذ التنظيم كما وصفها بعض الخارجين منها.
بالتزامن مع هذه الهجرة انتشرت ظاهرة الأسواق الشعبية، أو ما يطلق عليه محلياً “المزادات العلنية” التي تباع فيها الأدوات الكهربائية والمنزلية المستعملة بأرخص الأسعار، حيث يتوجه إليها المدني الذي قرر الهجرة ليبيع معظم ما يملك لتأمين تكلفة الطريق إلى أوروبا غالباً.
لكن، وعلى الرغم من تدني أسعار المواد المعروضة، إلا أن عمليات البيع قد تطول لأسابيع، بسبب كثرة الذين قرروا بيع ممتلكاتهم لغرض الهجرة، وقلة الطلب عليها في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها السكان.
مراسل “صوت و صورة” في دير الزور جال في إحدى الأسواق الشعبية الواقعة في مدينة الميادين في الريف الشرقي لديرالزور، والتي خصص لها التنظيم دورية مسلحة لمراقبة عمليات البيع والشراء فيها. وقد التقى المراسل بأحد التجار، يدعى خالد.
يقول التاجر: “عند طلبنا من مقر الحسبة، السلطة الأقوى في المنطقة، فتح هذه السوق الشعبية، رفضها بدايةً أمير الحسبة الموجود في المنطقة بذريعة أنه من الممكن أن يُستهدف مكان التجمع من قبل طائرات التحالف الدولي أو الطائرات التابعة للنظام السوري، لكنه قد سمح لنا بفتحه لاحقاً متذرّعاً بحجة أن النبي محمد كان قد أشرف بنفسه على مثل هذا المزاد في عصره، و بهذا أقر بشرعية افتتاحه.”
توقف خالد عن الكلام عند قدوم أحد عناصر التنظيم بعتاد عسكري كامل ليكون شاهداً على عملية بيع و شراء جرت، ثم تقاضى ضريبة على ذلك مبلغاً قدره 1000 ليرة سورية من البائع والمشتري، وعند مغادرة العنصر أكمل التاجر: “كانت هذه الأسواق مخصصة للعمل يوم الجمعة فقط، لكن معظم المدنيين الذين بدأوا ببيع ممتلكاتهم لم يجدوا المكان المناسب لبيعها، الأمر الذي أجبرني برفقة عدد من التجار إلى فتح مثل هذا السوق الشعبي وبشكل يومي، حيث يأتي البائع و يعرض ما لديه للتجار، الذين قد يشترونها بسعر بخس أو لا، بسبب الضريبة التي فرضها التنظيم على كل من البائع والمشتري.”
تابع المراسل جولته داخل السوق الشعبي، والتقى بإحدى النساء، التي قدمت لبيع عدد من الأدوات الكهربائية المستعملة. في البداية رفضت المرأة الإداء بشهادتها خوفاً من التنظيم، الذي من الممكن أن يعتقلها إن علم أنها قررت الهجرة، لكنها قبلت لاحقاً بشرط عدم ذكر اسمها.
“زوجي استشهد على إثر غارة للطيران الحربي التابع للنظام السوري استهدفت منزلنا في مدينة العشارة في الريف الشرقي قبل عامين، وابني الكبير استشهد بعد هجوم للجيش الحر على أسوار مطار دير الزور العسكري قبل سيطرة تنظيم الدولة على المنطقة بشهرين تقريباً، وعندي ولدين آخرين، 15 سنة و 12 سنة، الأمر الذي دفعني لبيع الممتلكات التي بقيت من منزلي وقررت أن أهاجر بعد أن بدأت أفكار الانتساب إلى صفوف التنظيم تغزو دماغ ولدي، وهذا الأمر قد يودي بحياتهما، لذا بدأت بزرع فكرة الهجرة في مخيلتهما عن طريق وصفي لهم جمال أوروبا والعيش المرفه الذي سنحصل عليه هناك، والآن أنا هنا، قمت ببيع كل ما أملك ورحلة الهجرة ستبدأ غداً.”
الجدير بالذكر أن ظاهرة الأسواق الشعبية انتشرت في معظم محافظات سوريا سابقاً بعد أن اضطر المدنيون للنزوح من مناطق سيطرة النظام خوفاً من الاعتقال، ونزوح المدنيين أيضاً إلى مناطق سيطرة النظام خوفاً من القصف الذي تتعرض له المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، أما حديثاً لم تقتصر ظاهرة انتشار الأسواق الشعبية على ريف دير الزور فقط، بل توسعت في أغلب مناطق سيطرة تنظيم داعش.

اترك رد