حمص – صوت وصورة

تعتبر مدينة تدمر الأثرية الواقعة وسط البادية السورية إحدى أهم المدن الأثرية في العلم، إذ ورد اسمها في ألواح طينية تعود إلى القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وتحتضن العديد من المعالم الأثرية التي كانت مقصداً للسياح وخبراءالآثار من كل أنحاء العالم، لكن الحرب في سوريا انعكست على المدينة قبل أن تؤول أخيراً إلى سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” الذي دمر حتى الآن كثيراً من معالمها الأثرية الشهيرة.
عشرات المعالم الأثرية تسرد تاريخاً طويلاً للمدينة
تتميز تدمر، أو “لؤلؤة الصحراء” مثلما تلقب، بتوزع الأطلال فيها على مساحة تتجاوز 10 كيلومترات مربعة، ويحيط بها سور دفاعي من الحجر المنحوت، وآخر من الحجر واللبن، وقد تعاقب على السكن فيها الكنعانيون والعموريون والآراميون.
وصنفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “يونسكو” المدينة على قائمة التراث العالمي من بين ستة مواقع داخل سوريا، وتحوي تدمر أيضاً متحفا كبيرا يضم آثارا تعود لأكثر من 30 قرناً، كما تعتبر معابد “أرصو” و”بل” و”بعلشمين” و”اللات” والشارع الطويل وقوس النصر والحمامات ومجلس الشيوخ والسوق العامة ووادي القبور والمدافن البرجية، إضافة إلى أكثر من ألف عامود، من أهم معالمها.
شكلت تدمر (بالميرا باللاتينية) وجهة سياحية بارزة، حيث كان يقصدها أكثر من 150 ألف سائح سنوياً، ومرت بأبهى أيام تاريخها في عهد الملكة زنوبيا، عام 270 ميلادي، والتي مدت سيطرة تدمر إلى بلاد الشام كلها وجانباً من مصر، ووصلت إلى آسيا الصغرى.
سجن تدمر بات واحداً من معالمها أيضاً
من جهة ثانية اشتهرت المدينة لدى السوريين، إضافة إلى معالمها الأثرية المميزة، بسجنها الذي يحمل اسمها، والذي شكل على مدى سنوات حكم الرئيس السوري السابق حافظ الأسد أهم معتقل للمعارضين السياسيين، وشهد أوائل الثمانينات أحداث عنف راح ضحيتها مئات من السجناء إثر محاولة اغتيال فاشلة تعرض لها حافظ الأسد.
وتقول المصادر إن عملية قامت بها وحدات من الجيش السوري بقيادة رفعت الأسد، شقيق حافظ الأسد، أدت إلى مقتل حوالى 1200 سجين سياسي.
تنظيم داعش يسيطر على المدينة ويدمر آثارها
في أيار/مايو من العام الحالي سيطر تنظيم “داعش” المتطرف على المدينة الأثرية وعاث فيها فساداً ودماراً، فبدأ بتدمير معبد “بعلشمين” الذي بني قبل حوالي ألفي سنة، ويعود إلى العصر الروماني، ويعد أهم وأجمل الأبنية الأثرية المحفوظة في تدمر، وذلك عبر تفجيره باستخدام كمية كبيرة من المتفجرات.
وقال المدير العام لـ “الآثار السورية” مأمون عبد الكريم إن “التنظيم فخخ معبد بعلشمين بكمية كبيرة من المتفجرات ثم فجره، وقد تم تدمير المعبد بشكل كامل.”
بعد “بعلشمين”، فجر التنظيم المتطرف معبد “بل” عبر تفخيخه بمتفجرات وضعت داخل ومحيط المعبد، ولكن عبد الكريم قال إن “معبد بل ما يزال صامداً على الرغم من محاولة مسلحي داعش تفجيره” مؤكداً “وقوع انفجار شديد داخل ومحيط المعبد، لكن هيكله الأساسي وأعمدته لم يتعرضوا لأضرار.”
وقالت البروفيسور في علوم جرائم الآثار، إرين تومبسون، إن أهمية معبد بل “تعتبر بالغة جداً في عالم الآثار القديمة”، وأضافت “خسرنا الكثير. فهذا أحد أكثر المعابد التي تم المحافظة عليها من حقبة التاريخ القديم.”
وكذلك دمّر مسلحو “داعش” أيضاً تمثالاً لأسد يعود إلى القرن الثاني الميلادي، إضافة إلى ضريحين إسلاميين بالقرب منه، ووصفوهما بأنهما من “مظاهر الشرك.”
كما دمّر التنظيم كذلك قوس النصر، أحد أهم معالم المدينة بحسب المدير العام للآثار، الذي أكد أن عناصر تنظيم الدولة الإسلامية “نسفوا قوس النصر” كما أكد ذلك ناشطون معارضون من أبناء المدينة.
من جهة ثانية، أعدم التنظيم المتطرف في آب “أغسطس” الماضي، ما يمكن اعتباره أهم شخصية علمية وثقافية، بين مئات أعدمهم وقام بتصفيتهم بأساليب وحشية حتى الآن، وهو المدير العام الأسبق لآثار تدمر، عالم الآثار السوري خالد الأسعد، وذلك بقطع رأسه، وقام بتعليق جثته على عمود في الطريق العام في تدمر.
وأثارت عملية قتل الأسعد، الذي قضى معظم حياته يعمل على الترويج لآثار تدمر وحمايتها، وبقي مسؤولاً عن آثار المدينة حتى تقاعد عام 2003، استياءً واسعاً في العالم كله، إذ أدانت منظمة “يونسكو” قتل الأسعد، وأعربت المدير العام للمنظمة إيرينا بوكوفا، عن حزنها وغضبها إزاء “جريمة القتل الوحشية” التي طالت الأسعد، وأضافت أن هذا التدمير الجديد يكشف مدى “خوف هؤلاء المتطرفين من التاريخ والثقافة، ويظهرهم على حقيقتهم كنموذج للحقد والجهل”، مضيفة “لن يكون هناك تسامح مع مجرمي الحرب وستبذل كل الجهود الممكنة لسوق منفذي أعمال التدمير هذه أمام القضاء ومعاقبتهم بالتعاون الوثيق مع المحكمة الجنائية الدولية.”

اترك رد