ديرالزور – صوت وصورة

 

يعتبر جهاز الحسبة التابع لتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” أحد الركائز القوية والأمنية التي يعتمد عليه التنظيم في المناطق الخاضعة لسيطرته في كل من الرقة ودير الزور وريفي حلب والحسكة.
الحسبة عبارة عن نظام أمني وقوة مسلحة تلعب دور هيئة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” حسب زعم عناصر التنظيم، إلا أنها بعد حملات الاعتقال التعسفية والإعدام وعمليات الصلب والجلد التي تقوم بها فقدت هذا النعت.
تضم الحسبة كتيبة مسلحة من النساء، التي بدورها تقوم باعتقال النساء بتهم مختلفة أبرزها مخالفة اللباس الشرعي، إلا أن القوة النسائية يختلف مكان تواجدها من منطقة إلى أخرى، كما تختلف جنسيات عناصر الحسبة بين سوريين أو من يطلق عليهم التنظيم اسم “الأنصار” وهم النسبة الأقل، وعناصر آخرين من جنسيات مختلفة أبرزها التونسية والمصرية و السعودية، غير أن أغلب القياديين في الحسبة هم الجنسية السعودية.
مراسلو “صوت وصورة” المنتشرون في محافظة دير الزور تمكنوا بصعوبة وبعد معاناة كبيرة من إقناع أشخاص كانت لهم تجارب سيئة مع الحسبة لأخذ شهادات منهم، وذلك في محاولة لإيصال صوت الأهالي القابعين تحت حكم داعش.
أبو عمر، اسم مستعار اختاره أحد أهالي قرية حطلة في الريف الشرقي لدير الزور، قال لأحد لمراسلنا: “كنا نظن أن الحسبة في مدينة الشدادي في الريف الجنوبي للحسكة هي أخطر وأخبث فرع للحسبة في مناطق سيطرة داعش، إلا أنّ عناصر الحسبة الموجودين في قريتي، وأحدهم من أبناء عمومتي، فاقوا فرع الحسبة في الشدادي خباثة وخطورة، واتبعوا سياسة المخابرات السورية في التعذيب وانتهكوا الكرامة الإنسانية، فأصبحوا يعتقلون الأشخاص حسب المظهر الخارجي لهم دون أية تهم أو مخالفة ظاهرة، ويقتادوهم إلى مقر الحسبة الموجود في القرية ويمارسون معهم أبشع أنواع التعذيب كالصعق بالكهرباء والشبّح، والتي تؤدي إلى الوفاة في بعض الأحيان.”
يكمل أبو عمر معلقاً على بشاعة التعذيب الذي يتعرض له المعتقل من قبل عناصر الحسبة قائلاً: “أحد العناصر من الأنصار، من أهالي قرية الصالحية في الريف الشمالي لدير الزور، قام بإخبار جهاز الحسبة في القرية بأن أحد أقاربي لا يصلي ولا يذهب للمسجد وتهرّب من الدورات الشرعية التي أقامها التنظيم، فجاءت سيارتان لاحقاً من نوع “فان” تابعتان للحسبة برفقة عدد كبير من العناصر، واعتقلوه ثم قاموا بجلده أولاً 50 جلدة أمام أنظار أهالي القرية دون محاكمته، ثم اقتادوه لاحقاً إلى سجن الحسبة وحكموا عليه بالسجن لشهرين متتالين مع حفظ خمسة أجزاء من القرآن الكريم، إلا أن أهل المعتقل تواصوا مع أحد أمراء الحسبة وأطلقوا سراحه بعد دفع غرامة مالية قدرها 100 ألف ليرة سورية والتعهد بأداء الصلاة وحضور الدورات الشرعية.”
في ريف دير الزور الغربي تمكّن المراسل الموجود في المنطقة، وبعد عدة محاولات، من أخذ شهادة حصرية من إحدى العوائل التي كانت لهم تجربة وصفوها بـ”القاسية والبشعة” مع عناصر جهاز الحسبة الموجودين في منطقتهم، حيث اختار الأب اسم “أبو أحمد” و الأم “أم أحمد” كأسماء مستعارة لضرورة ضمان أمنهم وسلامتهم من “بطش” عناصر الحسبة عموماً و”ظلم” أمير الحسبة بالريف الغربي، والذي يطلق على نفسه لقب “جسار” خصوصاً.
أدمعت عينا أبو أحمد أثناء تذكره لحادثة اعتقاله التي وصفها قائلاً: “جاءت سيارتان من نوع “بيك آب” ذات لون أبيض أشبه بسيارات شبيحة النظام. كنت حينها في سوق القرية عندما قام العناصر بتقييد يدي وبطحي أرضاً، وقبل أن يغطوا عيني بقليل رأيت المدعو “جسار” والذي قال لي: “ذبحك على أيدي يا مرتد” ثم بدأوا بضربي حتى أغمي علي.
سكت “أبو احمد” لبضع دقائق والدموع قد ملأت وجهه، ثم أكمل: “فتحت عيني فوجدت نفسي داخل سجن مظلم وحولي ما يقارب العشرين معتقلاً. سمعت صوت صدى لصراخٍ آتٍ من خارج السجن. سألت أحد الموجودين معي أين نحن، وقبل أن يجيبني فتح عناصر مقنعون الباب وأخذوني إلى غرفة المحقق صاحب اللهجة التونسية التي مازالت عالقة في ذاكرتي. قال لي حينها إنني متهمٌ بقتال التنظيم مع عناصر الجيش الحر مطلقاً عليهم اسم الصحوات قبل سيطرة التنظيم على المنطقة، كما أنني لم أقم بحضور دورات الاستتابة التي أقامها التنظيم. بعدها بدأ العناصر بضربي وشتمي، ولم يتركوا لي فرصةً للدفاع عن نفسي، ثم أعادوني إلى السجن. وبعد عشرة أيام من الضرب والجلد و الشتم اليومي أطلقوا سراحي، وعلمت لاحقاً أن والدي قد دفع مبلغاً مالياً كبيراً للمدعو “جسار” مقابل مساعدتي وإطلاق سراحي.”
أما “أم أحمد” فقد ظهرت عليها علامات الخوف والقلق، وترددت في إعطاء المراسل الشهادة، إلا أنها قبلت لاحقاً بعد عدة محاولات، وقالت: ” قامت مجموعة من النساء اللاتي يتبعن للحسبة باعتقالي من سوق المدينة موجهين لي التهم بأن لباسي مخالف للباس الشرعي وأنني أتجول في السوق دون محرم، و قاموا بتغريمي بمبلغ 7000 ليرة سورية بحجة شراء لباس شرعي جديد، وقالوا لي إن تكررت الحادثة فسوف يجلدوني 100 جلدة أو سأتعرض للدخول إلى السجن.”
كثير من الاهالي التي منعتهم الظروف من مغادرة مناطق تنظيم داعش، الذي يقوم بمحاسبة كل من يخالفه قتلاً أو سجناً أو جلداً أو حتى بفرض غرامة مالية في بعض الأحيان، والذين يتعرضون لظلم التنظيم بشكل يومي، والذين أصبحوا يخافون من التجول مع نسائهم و بناتهم في قراهم ومدنهم، يعتبرون جهاز الحسبة بمثابة القبضة الأمنية التي تكتم على أنفاسهم والهاجس الأول الذي يسبب لهم الخوف والإرهاب الدائم.

نحن مجموعة من الناشطين الحقوقيين وبعد ملاحظتنا لقلة الجهات التي توثيق الانتهاكات المرتبكة بحق المدنيين في سوريا، قررنا إنشاء هذه المنظمة و التي تختص بتوثيق الانتهاكات المرتكبة من قبل جميع الجهات للعمل على محاسبتهم من قبل المجتمع الدولي. المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

اترك رد