حصري – صوت وصورة +18

يصف الأهالي الساكنون في مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” أنفسهم بالسجناء القابعين داخل سجن كبير يحكمه التنظيم بقبضته الأمنية ويحرسه بحد السكين الذي بات يشكل رعباً يفوق هدير الطائرات الغائرة ووقع البراميل المدوي.
في حين أن السجناء الحقيقين داخل سجون التنظيم يتمنون رؤية ذلك السجن الكبير، الذي بات حلماً لبعضهم على الرغم من مساوئه، إلا أنه ربما يحمل بين جدرانه موتاً رحيماً أو معيشة تخلو من تعذيب فاق سجن الباستيل.
أبو نور، سجين سابق لدى التنظيم، خرج بعد دفعه مبلغ 50 ألف دولاراً، بعد اتهامه ببيع أسلحة لمقاتلي الجيش الحر، واستطاع بعدها الهرب إلى الشمال السوري بعيداً عن سلطة التنظيم، فالتقى به مراسل صوت وصورة لتسجيل شهادات عما رآه في سجون التنظيم
يجلس أبو نور بصعوبة متكئاً على يده اليمنى معللاً الأمر بإصابة نالها داخل سجون التنظيم، وربما تسببت له بعاهة مستديمة، ويقول: “بدأت معاناتي عند سيطرة التنظيم على مدينة الميادين في ريف ديرالزور الشرقي وبدأت معها حملات الاعتقال، وكنت أحد المعتقلين بسبب عملي بتجارة السلاح وبيعها للجيش الحر قبل سيطرة التنظيم على المدينة.” أذكر جيداً أخر كلمة سمعتها قبل دخولي السجن من عنصر يتحدث اللهجة العراقية عندما دفعني بقوة إلى داخل السجن وقال لي: “فتت على باب من أبواب جهنم” راسماً لي حجم العذاب الذي سأتلقاه هناك.
وأضاف أبو نور: “لا أود الحديث عن الضرب والصعق بالكهرباء والشتائم اليومية، بل أريد الحديث عن الشاب عبدالله الذي أصابه الجنون داخل السجن، , فهو كان متهماً بصفته مقاتل سابق في الجيش الحر، وقد كان له الحجم الأكبر من التعذيب ضمن مجموعتنا المؤلفة من 13 سجيناً في غرفة لا تتجاوز مساحتها 8 أمتار. أفقنا ذات ليلة على صوت صراخه ليتضح أن عناصر التنظيم قد دخلوا خلسة إلى الغرفة التي كنا بها ووضعوا رأساً مقطوعةً جانب رأسه وأقعدوه وعندما شاهد المنظر فقد عقله.”
تابع أبو نور حديثه بعد توقفه لمدة عشر دقائق قضى معظمها بالبكاء وهو يحاول إخفاء دموعه عن المراسل، إلا أنها كانت أقوى منه وفضحته: “رؤيتي للشاب عبدالله في اليوم التالي وكيف أصبحت حركاته جنونية هو أشد تعذيب تلقيته داخل سجن التنظيم، وبت أحلم كل يوم برأس مقطوع يوضع جانبي. هنالك الكثير من الأمور ربما يخطر لك أنها لا تحدث إلا في أفلام الرعب لكنها حقيقية في سجون التنظيم.”
مراسل صوت وصورة في ديرالزور علم بقصة أبو نور وبدأ تحقيقاً ميدانياً عن سجون التنظيم، واستطاع بعد البحث المطول الوصول لأحد المفرج عنهم من سجون التنظيم، وبصعوبة بالغة أقنعه بالحديث معه والادلاء بشهادته، شرط عدم ذكر اسمه الصريح أو معلومات مفصلة عنه ليتخذ من “راكان” اسماً وهمياً له.
يقول راكان: “لا أعلم من أين أتوا بكمية الحقد الكبيرة هذه حتى يبتكروا أساليب التعذيب تلك. كانوا يأتون بأيادي وأرجل مقطوعة ويعلقونها داخل السجن لمدة أسبوع أو أكثر غير مكترثين بالرائحة التي تصدر عنها، وذات مرة أدخلوا إلينا رأساً مقطوعةً وطلبوا منا أن نلعب بها كرة قدم، وعندما رفضنا بدأوا باللعب بها وهم يضحكون ويقولون رأس احدكم سيكون التالي.”
وأضاف راكان: “جميع من في السجن كانوا محكومين بالإعدام، هكذا كان عناصر التنظيم يخبروننا. يدخلون ويختارون أشخاصاً منا بشكل عشوائي، ولا نراهم فيما بعد، ويقول العناصر إنه تم إعدامهم. سمعت بعد خروجي من السجن أنه تم إعدام بعضهم بالفعل بينما يوجد أشخاص لم يعلن التنظيم عن إعدامهم، ربما نقلوهم إلى سجن آخر.”
حال سجون التنظيم متشابهة في جميع المناطق، ومن أبرز هذه السجون سجن المحكمة الإسلامية في مدينة منبج بريف حلب الشرقي، حيث يتم احتجاز المعتقلين في غرف مكتظة لا تحتوي إلا على فتحة صغيرة على الحائط الجانبي تعتبر منفذ التهوية الوحيد للسجناء، في حين أنه في سجن المحكمة الإسلامية في مدينة الباب شرق حلب، يتم الزج بحوالي 55 سجيناً في غرفة لا تزيد مساحتها عن 30متر مربع، ومهجع آخر تبلغ مساحته 150 م يحتجز فيه التنظيم ما يقارب 210 سجيناً، أما فيما يتعلق بالمنفردات، فلا تزيد مساحة المنفردة في سجن المحكمة في مدينة الباب عن المتر الواحد.
ويؤكد راكان على وجود جميع أساليب المتعارف عليها وغير المعروفة، فالتعذيب بالإيهام بالغرق والصعق بالكهرباء والحرق والضرب موجود بكافة أشكالها، إلا أن عناصر التنظيم يستخدمون أساليب تعذيب نفسية تفوق التعذيب الجسدي، “ولطالما عملوا على تحطيم الإنسانية في داخلنا من خلال محاولتهم إجبارنا على إهانة الميت أو توجيه الضرب لبعضنا البعض بوساطة الايادي المقطوعة التي كانوا يجلبونها.”
خفايا كثيرة تُكشف يوماً بعد يوم تظهر مدى سوء الوضع في أماكن سيطرة التنظيم وكمية الاجرام داخل معتقلاته، وتظهر زيف القناع الذي وضعه التنظيم بتقديمه صورة مشرقة عن أماكن حكمه، فتضميد أماكن الأعضاء المبتورة وعلاجها في إصدارات التنظيم المرئية تخفي خلفها جرائم ضد الإنسانية وتنذر بخطر تصبّغ مجتمع بأكمله بالعنف.

اترك رد