ديرالزور – صوت وصورة

مضى أكثر من شهر على مقتل عبد الباسط حميدة، قائد ما يسمى “جيش العشائر” التابع لقوات النظام، والذي يعتبر القوة الأبرز التي يراهن عليها النظام في شرق سوريا في قتاله ضد تنظيم الدولة “داعش”.

مصدر خاص من “جيش العشائر” أكد لـ”صوت وصورة” أن انفجار لغم أرضي بسيارة حميدة أدى إلى مقتله وإصابة العميد عصام زهر الدين، القائد العسكري لمطار دير الزور ومتزعم مجموعة “نافذ أسد الله” بجروح، وذلك أثناء قيامهما بجولة تفقدية لعناصر قوات النظام في منطقة جبل “الثردة، جنوب شرق المطار، في الخامس من شهر آب الماضي.

نشأة جيش العشائر

بعد “المجزرة” التي أرتكبها تنظيم الدولة “داعش” بحق عشيرة الشعيطات السورية خلال شهر آب من العام الماضي، والتي راح ضحيتها أكثر من 1000 شخص، لجأت مجموعة من أبناء العشيرة إلى قوات النظام السوري، وأعلنوا في أيلول، وفي ظروف غامضة، عن تشكيل فصيل جديد يطلق عليه “جيش العشائر” ينادي بالثأر لضحايا عشيرة الشعيطات، ومحافظة دير الزور عموماً، من “داعش”.

يصل تعداد “جيش العشائر” إلى 250 عنصراً تقريباً، انضموا إليه من مختلف عشائر دير الزور، والجزء الأكبر منهم ينتمي إلى عشيرة الشعيطات.

بدء الجيش تجمعه في معسكر خاص أنشأه النظام السوري لهم في مدينة تدمر خلال شهر تشرين الأول من نفس العام، تلقى فيه مقاتلوه تدريبات على يد ضباط من النظام السوري.

من جهتها أعلنت قيادات جيش العشائر أن المبرر الأول لانضمامهم إلى قوات النظام هو أنهم “عشيرة ظلمها تنظيم الدولة ولم يناصرها أحد من عشائر المنطقة والقوى العسكرية التابعة للجيش السوري الحر، فلم يبق لديهم أي خيار إلا العودة إلى الجيش النظامي لمحاربة التنظيم.”

في المقابل رفضت القوى العسكرية والعشائرية من أبناء محافظة دير الزور، وخاصة عشيرة الشعيطات، مبررات جيش العشائر، ويعتبرون أن هذا التنظيم يمثل نفسه ولا يمثل أبناء العشيرة، وهو سبب المجازر التي ارتكبت بحق أبنائهم، وأنه “مجرد أداة يستخدمها النظام السوري مستغلاً مظلومية أبناء الشعيطات.”

أحمد، من ضباط عشيرة الشعيطات، أكد أن قيادات جيش العشائر هي السبب الرئيس في مجازر التي ارتكبها التنظيم بحق العشيرة، بعد أن أصروا على القتال في الوقت الذي انسحبت فيه الفصائل المسلحة التي كانت تقاتل التنظيم في دير الزور نتيجة عدم قدرتها على الثبات في وجهه وحفاظاً منها على سلامة المدنيين. وأضاف أن هؤلاء لم يقاتلوا بدافع ديني أو عشائري أو حتى وطني، وإنما قاتلوا “دفاعاً عن آبار النفط” الموجودة في مناطقهم، فقاموا بتوريط المدنيين من أبناء الشعيطات، وهم أنفسهم قادة جيش العشائر الآن.

رامبو المعارك ضد تنظيم الدولة

الحقد الأسود في قلوبهم، مواجهة الموت بدافع الانتقام، خبراتهم القتالية العالية، المعرفة الجغرافية للمنطقة، والقدرة على حسم المعركة كانت الأسباب الأبرز التي دفعت النظام السوري إلى وضع ثقته بجيش العشائر، الذي أصبح لاحقاً “اليد الحديدية” التي يضرب النظام تنظيم “داعش” بها في ريف محافظة حمص ودير الزور، ومدينة الحسكة مؤخراً، علماً أنه تم الخوض في العمل العسكري لجيش العشائر بداية شهر تشرين الثاني من عام 2014، عند مشاركتهم قوات النظام في التصدي للتنظيم في حقل شاعر بريف حمص، ومن ثم الهجوم على بلدة الشولا (20 كم جنوب دير الزور) حيث تمكنوا من قتل وأسر جميع عناصر التنظيم داخلها وبعدها الانسحاب باتجاه مدينة تدمر.

دور جيش العشائر برز بشكل أكبر بعد هجوم تنظيم الدولة على مناطق سيطرة قوات النظام في محافظة دير الزور بهدف السيطرة عليها، ليقوم النظام على أثره بنقل جيش العشائر من مدينة تدمر إلى داخل مناطق سيطرته في دير الزور، واستطاع جيش العشائر بعد أيام من وصوله ودخوله المعركة من صد هجوم تنظيم الدولة على مطار دير الزور العسكري واللواء 137 غرب المحافظة، وكبد التنظيم خسائر كبيرة في المعدات والأرواح.

أحد عناصر تنظيم الدولة، والذي رفض الكشف عن نفسه، قال لـ”صوت وصورة” إن جيش العشائر هو “العامل الرئيس في فشل تنظيم الدولة في السيطرة على دير الزور بسبب شراسة مقاتليه ومعرفتهم الدقيقة لجغرافية المنطقة،” موضحاً أنهم جميعاً كانوا مقاتلين عناصر الجيش السوري الحر قبل سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على دير الزور وتشكيل جيش العشائر وانضمامه إلى قوات النظام. وأشار إلى أنهم تمكنوا من قتل كثير من عناصر التنظيم بكمائن محكمة، واستطاعوا بعد أشهر من وصولهم إلى المحافظة من تأمين محيط مطار دير الزور العسكري ومناطق سيطرة النظام في الأحياء الغربية من المدينة.

ومن المعارك التي خاضها هذا الجيش مؤخراً مشاركته في صد هجوم تنظيم الدولة “داعش” على محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، واستطاع فيها “جيش العشائر” بمشاركة قوات النظام ووحدات حماية الشعب من استعادة السيطرة على معظم أحياء المدينة التي فقدها قبل ذلك، وخاصة حيي غويران والنشوة.
انتصارات جيش العشائر المستمرة مذ تشكيله جعلت منه “البعبع” الذي شكل هاجساً بالنسبة لعناصر تنظيم الدولة و”الأسطورة” التي فاقت شهرتها عناصر النخبة من الحرس الجمهوري والفرقة الرابعة التي لطالما تغنى النظام بكونهما القوة التي لا تقهر.

عراب “جيش العشائر”

عبد الباسط حميدة، قائد ومؤسس “جيش العشائر” وعرابه، هو من أبناء محافظة دير الزور، قرية الكشكية، تولد عام 1988، وأوضح مقربون منه أنه “إنسان بسيط لا يملك أي تحصيل علمي.”

انضم حميدة إلى “الثوار” على النظام السوري مع بداية الثورة السورية خلال عام 2011، ليصبح لاحقاً قيادياً في كتائب أحفاد عائشة المنضوية تحت راية الجيش السوري الحر، وهو من أبرز أبناء عشيرة الشعيطات التي قاتلت تنظيم الدولة “داعش” قبل أن يفرض سيطرته على دير الزور.

بعد سيطرة التنظيم على دير الزور، توجه عبد الباسط مع مجموعة من أبناء عشيرة الشعيطات إلى قوات النظام، وأسس “جيش العشائر” الذي قاتل التنظيم في أكثر من محافظة سورية.

مقتل حميدة وانقسام جيش العشائر

بعد أحد عشر شهراً من قيادته لجيش العشائر، سقط العراب وبعبع النظام في وجه تنظيم الدولة قتيلاً بعد انفجار لغم أرضي بسيارته، لتنتهي أسطورة “أخو سعدة” التي أرهقت أمراء التنظيم، ليدفن داخل حي الجورة الذي تسيطر عليه قوات النظام في مدنة دير الزور، بعيداً عن أهله ومسقط رأسه بلدة الكشكية.

عقب مقتله حدث انقسام داخل جيش العشائر، فقسم من عناصره التحقوا بمجموعة “نافذ أسد الله” التي يقودها عصام زهر الدين، وقسم ثانٍ التحق برئيس فرع الأمن العسكري في دير الزور مازن كنج، حيث عمل المذكوران على استمالة قسم من عناصر جيش العشائر.

في الآونة الأخيرة بدأت تطفو إلى السطح مشاجرات ومشاكل كبيرة بين قوات الأمن السوري وعناصر جيش العشائر، وصلت إلى حد تبادل إطلاق النار والاشتباك، وفقاً لشهود عيان، وقد تراجع دور الجيش في الفترة الأخيرة بشكل كبير، فلم يعد يسمع له أي صوت، وأرجع ناشطون معارضون ذلك إلى غياب القيادة المركزية للجيش بعد مقتل حميدة والانقسامات التي حدثت بعدها.

اترك رد